أرشيف الوسم : اعدام

سجن كوبر / قسم الإعدام عبدالرؤوف أبوزيد

الهاتف ” الجوال ” ممنوع في السجن و يعاقب من يوجد بحوزته ، لكن للسجناء طرقهم الخاصة في إدخال مايريدون ، رغم التشدد في التفتيش و المراقبة .. اذكر في ايامنا الأولى كانت عقوبة الهاتف ” الجلد 25 و الحبس في الإنفرادي لمدة شهر مع المنع من الزيارة “

لكن مع مرور السنوات بدا التخفيف على سجناء الاعدام في التفتيش ، حتى من يجدوا معه هاتف يصادروه فقط بدون عقوبة ..

***

كنا نعاني كثيرا في إخفاء الهواتف ، نسبة لضيق المكان و قلة الأغراض التي يمكن ان نخفي فيها ما نريد .. أحيانا كنا نحفر نصف متر بحجم الهاتف و ندفنه ، أو نضعه في وسط الخبز أو ” حافظة المياه ” السجناء لا تعجزهم الحيلة في الإبتكار ، ربما للفراغ الذي يعيشونه ، فكلما إكتشف الحراس شيئا مباشرة يلجأوا لحيلة اخرى .. لا انسى تلك الشجرة التي تتوسط الزنازين ، و يتسابق إليها السجناء يتسلقونها رغم السلاسل في أقدامهم ، في ثوان معدودات يخفون فيها الهواتف ، و لكن بمجرد دخول العساكر للتفتيش يختارون ” أصغرهم حجما ” فيصعد و يلتقط الهواتف من بين اغصانها ، كانما يلتقط اطايب الثمر !

و السجناء ينظرون كل يرى هاتفه تم اخذه ، لا يستطيع ان ينطق بكلمة !

****

طرائف إخفاء الهواتف كثيرة جدا .. أذكر احد السجناء في زنزانة مجاورة لي ” قارب الستين من عمره ” كان شديد الخوف من التفتيش ، إن سمع عنه و لو بالمزاح يرتفع ضغطه و تتحرك بطنه ! احيانا يبيعه بأقل سعر ، او يرميه في مكب ” النفايات ” !

في إحدى المرات أخبرنا احد الحراس ليلا ، بان صباح الغد سيكون تفتيش كبير ، كانت ابواب الزنازين مغلقة ، و إخفاء الهاتف شبه مستحيل ، إلتفت صاحبنا يمينا و شمالا لم يجد ملجأ ، قام بإخرج ” الشريحة ” و قال لسجين آخر معه في نفس الزنزانة ” يا فلان خذ هذا الهاتف هدية مني ، و اعطاه اياه مخافة ان يجدوه عنده ! “

****

في رأس كل سجين أسئلة ، كانت تدور بلا إجابات .. من الذي إخترع السجون ؟ كيف إهتدى لهذه الفكرة ، بقبر الأحياء في هكذا مكان ؟ !

كان الجميع يتساءلون و يتداولون قصة فيما بينهم ، اقرب ما تكون إلى خرافة ، كانهم يعبرون بها عن بؤس واقعهم ، يقولون : ان ” الخواجة ” الذي قام ببناء السجن و عليه سمي السجن ” كوبر ” بعد ان فرغ من بناء الزنازين ، جاء بكلب و حبسه لثلاثة أيام في احدى الزنازين ، و لم يعطه جرعة ماء و لا شيء ليأكله ؛ و بعد اليوم الثالث و ضع أمام الباب الكثير من اللحم و فتح له الباب ، و لكن الكلب و بمجرد فتح الباب هرب و ترك اللحم ، نسي جوعه ! عندها ضحك ” الخواجة ” و قال هذا الذي أريده !

سجن كوبر / قسم الإعدام :

ما استفدته في قسم الإعدام ، لا اظنني كنت ساجده في اي مكان آخر في هذه الدنيا ، و إن كرهته نفسي في باديء الأمر ، إلا انني اعده محض فضل من الله عزوجل ..

و مع انني ما كنت اخالط إلا قلة منهم ، إلا انني كنت اعرف تفاصيل قضاياهم ، فقد كانوا يثقون في ، و يشاركوني خفايا اسرارهم ، و كم كان فيها من العظات و العبر !

فمن هؤلاء الذين ينظر إليهم الناس ، على انهم قتلة و بلا رحمة او خلق ، تعلمت و رايت الكثير :

رايت الصدق في التوبة ، و الندم و الإنكسار لله .. رأيت الجد و الإجتهاد في العبادة ، ففيهم من يحتقر المرء نفسه أمامهم .. رايت الصبر على قسوة السجن و السجان ، و هجر الاهل و الخلان .. و رايت البذل و الصدقة ، و إن كان احدهم معدما لا يملك شيئا .. رايت الشجاعة في مواجهة الموت ، و الرضا بقضاء الله و قدره ..

