المحرر

أغرب طقوس الكتابة عند أشهر الأدباء في العالم

ليست الكتابة سوى قفزة في الظلام على حد قول الاديب والمترجم الجزائري، مرزاق بقطاش. فهي بمثابة مغامرة غير محسوبة العواقب التي قد تجعل هؤلاء المشاهير، الذين نزين رفوف مكتباتنا بابدعاتهم، مجرد “مجانين” لا أكثر في نظرنا. لما نطلع عن كثب على طقوس الكتابة عند أشهر الأدباء في العالم. والتي غالبا ما تفضح سيرهم الذاتية ذلك. فتنكشف العوالم الحقيقية التي كتبت فيها تلك النصوص الخالدة التي تبهرنا.

منهم من يستحضر الجن خلال الكتابة مثلما كان يروج عن “شعراء الجاهلية” في واد عبقر. وبعضهم من لا يمتلك القدرة على خط أي حرف الا اذا كان “عاريا”. والأغرب من كل هذا أن هناك العديد من الأدباء من لا يستطيع أن يتناغم مع نصوصه الا اذا كان في حالة “ركض” أو”بكاء” أو معلقا رأسا على عقب.!

نادرا ما نهتم نحن القراء، بالطقوس التي يلجأ اليها الروائيون والكتاب، هروبا من الواقع ليكونوا وجها لوجه مع نصوصهم. والتي تشكل حالاتهم النفسية. والتي تنعكس بدورها على نظرتهم للعالم، من خلال تلك الاعمال الابداعية. حيث تتملكهم حالات وتصرفات غريبة وعجيبة،خلال الكتابة. بعض الكتاب والروائيين بلغ بهم “جنون الكتابة” في أن يتفاعلوا مع نصوصهم لدرجة الانغماس فيها. والتخلي عن حياتهم الواقعية ولو لفترات من الزمن!.

ماركيز ..لما قتلت جدي الكولونيل

يروى الأديب الكولومبي غابريال غارسيا ماركيز، في سيرته الذاتية-عشت لأروي- الحزن الشديد الذي تملكه لما مات جده. بطل نصه المشهور “لا أحد يراسل الكولونيل”. حيث ولما قرر موت البطل في تلك الرواية جثم على ركبتيه منهارا، ويائسا، قبل أن ينزل سريعا من الطابق الثاني لبيته. وهو ينادي بأعلى صوته، “لقد قتلته يامرسيدس ..لقد قتلته “. مرسيدس كانت زوجته التي احتضنته. وخففت ألالام قتله لجده في ذلك النص الخالد. ورغم الغرائبية الساحرة، التي تمتاز بها نصوص”غابو” الا أنه لا يملك سجلا حافلا بالطقوس الغريبة في الكتابة. سوى أنه كان تحت رحمة الافلاس طوال حياته تقريبا، حيث كان يقول أن “شح الأحلام يؤثر بي أكثر من شح النقود”.

ورغم هذه الوضعية المادية المزرية الا أن الكتابة كانت متنفسه الوحيد. ومرأته لهذا العالم، حيث كان يكتب من الساعة السادسة صباحا حتى الثانية بعد الظهيرة. أما الشيء الثابت غير المتحول في كل طقوسه الكتابية هو ”التدخين” الذي أعتبره “عاملا من عوامل اليقضة الكتابية”. وهو الذي جعله يتربع على عرش نوبل سنة 1982 من خلال رويته الغرائبية المبهرة “مائة عام من العزلة”.

فيكتور هيغو..الكتابة دون ثياب !

في الادب الفرنسي، أيضا يتداول الكتاب عن طقوس الروائي العالمي فيكتور هيغو وعاداته الغريبة في الكتابة. هذا الاديب الذي يعتبر من اشهر الادباء الفرنسيين. واكثرهم تأثيرا في العالم، في حقبة ما من الزمن. ولما كان يخط روايته ”أحدب نوتردام” كان محكوماً بموعد محدد لتسليم الرواية. فقرر خلع ثيابه كلها والتخلص منها، كي يبقى عارياً فلا يقدر على مغادرة المنزل. بالتالي التفرغ كلياً للكتابة. وعند اشتداد البرد، كان يلتحف ببطانية ويتابع الكتابة. حيث يعتبر أن “بعض الأفكار صلوات، فهناك لحظات تكون فيها النفس جاثية على ركبتيها مهما كان وضع الجسد”. وهي من أغرب طقوس الكتابة عند أشهر الأدباء في العالم.

