حوار ماتع مع الأديب السوري عبد الرحمن مطر
ادب السجون الوجه والواجهة هموم وقضايا
الجزء الأول
حاوره الأستاذ :زكرياء بوغرارة
يشكّل أدب السجون في العالم العربي أقوى أنشغال للكتاب الأحرار الذين خاضوا تجارب دامية و أليمة في غيابات السجون من أجل الكلمة الحرة والرأي والموقف والاصطفاف ومعارضة الأنظمة الوظيفية الشمولية… لهذايجد هذا الأدب الإنساني القه وبريقه من تلك الأقلام الثائرة المتحررة من ربقة السلطة القمعية…
تصوير ونقل المعاناة في متاهات السجون وإماطة اللثام عن المسكوت عنه في الأماكن الضيقة المغلقة المعتمة .. مهمة شاقة وعسيرة لهذا لايضطلع بهذه المهمات النبيلة إلا القلة من الكتاب والأدباء الذين عايشوا العتمة وعاشوها ورووا عنها ما لم يرى الآخرون…..
هذا الأدب الماتع كالجمر الكامن تحت الرماد.. كلما هبت عليه الريح زاد توهجا واشتعالا هو ما يشغلنا ونحن نفتح ملف ادب السجون الوجه والواجهة في وطننا العربي الكبير أو السجن الأكبر الذي يتسع ليضم بين جوانحه كافة الأحرار من عشقوا الكلمة الحرة وآمنوا بالحلم .. وتطلعوا للحرية في زمن العبيد
من أجل ذلك سعينا للحوار مع الأديب السوري عبد الرحمان مطر احد اظهر من كتبوا عن تلك العتمة الباهرة من خلال تجربة قاهرة …
نظرا لأنشغالاته العديدة المتصلة بالأدب والفكر والمعرفة أنتظرنا طويلا إلى ان أنجزنا هذا الحوار الماتع عن أدب السجون وقضاياه ومهمومه .. هموم الانسان الحر في زمن السجون والقهر …
بطاقة تعريفية بالأديب عبدالرحمن مطر
كاتب وصحفي من سوريا ، مقيم/ لاجئ في كندا منذ عام 2015 ، شاعر وروائي. عمل في الثقافة والإعلام في سوريا وليبيا. وهو باحث في العلاقات الأورو-متوسطية ، وقضايا حقوق الإنسان ، وناشط في قضايا الحريات والمجتمع المدني. مؤسس ومدير مركز دراسات المتوسط، والمنتدى الثقافي السوري المتوسطي – SEEGULL.
مدير تحرير ” اوراق ” مجلة رابطة الكتّاب السوريين.
ينشر البحوث والمقالات في الصحافة العربية.
نشر خمسة كتب، هي:
الدم ليس أحمر (قصص مشتركة 1983) ، أوراق المطر – شعر 1999 ، وردة المساء – شعر 2000 ، دراسات متوسطية 2001 ، سراب بري – رواية 2015 ،
يصدر له بالانجليزية قريبا
– رواية سراب بري – ترجمت بدعم من PEN Canada
– – الطريق الى الحرية – مع آخرين – قصص الكتّاب في المنفى ، بمبادرة من PEN Canada
– اعتقل خمس مرات وأمضى حوالي 10 سنوات في السجن بسبب الرأي وحرية التعبير
تتناول روايته “سراب بري” تجربته في السجن السياسي والتعذيب والحرمان وسوء المعاملة والقمع.
عضو رابطة الكتاب السوريين (عضو المكتب التنفيذي) وجمعية الصحفيين.
عضو “رابطة القلم الكندية” / PEN Canada.
عضو اتحاد الكتاب في كندا TWUC .
عضو الرابطة الكندية للصحفيين Caj
حائز على جائزة تمكين المجتمعات: الالتزام بالفنون، مهرجان متعدد الثقافات 2021 / تورنتو – كندا
أدب السجون الوجه والواجهة
ملخص حول رواية” سراب بري “

