أرشيف الوسم : ادب المعتقلات

رواية القوقعة -الحلقة السادسة والاخيرة مصطفى خليفة

21حزيران

أخرجني السجان وهو يطلب مني أن أحمل كل أشيائي, صعدنا إلى فوق دون طماشة ودون قيود, أدخلني بالمراسيم المعتادة إلى غرفة ” الصوت الأجش ” الذي بادر بأن طلب مني الجلوس . تكلّمَ معي, أفهمني أنهم كانوا ينوون إطلاق سراحي, وأنهم يحترمون خالي الذي يتدخل لصالحي كثيراً لأنه إنسان جيد, إلا أن هناك جهات أمنية أخرى اعترضت على ذلك وطالبت بتسليمي إليها وأنهم مضطرون آسفين لتسليمي إليهم.

بعد ذلك بقي حوالي عشر دقائق أخرى يحاول أن يفهمني أمراً, وتبين لي أنه لا يريد أن يخوض فيه صراحة لذلك لجأ إلى التلميح, ما استطعت فهمه هو أنني يجب ألا أدلي بمعلومات لدى الجهة الأمنية الأخرى زيادة عما أدليته به هنا وذلك لأنني إذا أدليت بمعلومات جديدة سوف تظهر الجهة الأمنية الأخرى بمظهر الطرف الأقدر والأكثر نجاحاً, وأنني عندها سوف أَصِمُ “الصوت الأجش” وجماعته بوصمة الفشل.

24 حزيران

عند الجهة الأمنية الأخرى .

ثلاثة أيام تساوي ثلاث سنوات في السجن الصحراوي.

كان الضابط بانتظاري على باب غرفته, الغضب يقطر منه. فاجأني بلكمة على أنفي ألقتني على صدر العنصر الذي يقف خلفي, عدت لأقف معتدلاً, أمسكني الضابط من صدري وشدني إلى داخل الغرفة وهو يصفعني باليد الأخرى, في وسط الغرفة أمسكني من رقبتي.. من تفاحة آدم وأخذ يضغط عليها, أحسست بالاختناق, قال لي وهو يصّر على أسنانه:

– اركع ولا كلب ..

ركعت على ركبتي أفلت رقبتي وذهب إلى خلف المكتب , أمسك ورقة واقترب مني , أخذ يقرأ فقرات منها .. مع كل فقرة يضربني بأسفل حذائه على وجهي ..

-الصوت و الصورة .. ” رفسة على الخد ” .. الرسالة تظهر من عنوانها ” رفسة فوق الخد قليلاً ” .. صوت التيس ” ببوز حذائه، ضربة على جنبي ألقتني أرضاً ” .. ويتابع القراءة و الضرب !. ألقاني أرضاً , سحق فمي بحذائه ثم وضعه على رقبتي وضغطه , عجنني برجليه .. وفهمت منه أن ما قلته بحق ” السيد الرئيس ” يكفي بحد ذاته لشنقي من خصيتيّ !.

ثلاثة أيام لن أنساها, الجلد, الضرب, في الدولاب, على بساط الريح, التعذيب بالكهرباء.. أحس أنني سألفظ أنفاسي, أعجز عن التنفس, الطماشة على عيني.. لا أعرف متى يشغل الجهاز ومتى يوقفه, وأرقص.. أرقص تشنجاً وألماً.

في اليوم الثالث جاء دور الشبح . عندما سمعت الأمرَ بشبْحي لم أفهم ماذا يعني ذلك, لكن عندما ربطوا يديّ عالياً وجسدي كله مرفوع عن الأرض أكثر من نصف متر تذكرت صلب المسيح, دون أن أعي صرخت:

– يا يسوع .. يا محمد .. يا الله .

بعدما يقارب النصف ساعة أحسست أنني قد استنفذت كل طاقتي على التحمل .. أحسست بضعف هائل . سأعترف بما يريدون مني أن أعترف به , وليكن الإعدام ! الإعدام سوف يكون أرحم ! .. ولكن من أين أخترع لهم تنظيماً معادياً غير الإخوان المسلمين .. وبعد ذلك أنتسب إليه ؟ .

تذكرت المهجع , مئات الروايات عن الذين ضعفوا واعترفوا بأعمال لم يقترفوها ! .. اعترفوا بجرائم لم يسمعوا بها إلا من فم المحقق الذي يتهمهم بارتكابها!.. ماذا كانت نتيجة اعترافاتهم؟ .. البعض تم إعدامه, الآخرون يتعفنون في السجن.. الكثير منهم مات أو في طريقه إلى الموت!.. قوّيتُ عزيمت, أنا لم أعد كما كنت قبل اثني عشر عاماً, لقد صلّبتني التجربة , أخذت أقنع نفسي أنني رجل .. ورجل شجاع.. رجل شجاع قادر على التحمل !.. وتحملت.

2 حزيران

يداي خدرتان من أثر الشبح! .. أستعملهما بصعوبة, أحاول أن أُجري لهما بعض التمارين الرياضية, أجد صعوبة في تنظيف نفسي بعد انتهائي من قضاء حاجتي.

22 آب

عَرَضَ علي وبطريقة لزجة , كريهة جداً وتدعو للإقياء , أن يطلقوا سراحي ويعيدوني إلى باريس , هناك أنخرط في صفوف المعارضة مسلحاً بتاريخي “سجني الطويل” وأن أخدم وطني من خلال التقارير التي أرفعها للجهات الأمنية المسؤولة كاشفاً لهم عن أعداء الوطن .. من أبناء الوطن. رفضت , متعللاً .. مداوراً .. لبقاً.

وقف غاضباً , صفعني بلؤم , وبلهجة تقطر فشلاً وإحباطاً , قال:

– إنت واحد جحش ما بتعرف مصلحتك, راح تتعفن بالسجن.

وسلموني للجهة الأمنية الثالثة. عناصر أمن, سيارة, قيود، تنطلق السيارة شمالاً, نصل إلى الشارع الذي ينار بأضواءٍ برتقالية محمرة, وزنزانة جديدة.

1 ايلول

أنا هنا منذ عشرة أيام تقريباً, بعد الظهر وحتى حلول الظلام هي الفترة الوحيدة التي لا أسمع فيها الصراخ والبكاء.. والشتائم, وما عدا ذلك فالتحقيقات مستمرة على مدار الأربع والعشرين ساعة, هذا الفرع مشهور بين السجناء بقسوته.