همينغوي..الكتابة بحذاء أكبر من مقاسه

“إن الكتابه تبدو سهله غير أنها فى الواقع أشق الأعمال في هذا العالم”. بهذه العبارة يلخص الكاتب الامريكي الشهير إرنست همينغوي تصوره للكتابة. فالاديب الحاصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1954، من خلال روايته العجوز والبحر، كانت له طقوس كتابية غريبة. حيث كان يكتب في غرفة النوم في منزله في”هافانا”.

وكان أيضا يكتب بقلم الرصاص. الا أن العادة الغريبة التي تيمز بها الاديب هو الكتابة واقفا وهو ينتعل حذاءً أكبر من مقاسه. كما انه كان يهوى الصيد. هذه المهنة التي ألهمته ليكتب اروع نص له على الاطلاق وهي روايته “العجوز والبحر” التي قال فيها “انها حماقة أن يسيطر اليأس على الانسان. وفي اعتقادي ان اليأس نفسه خطيئة. ولست واثقاً انني افكر باليأس أو أؤمن به. هناك في الحياة أفراد يعيشون للتفكير في اليأس. دعهم يفكروا فيه هم، أما انت ايها العجوز فلقد خلقت لتكون صياداً عظيماً”.

ويرى العديد من النقاد أن الرواية وجل أعمال الكاتب ليس سوى انعكاس لحياة الروائي الذي كان محاط بسخرية من المحيط الثقافي الامريكي. والذين أعلنوا الحرب عليه، على خلفيته علاقاته الوطيدة مع فيدال كاسترو والثورة الكوبية. لذلك تعرض لحرب وملاحقات من قبل الاستخبارات الامريكية لدفعه الى الانتحار. ورغم مقاومته الشديدة لحالات الاكتئاب اليأس التي كانت هي الأخرى تعتري حياته اليومية والابداعية، بـتأكيده ان “الرجل يمكن تدميره، لكن لا يمكن هزيمته”. لكنه استسلم للانتحار سنة 1961 بطلقة مسدس في رأسه.

موراكامي.. الركض وراء النص

يرى الروائي الياباني هاروكي موراكامي نفسه على أنه شبيه بـ”فرخ البط القبيح”. ملخصا بهذه العبارة علاقته مع مجتمعه في اليابان. وعالم الادب في أرض الساموراي. حيث يقول “أنا منبوذ”. ولعل هذا الشعور هو الذي يرسم حياة العزلة التي يعيشها ويطل بها على العالم من خلال نافذة الكتابة والادب. كما أن أعظم عادة يقوم بها هذا الروائي الشهير، اثناء الكتابة هو “الركض”. حيث لما يشرع في خط نصوصه يستيقظ في الرابعة صباحا، لينهمك في الكتابة لمدة خمسة أو ستة ساعات دون توقف. ليخصص الفترة ما بعد الظهر، لممارسة الرياضة والجري أو السباحة. وكذلك القراءة، والاستماع إلى الموسيقى، التي تمثل عنصرا روحيا في حياته. والتي استطاع ان ينقلها الى عالمه الروائي المتخيل. مؤكد أنه يحافظ على هذه العادات دون تغير تقريبا.

ويسعى من خلال هذه الطريقة للوصول الى حالة ذهنية أعمق”في الكتابة”. لكن الشيء الوحيد الذي يراه موراكامي سيئا في هذا النظام أنه لا يسمح له بقدر كبير من التواصل الاجتماعي”. ويصف الروائي حالة الضياع تلك انه “في داخل كل منا طفل يلعب الغميضة وحيدا على أمل أن يعثر عليه أحد”.

ديكينز ..الكتابة  في حضرة السكين

كل ما يحتاجه الروائي الانجليزي تشارلز ديكينز، هو الهدوء التام من أجل رسم معالم روياته ونصوصه. وكذلك قراءة الكتب. حيث كنتُ أقضي معظمَ الوقتِ في حجرتي أطالعُ واكتب وأنا ملتفٌّ بالأغطية. موضحا أن اي نبوغ لا يصنعه سوى المقدرة على تحمل الجهد المستمر. وهذا الذي انعكس على روياته واعماله على غرار “ديفيد كوبرفيلد”. حيث يروى سيرته الذاتية وخيباته العاطفية التي أثرت فيه كثيرا. ورغم ذلك استطاع أن يتجاوزها ويصبح في مصاف أكثر الروائيين شهرة في انجليترا والعالم. وربما تكون لحياته التي امتازت بالفوضى والعذابات خلال الصغر، الاثر الكبير عليه.