تتناول الرواية حياة السجن ، بكل ما فيها من مكابدات ومعاناة . وتركز على أربعة مسائل أساسية هي : ” التعذيب – القهر – الحرمان – انتهاك حقوق الإنسان وحرياته ” . وذلك عبر تقسيم النص الى زمنين : من الاعتقال الى الحكم ، والثاني فترة السجن المؤبد ، في جزءين و38 فصلا .
كما تتناول بعض لمحات من أحداث الربيع العربي، الذي مزّق سطوة الطغاة، رغم فداحة الخراب وعظمة التضحيات..
تدور أحداث الرواية ، في مكان محدد هو السجن، وإن تعددت أماكن الإعتقال . دون أن تغفل التداعيات المتصلة بالحياة العامة ، والمجتمع الذي تتناوله .
عامر عبدالله ، كاتب وصحافي ، يتم اعتقاله من الشارع ، وسط النهار، لأسباب سياسية ، ليتعرض بعدها لشتى أنواع التعذيب والقهر ، على يد المحققين ، ثم يخضع لمحاكمة صورية غير عادلة ، ليجد نفسه وسط المجرمين الجنائيين كعقوبة مضاعفة ، يقضيها في عذابات الحرمان من الحرية والأسرة والعدالة ..وغيرها . إضافة إلى أساليب القهر المادية والمعنوية ، التي يستخدمها السجان ، مثل الانتهاكات البشعة لآدمية السجين ، وحالات القهر والاغتصاب والجنون ، التي يتعرضون لها في المعتقلات والسجون .
يظل عامر عبدالله الشخصية المحورية ، وفي كل فصل ثمة شخصيات يضيفها إلى الحدث الروائي ، لتسرد صورة من الحياة المرّة والمهينة التي يعيشها السجين ، في ظل القهر والاستبداد من جهة ، والجهل والمرض والرذيلة من جهة ثانية .
يرى المؤلف هذا العمل ، شهادة حية على تجربة عاشها خلف القضبان ، كتبها داخل الأسوار ، ونجح في تهريبها ورقة .. ورقة . وهو أيضاً شهادة تفضح القمع والاستبداد الذي تمارسه الأنظمة الديكتاتورية خاصة سوريا وليبيا..
إلى الحوار……….
1
ماذا يمثل أدب السجون لكم؟؟
ثمة مسألتان في هذا السياق، أجد من المهم الإشارة إليهما في معرض إبداء رأيي، أو وجهة نظري حيال أدب السجون، وما يمكن ان يمثله بالنسبة إليّ، أو بمعنى آخر، كيف أنظر إليه.
من الناحية الإبداعية، فإن أدب السجون هو واحد من اشكال التعبير ، ويمكن ان يكون منتميا إلى احد الأجناس الادبية السائدة، من رواية، او نص شعري، نثر، او مذكرات، وغير ذلك، وقد يكون مزيجاً بين جنسين أدبيين أو أكثر، تبعاً لأسلوب الكاتب، وضرورات الكتابة احيانا. وبالتالي، فإن النظرة إليه، تأخذ جانباً نقدياً ومعرفيا متصلاً بالقيمة الأدبية والجمالية للنص الأدبي، أياً كان جنسه، وأسلوبه، وصيغته، وموضوعه. متخيّلاً كان أم واقعياً.
يحيلنا ذلك، الى المسألة الثانية، والمتصلة بمحتوى الكتابة وجوهرها. فأدب السجون يعدّ اليوم – في العالم العربي – من الموضوعات الرئيسة التي ينشغل بها عدد من الكتّاب المهتمين ، او الذين لديهم إبداعات في هذا المجال الأدبي، وهم قلّة، غير ان لكتاباتهم تأثيراً مهماً في الحياة الثقافية العربية. ويغطي هذا الاتجاه الأدبي، او يهتم بجانب مهم القضايا الجوهرية المتصلة بالنضال السياسي والاجتماعي من أجل الحريات والحقوق، في مجتمعاتنا العربية، التي تعاني من سطوة الإستبداد، والحرمان من الحريات، ومصادرة الحقوق.
يكشف أدب السجون عن المعاناة الإنسانية الكبيرة، التي يتعرض لها المعتقلون، عبر ممارسات السلطة الوحشية، في القمع، ونشر الخوف والرعب في المجتمع، كما يكشف عن تجارب حيّة او حقيقية، عاشها الكاتب، أو عاشها أبطال عمله الأدبي، كالرواية مثلا.
ما ينبغي الإشارة إليه، إلى أن ادب السجون، هو تجربة إبداعية، فيها من الواقع، ومن الصدق في استعادة التجربة وتصوّرها، وانعكاس الألم، ونقل لحقيقة الأحداث، ما يتفوق على أي متخيل، يمكن للمرء ان يتصوره، لشدّة اتصاله بنقل وقائع الألم الى حيز التعبير الأدبي، وهذه مسألة ينبغى الإلتفات إليها، في دراسة أدب السجون، ومقاربته نقدياً.