في اليوم الرابع فتح السجان باب زنزانتي, سألني عن اسمي فأجبته .. قال :

– شوف .. “المعلم” طلبك , وانت أكيد سمعت بالمعلم , راح أعطيك نصيحة لوجه الله : شو ما سألك احكي بصدق وصراحة , لا تكون عنيد وتعمل نفسك بطل .. بهذا المحل ما في أبطال !.. كل الناس بتعرف المعلم , ومنشان تكون بالصورة .. مرة من المرات كان المعلم عم يحقق مع واحد أخرس .. أجبر الأخرس أنو يحكي !..

وأخذوني إلى عند المعلم. في غرفة الانتظار ذات الأثاث الفخم أمام غرفة “المعلم” أوقفوني أكثر من ربع ساعة, حركاتهم.. تراكضهم.. الحديث بصوت خافت.. كلها أمور تدخل الخوف والفزع إلى قلب الشخص الذي ينتظر.

أوقفني ” المعلم ” أمام مكتبه دون أن يكترث بي أيضاً أكثر من ربع ساعة , كان يتصرف وكأنه لا يراني , مشغول بقراءة بعض الأوراق والملفات والرد على الهواتف.

بعد ذلك تفرغ لي كلياً.. ولمدة أربعة أيام!!. منذ الصباح إلى ما بعد الظهر كتبت تاريخ حياتي ثلاث مرات!

غرفة المكتب عبارة عن قاعة فسيحة مؤثثة بشكل باذخ.

خلال وجودي في غرفته وبينما أكتب تاريخ حياتي, أجرى التحقيق مع ثلاثة أشخاص, كان يعذبهم أمامي , أحاول أن أركز انتباهي على ما أكتب .. وسط ضربات السياط والصراخ الإنساني, وينتهي الأمر في كل مرة باعتراف المعتقل.

كل ما في الغرفة متناسق, عداي والمعتقلين الآخرين بالثياب الرثة والمتجعدة, وكذلك الدولاب الأسود وأدوات التعذيب الأخرى.

بعد الظهر لم يبق في الغرفة غيري من المعتقلين, خرج ” المعلم ” من وراء مكتبه , جلس قربي , نظر إلي , قال :

– شوف .. كلمتين نظاف .. أحسن من جريدة وسخة.

بدأ من حيث انتهى الآخرون, خيرني بين شيئين:

– إما العذاب والعودة إلى السجن الصحراوي حيث سألقى الإعدام, أو..

– الاعتراف والعودة إلى فرنسا والعمل بين صفوف المعارضة كمخبر.

لم أختر, لكن نفيت أي علاقة لي مع أي تنظيم, ورفضت العودة إلى فرنسا.

جميع الوسائل التي لديه جربها , البعض منها كنت قد عرفته في الأماكن الأخرى , لكن هنا زادوا عليها باستخدام الكرسي الألماني الذي أحسست أنه قد كسر ظهري , علقوني كفرّوج , شبحوني على السلم …… وآخر شيء هددني باستعماله في آخر يوم .. أو آخر دقيقة من الأيام الأربعة التي استغرقها التعذيب .. أنه سيدخل قنينة كازوز في شرجي .. وبعد أن أحضروا له القنينة رن الهاتف , تكلم على الهاتف بغضب , خرج بعدها من الغرفة، قبل أن ينفذ تهديده.

أربعة أيام لم آكل, لم أنم ولا دقيقة واحدة, يتركونني بعد الظهر ثلاث أو أربع ساعات في الزنزانة, يداي مقيدتان, مربوطتان بجنزير معدني, الجنزير معلق إلى حلقة بالسقف, يشدونه بحيث بالكاد أقف على رؤوس أصابع القدمين, كنت أحس بالراحة عندما يفكون يدي ويأخذونني إلى الدولاب أو بساط الريح أو الكهرباء.. كل وسائل التعذيب أسهل من التعليق هذا.

– بقيت صامداً, لم أضعف مطلقاً هذه المرة, كنت دائماً أقول لنفسي إنها ساعات ألم مؤقتة ستزول … أتلهى بأفكار أخرى.

مضى الآن أربعة أيام على انتهاء التعذيب, شبعت نوماً, رغم أنني أنام وأنا جالس .

2 كانون الأول

قال كبيرهم :

– توكل على الله .. عــ السجن الجبلي .

انطلق الميكرو باص باتجاه الغرب بين الجبال , في مكان منعزل, بناء حديث ضخم, يتألف من أربعة طوابق, مئات النوافذ.. إنه السجن الجبلي.

نزلنا, أدخلوني لعند مدير السجن, سألني أسئلة كثيرة وعندما عرف أنني مسيحي نادى أحد رقباء الشرطة العسكرية, طلب منه أن يأخذني إلى جناح الشيوعيين.

بينما كان الشرطي منهمكاً بفتح باب الجناح كنت أنظر مشدوهاً إلى السجناء الذين يتمشون في ممر الجناح, يسيرون .. يتحدثون.. يضحكون.. صوتهم مرتفع, عيونهم مفتوحة, كل هذا والشرطي قريب منهم، وقف ثلاثة أو أربعة سجناء قبالة الباب ينظرون إلي, أدخلني الشرطي وأغلق الباب. – أهلاً رفيق, هل أنت رفيق؟.

– لا .. لست رفيقاً.

– أهلاً بك مهما كنت .. تفضل .. تفضل .

أدخلوني أول مهجع, وقالوا لي: قبل أن تجلس هل أنت بحاجة للدخول إلى الحمام, أجبتهم نعم, أدخلوني الحمام, صابون معطر , غيار جديد , بيجاما جديدة .

خرجت , جلست , حكيت لهم حكايتي .. رداً على أسئلتهم , تجمعت حولي حلقة من الناس يستمعون .

أحضر أحدهم صينية كبيرة عليها بيض مقلي , بندورة , جبن , زيت وزعتر ….

يا إلهي كما في البيت !… هل هذا سجن ؟.. سألتهم هذا السؤال , ضحكوا وأجأبوا :

– نعم سجن , لكنه سجن خمس نجوم .

يسألون, يستفسرون, يعلقون تعليقات ضاحكة, ورويت لهم كل شيء. “فرغت”, وشعرت بارتياح فائق.. عبرت عنه قائلاً لهم:

– هل هذه هي الجنة ؟.

31 كانون الأول

– هل فلان خالك ؟

– نعم خالي .