ولذاك تجده يبحث دائما عن  الهدوء التام التي يضعه كشرط أسياسي في عمليته الابداعية، حيث يقوم بوضع باب إضافي لمكتبه لحجب الضوضاء والضجيج الخارجي، كما يشترط أيضا ان يكون مكتبه مرتبا بدقة، مع وضع طاولة الكتابة بالقرب من النافذة. وعلى الطاولة ذاتها كل ما يحتاجه للكتابة، الورق والأقلام، بصحبة بعض التحف، فضلا عن مزهرية مليئة بالورود، دون نسيان “السكين” لتقطيع الورق الذي لا يتخلى عنه ابدا. ورغم المصائب التي عصفت بهذا الروائي الا انه تصالح مع ذاته متجاوزا كل تلك المحن بالكتابة، حيث قال علينا “أن نفكر في النعم التي لدكنا حاليا والتي يملك كل شخص منها الكثير بدلا من التفكير في البلايا الماضية التي واجه الجميع بعضا منها”

دان بروان.. رأسا على عقب

من بين أغرب طقوس الكتابة عند أشهر الأدباء نجد الروائي الأميركي دان بروان. الذي اشتهر بروايته المعقدة والمتينة. يخضع أحياناً لـ “العلاج بالمقلوب”، حيث يعلّق نفسه بالمقلوب كي يسترخي ويركز أفكاره. ويقول صاحب رواية “ملائكة و شياطين”  أن هذه الطريقة هي التي كانت تلهمه وتساعده على التركيز في الكتابة. ولعل هذه الطقوس هي التي جعلته يقول ان “الجسد البشري مذهل ، إن حرمته من إحدى حواسه تقوم الحواس الأخرى على الفور بملء الفراغ” .

ومن خلال هذه النماذج التي عرضناها والتي تمثل مدارس بحد ذاتها في فن الكتابة الروائية والقصصية تختلف كل واحدة عن الأخرى في طريقة السرد وظروفه، الا أن شيئا مشتركا يجمع هؤلاء المبدعين ويضعهم في قالب” واحد” وهو الهروب الى “النص” من خيبات الواقع. بطقوس قد نراها نحن القراء غريبة ومجنونة الا أنها هي التي خلفت بدون شك عوالم الانبهار فينا!.

الكاتب: أحمد لعلوي

سوبرنوفا

رمضان وتفتيشات السجون ..

شهر رمضان هو شهر الرحمة.. رحمة للفقراء.. رحمة للمعتقلين.. رحمة للناس أجمعين.

لقد كان شهر رمضان كله رحمة على المعتقلين.. فحينما يهل الشهر الكريم تتوقف تفتيشات مصلحة السجون.. وما أقسى هذه التفتيشات وأشدها على نفوس المعتقلين.

فهو ليس تفتيشا ً بالمعنى الدقيق إذ لم يكن لدى المعتقلين الإسلاميين أي شيء سوى بطانيتين قديمتين ينام بهما على الأرض فلا يغنيانه شيئا ً من برد الشتاء فلا يدري أينام عليهما ليحول بين جسده ورطوبة البلاط أم يتغطى بهما ليتوقى البرد.

لقد كان التفتيش عبارة عن تكدير وإهانة وإهدار للكرامة الدينية والإنسانية للمعتقلين.. وفي فترة التسعينات كانت التفتيشات في كل أسبوع أو أسبوعين من المصلحة.. وبين الحين والآخر من السجن نفسه.. وكانت التفتيشات تبث الرعب في قلوب المعتقلين من الجنائيين والإسلاميين على السواء.

وكان الإخوة يمكثون كل يوم مستيقظين بعد صلاة الفجر يدعون الله ويلجأون إليه ويستجيرون بحوله وقوته سبحانه أن ينجيهم من هول التفتيشات.. وأن يمر اليوم بسلام.. ولا يغمض لهم جفن حتى تأتي الثامنة صباحا ً ويفتح الشاوشية العنابر دون تفتيش.

وكانت قوات مصلحة السجون تسبق المخبرين وضباط المباحث في التفتيش بنصف ساعة تقريبا ً تصيح خلالها صيحات مدوية داخل السجن: “هو.. هو.. هو.. هو..” في صوت واحد كالرعد يجعل دقات قلب المعتقلين تتسارع في الدق.. يصاحبها نباح فظيع من الكلاب البوليسية الخاصة بمصلحة السجون.. مع كل نبحة كلب تزداد دقات القلوب.. ويدب الرعب في النفوس.