2
كروائي ابدع في الكتابة عن ادب السجون ماذا اردت ان تقدم من خلال روايتكم الموسومة سراب بري كأديب ومعتقل سياسي سابق؟؟؟
بلا شك، أردت أن أقدم تجربتي في الإعتقال والسجن، كمساهمة مني ككاتب وصحافي عاش تلك التجربة المرّة، وتأسيساً على اهمية دور الكاتب في أن يكشف الممارسات السلطوية الممنهجة في قمع المجتمعات، وفي قهرها، وفي محاولة إذلالها، بسبب التعبير عن رأي ثقافي او فكري، او بسبب موقفٍ أو انتماء سياسي، هو حقٌ أصيل لكل فرد في المجتمع. ساهمت كثير من الأعمال الأدبية روائية ام سيرية، ام شعرية، في رصد أوجه الألم والمعاناة التي يعيشها المعتقل، وأسرته، ومجتمعه المحلي الصغير. وهو ما يُعدّ مهمة امام الكاتب في الانحياز للناس، والتزامه بقضية الحريات، وفي تعرية الأنظمة القمعية وأدوات استبدادها.

من هنا، فإن روايتي ” سراب بري ” والتي كتبتُ فيها جزءاً يسيراً من تجربتي، وهي تتناول حياة السجن ، بكل ما فيها من مكابدات ومعاناة . وتركز على أربعة مسائل أساسية هي : ” التعذيب – القهر – الحرمان – انتهاك حقوق الإنسان وحرياته ” . وذلك عبر تقسيم النص الى زمنين : من الاعتقال الى الحكم ، والثاني فترة السجن المؤبد. وتدور أحداث الرواية ، في مكان محدد هو السجن، وإن تعددت أماكن الإعتقال، دون أن تغفل التداعيات المتصلة بالحياة العامة، والمجتمع الذي تتناوله .

هذا العمل – بالنسبة لي – هو شهادة حية على تجربة عشتها خلف القضبان ، كتبتها داخل الأسوار ، ونجحت في تهريبها ورقة .. ورقة . وهو أيضاً شهادة تفضح القمع والاستبداد الذي تمارسه الأنظمة الديكتاتورية، دون استثناء، وهي جميعها تتشابه في ذلك، وتتعاون في تبادل خبرات القمع والقهر والتعذيب.

3
بعيد ثورات الربيع العربي.. كثر الحديث عن نهاية ادب السجون وبداية
ادب الحرية ولكن لم يدم التفاؤل طويلا اذ شهدنا ولادة جديدة لادب السجون ربما لا تزال صفحاته لم تكتب بعد أو انها ماتزال حبيسة المعتقلات والسجون
برأيكم هل يمكن لادب السجون ان ينتهي ومتى وكيف
الأدب، هو حالة مستمرة بصورة عامة، طالما ان الحياة فوق هذه الأرض قائمة، وأدب السجون هو أحد صور الإبداع الأدبي. أفهم المقصد من سؤالك، عما إذا كنا سنشهد يوماً نتوقف فيه عن الكتابة في الموضوعات السجنية، وان نحتفي بالحرية ، على سبيل الأمل. لا أعتقد اننا سنشهد يوماً كهذا، طالما هناك معتقل رأي واحد على وجه الأرض. خاصة بالنسبة لنا في العالم العربي. وطالما هناك آلام واوجاع نجمت عن ذلك، وأن هناك فاشيون مستبدون. الكتابة هي شكل من أشكال النضال من اجل الحرية، ومن أجل التذكير الدائم بأولئك الذين ما يزالون وراء الأسوار، يتعرضون للتعذيب، والحرمان، ويستشهدون تحت التعذيب، دون ان يعلم بهم أحد، حتى ذوويهم.