– لكن كيف لا يسعى لإخراجك من السجن وقد أصبح وزيراً ؟!.

خالي وزير ؟.. خبرٌ أصابني بالدوار!.

6 كانون الثاني

كان كل شيء يوحي بالبساطة والمحبة, لكن لم أستطع أن أكون صافياً, جبال من الحزن والكآبة تجثم على صدري.

هناك.. في السجن الصحراوي, في الليالي الموحشة الكئيبة, عندما تترسخ القناعات بأن لا خروج من هنا!.. عندما يتساوى الموت والحياة!.. وفي لحظات يصبح الموت أمنية!…. لم يكن لأكثر أحلامي وردية آنذاك أن تبلغ مطامحه الوضع الذي أنا فيه الآن!..

2 آذار

وأخيراً بدأت جهود خالي تؤتي ثمارها.

نظرت إلى نفسي بالمرآة.. وأحسست بالخوف, صلع في مقدمة الراس, الشعر أصبح ميالاً إلى اللون الأبيض, الشاربان متهدلان وقد أبيّضّ أكثر من نصفهما, العينان غائرتان تحيط بهما هالتان سوداوان, الألم والقهر والخوف والذل.. قد حفرت أخاديدَ عميقةً على الجبين وحول العينين!

اليوم حضر شرطي, صاح اسمي وقال لأبي وجيه رئيس الجناح:

– بلّغْ هذا .. عنده زيارة.

انشغل أكثر من عشرة أشخاص بمسألة تجهيزي وإعدادي للزيارة, حلاقة الذقن، تشذيب الشاربين, البنطال والقميص, الحذاء.

وكانت هذه هي المرة الأولى التي ألبس فيها حذاءً منذ حوالي /13/ عاماً, مثلما كانت المرة الأولى التي أرى فيها مرآة طوال نفس المدة.

بعد أن ألبسوني كما يلبسون العريس، مشيت إلى جانب السجان متوجساً، وصلنا إلى غرفة بابها مفتوح، يجلس فيها رجل كهل وامرأة شابة تحمل على صدرها طفلاً رضيعاً. دخلت .. واحتاج الأمر إلى عدة ثوان من التحديق حتى استطعت تبين ملامح أخي الأكبر !.. هو أيضاً لم يعرفني لأول وهلة “مضى تسعة عشر عاماً منذ أن رأيته آخر مرة”.

احتضنني وأجهشنا بالبكاء. تعانقنا, أبكي لوعة .. اشتياقاً , ألماً وفرحاً .. ارتياحاً.

ابتعد أخي قليلاً, مسح دموعه وناولني منديلاً ورقياً لأمسح دموعي , التفتُّ إلى حيث المرأة الشابة, كانت قد وضعت رضيعها على كرسي وجلست على آخر, تبكي وتنشج, نظرت إلى أخي مستفهماً, وبحركة من راسي سألته عنها, من تكون؟.

قال: ما عرفتها ؟ يا أخي هذه بنتي .. بنتي لينا .

– التفتّ إليها وكانت قد رفعت رأسها, احمرار البكاء يحيط ببؤبؤيها الأخضرين.

ألقت لينا نفسها بأحضاني , اعتصرتني واعتصرتها, لينا تجلس في حجري كما كانت تفعل وهي صغيرة , تمسح دموعي , تقبلني وتقبلني وهي تهمس :

– يا عمو.. يا عمو .. شو عاملين فيك .. يا عمو .. آخ يا عمو .. آخ .. والله العظيم أنا اشتقت لك كثير …

عندما ولدت لينا , أنا الذي اخترت لها هذا الاسم , ومنذ أن أصبح عمرها سنتين كانت لا تفارقني. عندما ذهبت إلى فرنسا كان عمرها أكثر قليلاً من خمس سنوات , وهاهي الآن أمرأة كاملة , وأم أيضاً . أخي يحاول أن يطمئنني .. وأن خالي يبذل جهوداً جبارة لإخراجي من السجن, وأفهمني أن خروجي من السجن مرتبط بموافقة رئيس الجمهورية!!.. وأنه منذ أكثر من عشر سنوات جرت العادة أن أي مسؤول في أجهزة الأمن يستطيع أن يسجن من يشاء , لكن خروج أي سجين يجب أن تتم بموافقة رئيس الدولة!.

سألتُ أبا وجيه ماذا أفعل بالنقود التي أعطانيها أخي، قال: إذا شئت ضعها في الصندوق, هنا لا يحتفظ أحد بنقوده وكل شيء مشترك. عشرة آلاف ليرة وضعتها في الصندوق, قال الشخص الذي أخذ النقود إنني شخص غني, لأن الناس هنا كلهم فقراء, وأكبر مبلغ يستلمه السجين من أهله هو ألفا ليرة, قلت إن في السجن الصحراوي أشخاصاً أعطاهم أهلهم نصف مليون ليرة, أطلق هذا الشخص صفرةَ تعجُّب من بين شفتيه.

عرفت هنا من الشباب أن السبب الرئيس للتحقيق معي لدى جهات أمنية متعددة هو الصراع الشرس بين هذه الأجهزة, وقد شرحوا لي مايسمونه “جوهر النظام السياسي في البلد” وآلية عمل الأجهزة, هذه الأجهزة التي جعلها رئيس الدولة تتنافس على شيئين أساسين: أولاً إثبات ولائها المطلق له, وثانياً الحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب والامتيازات.

ولكون خالي وزيراً شيوعياً, وبما أنه المتدخل لاطلاق سراحي فقد انعكس موقف الأجهزة الأمنية المختلفة, سلباً أو ايجاباً, من الشيوعيين عليّ, فبعض الأجهزة تكره الشيوعيين كرهاً مطلقاً ولا تميز بين شيوعي موالٍ للنظام وآخر معادٍ, بينما الأجهزة الأخرى تكرههم بدرجة أقل.

6أيار

أعادوني إلى فرع المخابرات الذي أتيت إليه عندما عدت من السجن الصحراوي.

زارني أخي وابنته لينا ثلاث مرات في السجن الجبلي, وفي آخر مرة قال لي أنهم يمكن أن يعيدوني إلى الفرع تمهيداً لإطلاق سراحي, وأنه يجب أن أكون مرناً ومتعاوناً .. واليد التي لا تستطيع عضها .. بوسها .. وادعي عليها بالكسر!.

صباحاً حضر السجان , نادى اسمي, طلب مني أن أجهز نفسي.