ثم تأتي لحظة دخول القوات للعنابر وفتح الغرف.. واصطفاف المعتقلين بوجوههم إلى الحائط وهم يرفعون أيديهم كالأسرى.. وقد يضربون تنفلا ً من الجنود والمخبرين حتى لو لم يأمروا بذلك.. فهو كالكلأ المستباح.

ثم يتم بعثرة كل شيء: السكر على المنظفات.. والشاي على الرابسو.. والعسل على الدقيق.. وهكذا يتم خلط المتناقضات مع بعضها حتى لا يستفيد المعتقل من أي شيء فيها.

ويتم استلاب ما يمكن استلابه إن كان المعتقل غنيا ً أو ثريا ً.. أو تلطيش المعتقلين في نهاية التفتيش.

أما لو وجد كتاب أو قلم أو كراسة فهي المصيبة التي لا تغتفر.. وأذكر في مرة من المرات أن ضرب عنبر كامل في سجن العقرب لأنهم وجدوا في إحدى غرفه أنبوبة قلم جاف.. ومعظم الذين ضربوا في العنبر كانوا مهندسين وأطباء وعلماء وخريجي جامعات ومن أسر فاضلة.

وكانوا يصادرون كل شيء بحجة أنه ممنوع.. وكان هناك رئيس مباحث غريب الأطوار في ليمان طرة اسمه “هشام”.. وكان مولعا ً بمصادرة الحلل وأطباق الألمونيوم وأكواب الشاي الزجاجية والملاعق من المعتقلين السياسيين الإسلاميين الذين لم يستخدموا هذه الأدوات أبدا ً للإخلال بأمن السجن.

وكنا نمزح دائما ً بعد التفتيش ونقول:

إن لديه عقده من هذه الأشياء.. ولا ندري ماذا تفعل زوجته.. هل تخفي منه حلل المطبخ أم ماذا؟

وتفتيشات التسعينات هذه كانت تنتهي دوما ً بإلقاء قنبلة غاز تفاريح على العنبر بعد نهاية التفتيش.. وكان يفعل ذلك قائد القوات.. وكان اسمه “عمر بيه” وكان جبارا ً عنيدا ً.

والحمد لله ضبط متلبسا ً مع سكرتيرته في وضع مخل.. وضبط وقد استولى على المرتبات التي تعطى للجنود في نهاية خدمتهم بعد أن كان يجبرهم على التوقيع على الكشوف.. فطرد بعد ذلك من الداخلية.

وقد كان الجميع يدعو على هذا الرجل باستمرار دون انقطاع.. لأنه كان حرامي ولص.. وفي الوقت نفسه كان جبارا ً ومجرما ً.. وكنا نقول لأنفسنا:

ما دمت لصا ً وعلى رأسك بطحة.. فكن رحيما ً حتى لا تجمع بين السوأتين.

وهذه التفتيشات المستمرة أدت إلى حالات من الاكتئاب والقلق المرضي واضطراب ضربات القلب بين المعتقلين.. فآه .. ثم آه.. ثم آه من قهر الرجال الذي استعاذ منه الرسول (صلى الله عليه وسلم) في دعائه المعروف.  

حتى أن كثيرا ً من المعتقلين الجنائيين كان يعالج عندي من هذه الأمراض.. وبعضهم كان يقول لي:

“عندما اسمع ضربة المفتاح في الباب تزداد ضربات قلبي من الخوف من المجهول”.

وبعضهم أصيب بالرهاب النفسي.

فإذا جاء شهر رمضان تنفس المعتقلون الصعداء.. وقالوا جميعا ً:

جاء شهر الفرج.. لن نسمع الكلاب ونباحها.. ولا الجنود وصيحات: “هو.. هو”.. ولا: “وشك للحيط”.. ولا قنابل عمر بيه.. ولا مصادرة كل شيء حتى الحلة الصغيرة أو السخان البسيط.

ويبدأ الشعور بالأمن والأمان والسكينة وفتح الزنازين لقيام الليل وتوزيع الطعام للفقراء والمسكين وتغمر السكينة الجميع.

إنه شهر رمضان شهر الرحمة.. الرحمة لكل أحد حتى المعتقلين

السبت الموافق

27-9-1432هـ

27-8-2011