و بصدق حين تعلم بتفاصيل جرائم البعض ، يزداد عجبك كيف تغير هؤلاء ؟ و كيف ارتكبوا جرائمهم و هم بهذه السكينة و الهدوء ؟

**

من عرفتهم في ذلك المكان ، لم ينجو منهم إلا القليل ، غالبيتهم تم إعدامهم ، لا ابالغ إن قلت كانوا بالمئات ، او أكثر .. لم يكن ينقضي أسبوعا إلا و نفقد شخصين او ثلاثة ، و في بعض الأحيان يتم إعدام خمسة اشخاص ، في يوم واحد ، بل عشرة اشخاص ذات يوم ، فيهم اب و إثنين من ابناءه !

لقد كان الموت كأنه مزحة ، نودع احدنا في الصباح ، و قبل العصر يأتينا نعيه !

****

و للسجانة طقوسهم في تنفيذ الإعدام ، ففي الصباح و مع اول شروق الشمس ، كانوا يرسلون قصاصة ورق صغيرة من مكتب المدير ، فيها اسماء من يريدون إعدامهم ، يدخل الحارس إلى القسم حاملا الورقة ، و بمجرد ان يراه الجميع يدركون ان هناك تنفيذ ” قبل التنفيذ لا يتم اخبار احد ” يطوف العسكري بين الزنازين باحثا عمن يريده ، بمجرد ان يشير عليه يفهم السجين انهم يريدونه ، ياخذ ملابسه و يغتسل في عجل ، و ياخذ مصحفه ” و مصلايه و مسبحه ” ثم يودع إخوانه ويعانقهم ، و يطلب منهم العفو و الدعاء ، و في تلك اللحظات يسود المكان صمت رهيب ، لا يقطعه إلا تكبير البعض و ترديدهم عبارات التثبيت و الدعاء ، ثم ياخذونه و يغلقون الباب ، بينما يعكف اخوانه بالاتصال لأهله ، و حثهم للقيام بعمل التاجيل ، يقضون بقية يومهم في الإتصالات مع المحامي و الدعاء ، إلى ان يرجع أخاهم ، و إن نفد امر الله ، يعزي بعضهم بعضا ، لكأن الجميع اهله و عشيرته ..

الصورة في سجن بورسودان 2019

أيام في جوار غرفة الاعدام

بقلم أحمد ناصف

بقلم أحمد ناصف

في سجن الاستئناف كنت نزيلاً فترة الامتحانات بجوار غرفة مقصلة الإعدام. سجن الاستئناف يجتمع فيه تنفيذ إعدامات عدة سجون من حول القاهرة. المقصلة يفصلها عني حائط، يمر من أمام باب غرفتي المساقون إلى الموت كل أحد وثلاثاء، عند شروق الشمس، بالبذلة الحمراء والشوال الأسود على رؤوسهم وأيديهم مربوطة من ظهورهم. ليلة الإعدامات يكون هناك نشاط بالطابق مختلف، مسح أرض العنبر بالماء والصابون، بخور يشعل، وشيخ من الأزهر، وسباب وشتائم، وصراخ من الدور الثاني من الأعلى من طابق زنازين الإعدامات،

ومنهم من يتلو القرآن بصوت مفجوع، ومنهم من يجن ويتألم مزلزلاً الأرض، من الموت الذي يموته كل لحظة وهو ينتظر دور المقصلة عليه… في الطابق الأسفل منه مباشرة. المقصلة لا بد من تحقيق تشغيلها، وتجربتها عدة مرات ليلة الإعدام وسط الطقوس. حين تفتح للتجربة وتهوي البوابة يحدث صوت صرير، وقصل، وارتطام جبل من الحديد بآخر، صوت تخرج له الروح فزعاً، وينفطر القلب هلعاً، وتجحظ العين رعباً. هذا الصوت هو نذير يوم أسود على زنازين الإعدام وعلي أنا أيضاً. المساقون إذا هلعوا من الموت وهم على باب المقصلة فإنهم يهرعون على الباب المجاور (باب حجرتي أنا) يطلبون الفرار من الموت، الفتحة التي في الباب رأيت منها رعباً لا يوصف، وكم من مُساق إلى الموت ألقى برعبه كله عليَّ من فتحة الباب: «أنا مش عاوز أموووت». فأموت أنا قبله يدخلون به سحباً وجراً ودفعاً وقرآن يتلى، وتلقين شهادة… وتفتح المقصلة، وينفجر القلب من مكانه من الصوت والصرير والاصطدام، يا ربي في صباح يوم أعدموا ثمانية. يدخل على أقدامه، يخرج جثة، يضعونها جانباً أمام عيني إن نظرت أنا من فتحة بابي. يدخل الثاني والثالث والمقصلة والارتطام والصرير والصراخ والهلع أمامي، والمبنى يهتز، وصراخ من زنازين الإعدام، وقرآن يتلى، وجثث تُرتب جوار بعضها جنباً إلى جنب، والرابع، والخامس، وأفزع للصلاة، وأرفع من السجود، وأجد عيناً من فتحة بابي تجحظ فيَّ، فأنسلخ روحاً من جسد وأصرخ، أحدهم لم يضعوا على رأسه الشوال الأسود، يحدق فيّ، يا ويلي!! ولا أشعر بالصلاة فأرتعش من نظري إليه. ماذا عليَّ أن أقول له؟! كيف أتكلم ونظراته جمَّدتني رعباً. حتى سحبوه من أمامي وسكن المكان قليلاً… ثم وقع الارتطام. الموت هناك أهون من الانتظار.