أعطاني زملائي السجناء خمسة آلاف ليرة, الكثير من الثياب, بعض الأطعمة , ودعني أبو وجيه بالقبلات : – قوم .. رئيس الفرع طالبك .

تبدأ محاضرة فيها الكثير مما يقال في الراديو والتلفزيون عن الدور التقدمي الذي يلعبه السيد القائد رئيس الجمهورية ضد الرجعية والاستعمار , وعن أفضاله على الناس وحكمته وشجاعته وبراعته .. وأخيراً :

– نحن قررنا نخلي سبيلك , لأنك إنسان وطني , ولأن خالك قدم خدمات كبيرة للوطن .. و .. و … بس نريد منك مسألتين روتينيتين !.. نريد منك أن توقع على تعهد بعدم العمل في السياسية , وأيضاً نريد منك أن تكتب برقية شكر للسيد الرئيس حفظه الله .

– برقية شكر ؟! .. ولكن على أي شيء أشكره ؟ .

نظر إليّ متعجباً , وباستغراب صادق قال :

– تشكره لأنه شملك برعايته ورحمته وأخلى سبيلك .

مرة أخرى ركبني العناد البغلي الذي أصبح نهجاً لي أواجههم به كلما طلبوا مني شيء .

– أنا آسف سيادة العميد , لا أستطيع أن أوقع لا على التعهد السياسي ولا على برقية الشكر .

ذهل العميد عندما سمع كلماتي!.. سكت قليلاً وبطريقة خبير أخفى كل ذهوله واندهاشه , قال :

– أنت تعرف أننا نكرمك كرمى لخالك , لذلك أرجو أن تلين رأسك قليلاً , يباسة الراس راح تضرك. كنت أعرف أن المئات من السجناء كانوا يطلبون من إدارات السجون محاقن طبية يسحبون الدم من عروقهم بها ليستعملوه حبراً يكتبون به برقيات شكر أو استرحام لرئيس الجمهورية.

لكن كنت قد قررت : “لا مزيد من الذل, وليكن السجن أو الموت” .

والحقيقة أن معاشرتي الطويلة للسجناء في السجن الصحراوي علمتني الكثير من الأشياء, وأهم ما تعلمته منهم هو معنى وأهمية الكرامة والرجولة.

إن التوقيع على برقية الشكر كشرط لإخلاء السبيل هي الاختبار النهائي لهذه الأجهزة لتؤكد لهم أن هذا السجين قد تجرع الذل حتى النهاية وتحول إلى كائن لا يمكن أن يقف بوجههم يوماً ما، وهو على استعداد لتنفيذ كل ما يطلبونه منه, طالما هو على استعداد لأن يشكر كبيرهم على كل ما عاناه. “لن أشكر من سجنني كل هذه السنوات الطويلة, لن أشكر من سرق عمري وشبابي.. لن أشكر من ضيع أجمل سنوات عمري..”

كنت أردد هذه العبارات والجمل بيني وبين نفسي, أشحذ فيها عزيمتي وأقوي إرادتي, كنت خائفاً من نفسي.. خائفاً من ضعفي..

بعد أن يئس مني رئيس الفرع أمر بإعادتي إلى الزنزانة, أعادوني بخشونة ظاهرة .

دخل عليّ مدير السجن, وبلهجة أبوية وبنوايا صادقة حاول إقناعي أن أوقع , شرح لي عواقب عدم التوقيع وأسهب في ذلك:

– إن من يرفض التوقيع عادة هم القيادات والزعماء, لذلك فإن عدم توقيعي سيعتبر دليلاً على أنني من هؤلاء, وينسف كل أقوالي السابقة بأنني لم أعمل في السياسة.. اليد التي لا تستطيع عضها.. بوسها.. وادعو عليه بالكسر.

بعد ذهاب مدير السجن فكرت طويلاً , ضحكت .. لو كنت في السجن الصحراوي لاستطاعوا أن يجعلوني أوقع على آلاف البرقيات , لا بل إنهم يستطيعون أن يجعلوني أقبل حذاء أصغر شرطي !.

3 تموز

زارني أخي وبدأ الحديث, ساق الكثير من الأمثال, وضغط عليّ بشدة يدعوني إلى التوقيع, تكلم .. وتكلم, أنا مطرق برأسي أستمع إليه وأزداد ابتعاداً عنه! هل هذا أخي الكبير الذي كان يوماً ما مثالاً وقدوة لي ؟!.

دون أن أرفع رأسي قلت له إنني لن أوقع على أي شيء , إنني إذا كنت عبئاً عليه فأرجو ألا يكلف نفسه زيارتي ثانية .. اتسعت عيناه دهشة .. فغر فمه , سكت مطرقاً ..

أنقذ العميد الموقف بدخوله , واستوعب الموقف حالاً .. التفت إلى أخي وقال بهدوء :

– سلم لي على خالك .. مو قلت لك أن رأسه يابس .

شكر أخي العميد وخرج . عشرة أيام أخرى من الإهمال, عشرة أيام من العذاب النفسي المضني .. هل خسرتُ أخي؟.. أليس المنطق الذي يتكلم فيه هو السائد إن لم يكن هو الصحيح؟

في 1 تموز أدخلوني إلى غرفة العميد لأجده واقفاً باحترام بينما أخي وشخص آخر كهل, أبيض الشعر , جالسان !.. عرفت فيما بعد أن هذا الكهل هو خالي .

استأذن العميدُ بأدب جم أن يخرج من الغرفة بعد أن طلب لنا ثلاثة فناجين قهوة.

بعد التحيات والقبلات بدأ خالي محاضرة طويلة انتهت بالتأنيب والتوبيخ, ثم أصدر لي أمراً حازماً بالتوقيع على الورقة التي مدها لي. بهدوء شديد رفضت. اقترب مني حانقاً , توقف , التفت إلى أخي وسأله إن كان يستطيع التوقيع على الورقة بدلاً مني, أومأ أخي برأسه موافقاً .. ثم وقع, صرّ خالي على أسنانه, وقال لي:

– يا ويلك .. إذا حكيت أي كلمة!.

حضر العميد. ناوله خالي الورقة. رن العميد الجرس بعد أن وضع الورقة في درج المكتب. أمرهم أن يعيدوني إلى الزنزانة. بعد يومين كنت أقف على الرصيف المبلل أمام مبنى الفرع.. حرّاً!

أعطيت السائق عنوان بيتنا. نزلت من السيارة بعد أن أعطيته نصف ما أملك من النقود. صعدت الدرج، ضغطت الجرس.. من سيفتح الباب ؟.. أمي، أبي؟.

جلست على الدرج، بقيت جالساً ثلاث ساعات، مرت بي العديدات من جاراتنا، ينظرن إلي باستغراب وتوجس، لم أعرف أية واحدة منهن. حضر شاب أنيق يلبس نظارات طبية، نظر إلي باستغراب ثم تجاوزني، فتح باب بيتنا .. ودخل!.

وقفت .. ناديت عليه، التفت إلي دون أن يستدير ناظراً بطرف عينه: نعم .. شو بتريد؟

تعارفنا. إنه زوج لينا ابنة أخي. رحب بي ترحيباً شديداً. سألني إن كنت جائعاً، طلبت منه فنجان قهوة بلا سكر. يدور سؤال في حلقي.. أخشى كثيراً أن أطرحه. اعتدلت في جلستي، وسألته :

ـ أين أبي وأمي؟

فوجئ… نظر إلي بدهشة ممزوجة بالشفقة، بدأ يتمتم:

– لا أعرف.. أنا ولينا، وقت معرفتي بلينا .. لم يكونا موجودين. رحمهما الله..

ما كنت أخشاه.. حاصل. آه يا أمي ويا أبي، هل قال أحدكما: إنه يتمنى أن يراني قبل أن يموت؟ .. هل تسبب سجني وغيابي بتعجيل موتكما؟.. أدفع نصف حياتي مقابل أن أضع رأسي لمدة خمس دقائق على صدر أمي.

أنور زوج لينا يقف أمامي مرتبكاً، يراقبني، سألته إن كان يعرف مكان الدفن، أومأ برأسه أن نعم. انطلقنا نحو المقبرة، وصلنا، اسم أبي وأمي واضحان على الحجر.

احتضنت الحجارة الباردة وأرحت رأسي عليها، أغمضت عيني… شعرت براحة كبيرة… في داخلي شعور بأن علي واجباً ما تجاه الموت يجب القيام به، اتجهت نحو القبلة… القبر بيني وبين مكة، فتحت كفي باتجاه السماء وقرأت الفاتحة، ثم وبشكل آلي… صليت صلاة الجنازة!.

اتصل بي الدكتور هشام على الهاتف. كانت مفاجأة. إنه أحد الأطباء الذين كانوا معي في السجن الصحراوي. أعلمني أنه ونسيم قد خرجا من السجن، وأن نسيم يرجو مني الحضور إلى بلده للقاء في مقهى بحري هناك في اللاذقية قرب بيته. أجبت أنني سأكون عندهم غدا.

المقهى شبه فارغ، اخترنا طاولة على الحافة تتكسر تحتها الأمواج الصغيرة، عندما التقينا حضنّا بعضنا بعنف، وبدأنا نبكي، بكينا أكثر من خمس دقائق. بعدها بدأت البسمات المتبادلة.

هشام هو الذي يتكلم، شرح لنا مخططاته للمستقبل، هدفه واحد وبسيط ، قال:

– أخرجوني من هذا البلد .. وأنا على استعداد للعمل “زبالاً” في أي مكان آخر على ظهر الكرة الأرضية. ” هشام طبيب جراح تجميل ، ويعتبر متميزا في اختصاصه !”.

نسيم صامت يحدق بنظره إلى نقطة في عمق البحر.

حدثنا هشام كيف تم خروجهما من السجن: فجأة ودون سابق انذار، فتح عناصر الشرطة الباب وأخذوا يقرؤون الأسماء, خرج جميع من تُليتْ أسماؤهم, تبين أنه يمكن تصنيفهم في ثلاث فئات: المشلولون, المصابون بأمراض عضال, الرهائن..

فيما بعد انضم إليهم قسم من نزلاء مهجع البراءة, الذين غدوا شباباً في العشرينات من عمرهم بعد أن قضوا أكثر من عشر سنوات في السجن. نقلوا الجميع بالحافلات إلى العاصمة.

بضعة أيام في سجون العاصمة, حاولوا تحسين مظهر السجناء قليلاً, اشتروا لهم ألبسة جديدة, أعطوا كل سجين مبلغ مئتي ليرة كمصروف جيب وثمن بطاقة السفر لكل واحد إلى بلدته.

في اليوم المقرر لخروجهم من السجن وضعوهم في حافلات أخذتهم إلى أكبر وأهم ساحة في المدينة, أوكلوا الأمر إلى أحد كبار ضباط الأمن الذي فهم الأمر حرفياً:

– تأخذهم جميعاً إلى الساحة, تضع الباصات حول الساحة, المطلوب مظاهرة تأييد للسيد الرئيس. عند التنفيذ أشار عليه البعض أن هناك عشرات المشلولين وهؤلاء لا يستطيعون السير في مظاهرة!. لكن الضابط أصر, لقد قال له رؤساؤه كلمة: الجميع.

في الوقت المحدد لانطلاقة مسيرة التأييد, كان لا يزال ما يقارب الأربعمئة سجين يحاولون إنزال ما يقارب المئتي مشلول!.. أنزلوهم, أجلسوهم في صفوف نظامية على الإسفلت الدائري العريض, وقف أمامهم المصابون بالأمراض العضال, مرضى السرطان, مرضى القلب والشرايين, مرضى السل… الشيوخ وكبار السن , في مقدمة الجميع أفراد مهجع البراءة, وهم الأكثر شباباً ومعهم البعض من الرهائن, أمام الجميع لافتة ضخمة مكتوبة باللون الأحمر الدموي وبخط جميل, معنونة:

” مبايعة مكتوبة بالدم “

يبايع فيها المتظاهرون السيد رئيس الجمهورية ويعاهدونه أن يفدوه بدمائهم وأرواحهم, وأنهم كلهم جنود لديه!

السجن والرواية

نعيم شريف
تطمح الروايةُ دوماً لتدوين الألم ولعلها تجهدُ لنفيه أيضاً، من طريق هذا التدوين، وفي سعيها ذاك تجوسُ أراضي وعرةً مثقلةً بنصيبها من بئر القسوة تلك. فالسجن، هذا الابتكار البشري بامتياز، هو إقصاء للحرية، نفي للديمومة الفاعلة، تقزيم للكينونة الإنسانية، وتكريس لـ (اللاّ إنساني) بالمطلق. يبدو لي مفيداً هنا القول بأن الرواية بوصفها نوعاً سردياً متقدماً، نأت بنفسها عن محايثة الألم فقط إلى التفوق عليه وتخليده في الوقت ذاته. ليس من دأب الرواية في تصديها للـ (ثيمات) المعقدة والملتبسة أن تكتفي بالرصد والتسجيل فحسب، بل عليها أن تتجاوز المعطى إلى المبتكر. سأوردُ هذه الفقرة للكاتب الروسي الكبير (تولستوي) من رسالته إلى صديقه ستراخوف: (بعد أن قرأت (ذكريات من منزل الأموات) أيقنت أن ليس في الأدب الجديد كله كتاب يفوقه، حتى ولا كتب (بوشكين).. إذا رأيت (دستويفسكي) فقل له أني أحبَّه)(1). سوف لن يجد القارئ صعوبة في فهم أن المقصود من كلام تولستوي هو رواية دستويفسكي عن فترة سجنه التي امتدت عشر سنين في مدينة (أومسك) في سيبريا. في كتابه (ذكريات من منزل الأموات) يوردُ (الكاتب السجين) تفاصيل مروّعةً عن العذاب الذي يلقاهُ السجناء، وعن ألوان الاضطهاد التي يتعرضون لها على يد سجّانيهم. فالسجين دستويفسكي، ينسحب ويُخلي المكان للروائي دستويفسكي، وهو برصده حيثيات السجن، يحاول أن يجد طريقاً سالكاً لفهم عذابات هؤلاء الأشقياء والاقتراب منهم، الكاتب هنا يسبر أغوار الشخصيات ويلجُ إلى داخلها، مستعيناً بقدرتهِ على (التماهي) مع الأمر، وتأمل ما يراهُ. عندما صدرت هذه الرواية عام 1862م، أحدثت ضجة في كل البلاد الروسية، وحين قرأها القيصر أجهش بالبكاء مرات كثيرة، وعلى أثر صدروها وبالتحديد بعد مضي عام على ظهور الرواية، صدر قانونٌ بإلغاء العقاب الجسدي إلغاءً تاماً. فالمعاناة التي تعرَّض لها الكاتب (السجين) والعذاب الذي مزَّق روحه طيلة أعوام سجنه، أسعفتها الموهبة الفذّة، فتحصَّل لنا من عذاب السجن المَهولِ كتابٌ خلَّدَ الألم ونفاه في الوقت عينه. فلنقرأ هذه الفقرة من رسالة لأخيه ميشيل، يكتب دستويفسكي: (لن أخبرك بما طرأ على نفسي ومعتقداتي، على فكري وقلبي، في غضون هذه السنوات الأربع، فالحديثُ يطولُ، لكن التأمل المستمر الذي كنت أهرب إليه من واقعي الأليم لم يكن عديم الجدوى، تحدوني الآن آمالٌ وأمانٍ، لم أكن أتبينها في ما مضى) (2). تنصهرُ معاناة الكاتب وآلامه مع سعيه الحثيث للخلاص منها، وليس في نفسه إلا (الفن – الرواية) منفذاً لينقذَ روحهُ، بعد أن أنهك السجن جسدهُ. في المقطع الذي أوردناهُ، تتوضح بجلاء معالم التجربة العميقة، وآثارها على معتقدات الكاتب وعلى أفكاره وما اعتور نفسه من تغير. لعلي ألقي بعضاً من الضوء على قيمة كتاب (ذكريات من منزل الأموات)، إذا ذكرت بعضاً مما جعل دستويفسكي يدخل السجن أسوة بالمجرمين وعتاة الأشقياء على الرغم من كونه سجيناً سياسياً، الأمر الذي شكل له صدمة أول الأمر، لكنه ما لبث أن تكيّف للحياة معهم!!. كان دستويفسكي واحداً من المواظبين على حضور ما سمي في حينه بـ(حلقة بترافشسكي)، وكانت هذه الحلقة تحاول أن تقوّض النظام الإمبراطوري وتطيح بالقيصر، لكن أعضاء الحلقة قُبضَ عليهم وحكموا بالإعدام وكان دستويفسكي من جملتهم. لنستمع إليه يقول في رسالته لأخيه ميشيل: (أرسل إليَّ القرآن، وكانْت (نقد العقل الخالص) وهيجل خاصةً تاريخ الفلسفة، إن مستقبلي متوقف على هذه الكتب). ثم يلح في الطلب في رسالة في 27 آذار 1854 ويكتب: (ثم أرسل لي القرآن وقاموساً للغة الألمانية… ). ذلك أنه بحاجة أساسية لهذا الزاد الفكري، كيما يؤسس له قاعدة مفاهيمية صلبة، تعينهُ على فهم وتقبل وتفسير ما يحدث أمامهُ، ذلك أن الرواية تغتني وتتألق حين يكون الزاد الفكري لكاتبها موازياً للجهد المبذول في كتابتها. تصور الرواية عالم السجن، تصويراً لا يغفل أدق التفاصيل، مظهرةً مقدار البشاعة التي يحيا بها هؤلاء السجناء. تحرصُ عين الكاتب على التمعن في ثنايا المأساة بدأب وصبر طويلين، فالكاتب ينقل على لسان بطله (جورنيتشيكوف) – وهو هنا الاسم الروائي لدستويفسكي – هذه الفقرة البالغة الدلالة: (رأيت رجالاً مشدودين إلى الجدران بسلاسل.. إن طول السلسلة متران، وعلى مقربة منهم مضاجع يرقدون فوقها… إنهم يُشدون إلى هذه السلاسل لجريمة ارتكبوها بعد ترحيلهم إلى سيبيريا، وهم يلبثون على هذه الحال من التنكيل بالأغلال خمس سنين أو عشر (ورغم ما يبدو عليه من رضى) فإن الرغبة في إنهاء مدة التنكيل تحرقهُ حرقاً وتأكل نفسه أكلاً… ). كانت رواية (ذكريات من منزل الأموات) مثالاً على عظمة الفن الروائي وخلوده. شكَّلت رواية الكاتب المصري صنع الله إبراهيم (تلك الرائحة) منعطفاً مهماً في أدب الكتابة عن السجون، فهذه الرواية المهمة تنحو منحىً مختلفاً عن كل ما كتب في هذا المجال. يستخدم صنع الله إبراهيم هنا – تقنية (إرنست همنغواي) – أقصدُ بها تقنية (جبل الجليد) التي تعني أن ما يظهر من جبل الجليد هو عشره، أما التسعة أعشار الباقية فإنها تختفي تحت الماء، في إشارة إلى طريقة جديدة في السرد القصصي، تبتعد عن الجمل الكثيرة المثقلة بالترهل العاطفي، والمجازات أو الإحالات والتشبيهات البلاغية، هذا الأسلوب يطمحُ إلى رشاقة في الأسلوب، تمنحُ السردَ قوةً ذاتيةً وشفافيةً عالية تنأى به عن الاستطالات الزائدة وغير الضرورية. فرواية (تلك الرائحة) تصور حالة سجين أُطلقُ سراحهُ حديثاً، ويجد نفسه في غربة روحية ثقيلة الوطء على نفسه، فلا أحد في استقباله، ويرفض أخوه تسلمه، وفي خضم هذه الفوضى من مشاعر السجين، تسيطرُ عليه حالة من اللامبالاة الغريبة التي تهيمن عليه بشكل يكاد أن يكون كلياً. فهو يسجل أدق مشاعره (بحيادية) شديدة، ويراقب ذاته والآخرين بموضوعية لا تتأتى إلا لمن أيقن يقيناً لا يرقى إليه الشك، بأن روحه أمست خراباً حقيقياً، وبأن لا سبيل إلى بعث الحياة في لحظات نأت وأخذها بعيداً تيار الزمن المنصرم. لكنه في رصده وتسجيله للوقائع اليومية لحياته، تداهمهُ ذكرياته السوداء المريرة في السجن، فتهيمن عليه حالة من السوداوية، وهو لا يتورع عن ذكر تفاصيل (خاصة جداً) وبلغة لا تحفل بالحياء أو التورية، بل إنه يُسمي الأشياء بأسمائها الأكثر بدائية والتي لا تتساوق مطلقاً مع لغة المجتمع، تعرض (تلك الرائحة) حالة السجون المصرية زمن الحكم الناصري وما فيها من تنكيل واضطهاد على يد أجهزة جمال عبد الناصر الأمنية. فهناك عالم مكتظٌ بشروره، سادرٌ في فساده وتحللّه، وصنع الله إبراهيم، يشرَّح بمبضع الجراح بنية التعفن، ويفضح الممارسات التي تحدث في السجن بذكاء وجرأة قلَّ نظيرهما. فعمليات التعذيب الوحشية والمستمرة التي تنال المناضلين، تظهر إلى أي مدى وصلت آلة القمع البوليسي في امتهانها للإنسان، لمجرد أنه يحمل رؤية مخالفة لها ولا تتفق مع نهجها الحديدي في الحكم. ثم تعرج الرواية، بأسلوب (الرؤية من الخلف) إلى رصد مجموعة من الأحداث الموضوعية التي اختيرت بمهارة وقطعت في نقل محايد للواقع. إن الأسلوب يقوم هنا على الوصف الخالي من التعليقات الذي أسمته كلودا ادموناني (عين الكاميرا): رؤية لا يتدخل فيها المؤلف حيث لا يقال فيها إلا ما يمكن أن يلحظه مصوَّر سينمائي موضوعي أو تسجله مسجلة صوت. ذلك أن هناك عمليات قتل بشع لسجناء سياسيين، وحالات اغتصاب لسجناء صغار في السن من قبل بعض المجرمين من السجناء الذين ترعاهم إدارة السجن وتتواطأ معهم. كانت رواية (تلك الرائحة) فضحاً للمسكوت عنه والمستتر من بشاعات وجرائم خلف غطاء سميك من التظليلات لمجتمع دُجّن حتى صار لا يحفل بما يلاقيه على أيدي جلاديه. هذه الرواية كانت الرائدة في (أدب القبح) ذلك النوع من الكتابة التي تشير إلى مثالب وعيوب الحياة في ظل نظام دكتاتوري شمولي. كثيرة هي الروايات التي تناولت (السجن) كثيمة رئيسية، ترصد حالات القهر ومحاولات مسخ الإنسان وقتله، ولعل الروايات التي تناولت السجن عكست جوانب مُغفلة ومهمشة، ومشت في طرق صعبة لتخليد الألم الإنساني، عَلَّ الفن يكون شكلاً من أشكال الخلاص.
المصادر:
1- أدب السجون: نزيه أبو نضال – دار الحداثة. 2- دوستويفسكي: مقالات ومحاضرات، أندريه جيه ترجمة إلياس حنا إلياس. 3- قراءات في الأدب والنقد: د. شجاع العاني، منشورات اتحاد الكتاب العرب. 4- تلك الرائحة رواية: صنع الله إبراهيم.

المصدر مجلة النبأ

معتقلات السيسي تُعيد إحياء “أدب السجون” عبر رسائل من خلف القضبان

أعاد معتقلون مصريون إلى الصدارة نوعا من الأدب اختفي  منذ سنوات مضت، لا تكاد تقترب منه أضواء النقد، إلا في حالات نادرة، وهو أدب السجون.

في 25 أكتوبر الماضي، أثارت رسالة مهربة من سجين مصري شاب، يدعى أيمن علي موسي، حالة من التعاطف الشديد على مواقع التواصل الاجتماعي.

موسى جرى فصله من كلية الهندسة في الجامعة البريطانية بالقاهرة، وحكم عليه بالسجن 15 عاما؛ بتهمة التظاهر في أكتوبر2013.

ولم يستطع هذ الشاب أن يودع والده، الذي توفي بعد عام من حبسه ولم يحضر أيضا جنازته؛ ما دعاه إلى استعادة ثلاثة أعوام قضاها سجينا، فكتب رسالة تهنئة لنفسه بعيد ميلاده.

يقول موسى: “عيد ميلاد سعيد؟! ..٢٥ أكتوبر ٢٠١٣ أتممت سن المراهقة في السجن، كان عيدُ ميلادي الواحد والعشرون هو الأول في السجن.. ٢٠١٤، كان الثاني…، ٢٠١٥، الثالث…، اليوم… ٢٠١٦… هو عيد ميلادي الثالث والعشرون… الرابع في السجن.. أُول عيدِ ميلاد بدون أبي… بدون مستقبلٍ واضح أمامي، بعدما تم إيقاف قيدي بكلية الهندسة، بعدما تم الحكم عليّ بالسجن خمسة عشر عامًا بدون سبب! أجلس في زنزانتي على الأرض، حيث أنام، أشعر بأني فأر محاصر في مصيدة بمعمل، ينتظر أن تتم عليه التجربة، ولا أعلم بأي النتائج ستنتهي، إلى أي شيء ستحوّلني!!”.

 يضيف موسى: “أنا متعب من خسارة هدية في كل عيد ميلاد.. هذا العام، بدلاً من أن أرتدي قبعة التخرج والعباءة مع أصدقائي، حاصلاً على شهادة تخرجي، ارتديت بدلة سجين وأصفاد يد، منتظرًا أن يتم نقلي إلى سجن آخر هذا العام.. تغيبت عن جنازة أبي.. أنا أفتقد أبي”.

بعد حكم الرئيس المصري، جمال عبد الناصر (1956: 1970) لاقى أدب السجون اعترافا نقديا، حيث ظهرت مذكرات وكتابات روائية مختلفة،لكن في المرحلة الراهنة بمصر، ظهر أدب السجون في صورة جديدة، وهي رسائل مهربة تحمل تنقل آلاما وآهات من خلف قضبان السجون.

وتعكس هذه الرسائل أوضاعا غير إنسانية، بحسب سجناء، وهي تُكتب أحيانا على أوراق علب السجائر، وتبقى المتنفس الوحيد لآلاف الشباب المحبوسين (دون حكم قضائي)، والمسجونين على خلفية احتجاجات سياسية مختلفة.

ويعرف الشاعر والكاتب السوري، ممدوح عدوان، في كتابه “حيونة الإنسان”، أدب السجون بأنه “نوع من الأدب استطاع أن يكتبه أولئك الذين عانوا السجن والتعذيب خلال فترة سجنهم وتعذيبهم أو بعدها، أو كتبه الذين رصدوا تجارب سجناء عرفوهم أو سمعوا عنهم”.

وقبل أيام، بعث الباحث والصحفي المصري، هشام جعفر، المحبوس في سجن “العقرب” جنوبي القاهرة، برسالة إلي ابنه قال فيها: “”ابني العزيز عدنان.. اشتقت إليك وإلى أحفادي كثيرا، اشتقت إلى روجيدة وتمنيت رؤية آدم، اشتقت إلى بذور هذا الوطن”.

ورغم حبسه منذ منذ أكثر من عام دون حكم قضائي يدينه، يوصي جعفر ابنه بقوله: “إياك يا بني أن تزرع فيهم (الأحفاد) كره هذا الوطن، إياك يا بني أن تدعهم يفقدون الانتماء إليه أو يفقدون الرغبة في ذلك، إياك إياك”.

ويعاني جعفر (52 عاما) في السجن من حالة صحية متردية، تشمل ضعف البصر والتهاب البروستاتا والضغط والسكري.

وهو رغم ذلك يوصي ابنه عدنان قائلا: “ازرع بداخلهم (الأحفاد) هذا الوطن، لا تدعه يخرج من قلوبهم، إجعلهم دائما يشتاقون إليه ويشعرون بالحنين، وإن كفرت أو كفروا، فحينها سأتيقّن أن ضريبة سجني ذهبت سدى.. أنا لم ولن أكفر بالوطن فلا تدعهم يكفرون به. ودمنا إلى لقاء أتمناه قريبا”.

وفي أكتوبر 2015، اقتحمت عناصر من قوات الأمن المصرية مقر عمل جعفر في “مؤسسة مدى الإعلامية” (غير حكومية)، وألقي القبض عليه، ثم نقل إلى سجن العقرب، ولم تتم إحالته إلى القضاء حتى الآن.

ومن بين السجناء في مصر، الناشط السياسي الشاب أحمد دومة، وهو يقضي عقوبة السجن المؤبد (25 عاما) في القضية المعروفة إعلاميا بـ”حرق المجمع العلمي” وسط القاهرة في ديسمبر/ كانون الثاني 2011، إضافة حكم بالحبس ثلاث سنوات بتهمة خرق قانون تنظيم التظاهر.

ومن خلف القضبان، قال دومة (28 عاما) في رسالة مهربة: “أصبح اشتياقي للأشياء التافهة موجعا للغاية. أن تدخن سيجارة في شرفة منزلك، تتمشى ليلاً في شوارع وسط البلد (يقصد القاهرة)، تجلس مع رفاقك على القهوة، تأكل الآيس كريم المفضل وأنت تقرأ، تقف بجوار صديق يحتاجك، تتلقى العزاء حتى في صديق مات.. لا تعرف قيمة الأشياء في حياتك وإن بدت تافهة إلا بعد فقدانها”.

واشتهرت العديد من الأعمال الأدبية العربية والغربية باعتبارها تنتمي إلى أدب السجون، لكن تبقي الأعمال التي كتبها مبدعون فلسطينيون وسوريون ومصريون ومغاربة هي الأبرز في هذه المساحة من المعاناة الإنسانية.

وتعد رواية “فرج” للكاتبة والأديبة المصرية الراحلة، رضوى عاشور، والصادرة عام 2008، واحدة من أبرز هذه الأعمال، إذ تنقل تجربة أجيال متتالية مع السجن، بداية من تجربة والدها، ثم تجربتها هي، وأخيرا تجربة شقيقها الصغير.

وعبر هذه الأجزاء الثلاثة، يعرض ذلك العمل الأدبي تفاصيل الملاحقة والقمع السياسي في فترات مختلفة، وكأنها أرادت القول إن التجربة واحدة ومشتركة.

وعن السجون المصرية خلال حكم عبد الناصر، قدم الكاتب المصري الراحل أحمد رائف عام 1977 كتاب “البوابة السوداء”، الذي رصد فيه تجربته وتجربة رفاق له من جماعة الإخوان المسلمين، إضافة إلى سجناء آخرين شيوعيين وغيرهم، حيث نقل تجارب شخصية جدا له ولرفاقه في أقبية التحقيق والتعذيب.

وفي كتابها “مذكراتي في سجن النساء”، الصادرة عام 2000، تقدم الكاتبة المصرية، نوال السعداوي، عرضا للاعتقال السياسي خلال حكم الرئيس المصري الراحل، أنور السادات (1970: 1981)، الذي شنت أجهزته الأمنية حملات اعتقال كبيرة بحق مثقفين وكتاب مصريين. وتتميز رواية السعداوي لمذكراتها بجمعها بين نوعين من القمع، هما القمع السياسي وما تطلق عليه “القمع الذكوري للمرأة في المجتمع المصري”.

المصدر رصد