الرئيسية / أرشيف الوسم : الرواية السجنية

أرشيف الوسم : الرواية السجنية

رواية القوقعة -الحلقة السادسة والاخيرة مصطفى خليفة

21حزيران

أخرجني السجان وهو يطلب مني أن أحمل كل أشيائي, صعدنا إلى فوق دون طماشة ودون قيود, أدخلني بالمراسيم المعتادة إلى غرفة ” الصوت الأجش ” الذي بادر بأن طلب مني الجلوس . تكلّمَ معي, أفهمني أنهم كانوا ينوون إطلاق سراحي, وأنهم يحترمون خالي الذي يتدخل لصالحي كثيراً لأنه إنسان جيد, إلا أن هناك جهات أمنية أخرى اعترضت على ذلك وطالبت بتسليمي إليها وأنهم مضطرون آسفين لتسليمي إليهم.

بعد ذلك بقي حوالي عشر دقائق أخرى يحاول أن يفهمني أمراً, وتبين لي أنه لا يريد أن يخوض فيه صراحة لذلك لجأ إلى التلميح, ما استطعت فهمه هو أنني يجب ألا أدلي بمعلومات لدى الجهة الأمنية الأخرى زيادة عما أدليته به هنا وذلك لأنني إذا أدليت بمعلومات جديدة سوف تظهر الجهة الأمنية الأخرى بمظهر الطرف الأقدر والأكثر نجاحاً, وأنني عندها سوف أَصِمُ “الصوت الأجش” وجماعته بوصمة الفشل.

24 حزيران

عند الجهة الأمنية الأخرى .

ثلاثة أيام تساوي ثلاث سنوات في السجن الصحراوي.

كان الضابط بانتظاري على باب غرفته, الغضب يقطر منه. فاجأني بلكمة على أنفي ألقتني على صدر العنصر الذي يقف خلفي, عدت لأقف معتدلاً, أمسكني الضابط من صدري وشدني إلى داخل الغرفة وهو يصفعني باليد الأخرى, في وسط الغرفة أمسكني من رقبتي.. من تفاحة آدم وأخذ يضغط عليها, أحسست بالاختناق, قال لي وهو يصّر على أسنانه:

– اركع ولا كلب ..

ركعت على ركبتي أفلت رقبتي وذهب إلى خلف المكتب , أمسك ورقة واقترب مني , أخذ يقرأ فقرات منها .. مع كل فقرة يضربني بأسفل حذائه على وجهي ..

-الصوت و الصورة .. ” رفسة على الخد ” .. الرسالة تظهر من عنوانها ” رفسة فوق الخد قليلاً ” .. صوت التيس ” ببوز حذائه، ضربة على جنبي ألقتني أرضاً ” .. ويتابع القراءة و الضرب !. ألقاني أرضاً , سحق فمي بحذائه ثم وضعه على رقبتي وضغطه , عجنني برجليه .. وفهمت منه أن ما قلته بحق ” السيد الرئيس ” يكفي بحد ذاته لشنقي من خصيتيّ !.

ثلاثة أيام لن أنساها, الجلد, الضرب, في الدولاب, على بساط الريح, التعذيب بالكهرباء.. أحس أنني سألفظ أنفاسي, أعجز عن التنفس, الطماشة على عيني.. لا أعرف متى يشغل الجهاز ومتى يوقفه, وأرقص.. أرقص تشنجاً وألماً.

في اليوم الثالث جاء دور الشبح . عندما سمعت الأمرَ بشبْحي لم أفهم ماذا يعني ذلك, لكن عندما ربطوا يديّ عالياً وجسدي كله مرفوع عن الأرض أكثر من نصف متر تذكرت صلب المسيح, دون أن أعي صرخت:

– يا يسوع .. يا محمد .. يا الله .

بعدما يقارب النصف ساعة أحسست أنني قد استنفذت كل طاقتي على التحمل .. أحسست بضعف هائل . سأعترف بما يريدون مني أن أعترف به , وليكن الإعدام ! الإعدام سوف يكون أرحم ! .. ولكن من أين أخترع لهم تنظيماً معادياً غير الإخوان المسلمين .. وبعد ذلك أنتسب إليه ؟ .

تذكرت المهجع , مئات الروايات عن الذين ضعفوا واعترفوا بأعمال لم يقترفوها ! .. اعترفوا بجرائم لم يسمعوا بها إلا من فم المحقق الذي يتهمهم بارتكابها!.. ماذا كانت نتيجة اعترافاتهم؟ .. البعض تم إعدامه, الآخرون يتعفنون في السجن.. الكثير منهم مات أو في طريقه إلى الموت!.. قوّيتُ عزيمت, أنا لم أعد كما كنت قبل اثني عشر عاماً, لقد صلّبتني التجربة , أخذت أقنع نفسي أنني رجل .. ورجل شجاع.. رجل شجاع قادر على التحمل !.. وتحملت.

2 حزيران

يداي خدرتان من أثر الشبح! .. أستعملهما بصعوبة, أحاول أن أُجري لهما بعض التمارين الرياضية, أجد صعوبة في تنظيف نفسي بعد انتهائي من قضاء حاجتي.

22 آب

عَرَضَ علي وبطريقة لزجة , كريهة جداً وتدعو للإقياء , أن يطلقوا سراحي ويعيدوني إلى باريس , هناك أنخرط في صفوف المعارضة مسلحاً بتاريخي “سجني الطويل” وأن أخدم وطني من خلال التقارير التي أرفعها للجهات الأمنية المسؤولة كاشفاً لهم عن أعداء الوطن .. من أبناء الوطن. رفضت , متعللاً .. مداوراً .. لبقاً.

وقف غاضباً , صفعني بلؤم , وبلهجة تقطر فشلاً وإحباطاً , قال:

– إنت واحد جحش ما بتعرف مصلحتك, راح تتعفن بالسجن.

وسلموني للجهة الأمنية الثالثة. عناصر أمن, سيارة, قيود، تنطلق السيارة شمالاً, نصل إلى الشارع الذي ينار بأضواءٍ برتقالية محمرة, وزنزانة جديدة.

1 ايلول

أنا هنا منذ عشرة أيام تقريباً, بعد الظهر وحتى حلول الظلام هي الفترة الوحيدة التي لا أسمع فيها الصراخ والبكاء.. والشتائم, وما عدا ذلك فالتحقيقات مستمرة على مدار الأربع والعشرين ساعة, هذا الفرع مشهور بين السجناء بقسوته.

في اليوم الرابع فتح السجان باب زنزانتي, سألني عن اسمي فأجبته .. قال :

– شوف .. “المعلم” طلبك , وانت أكيد سمعت بالمعلم , راح أعطيك نصيحة لوجه الله : شو ما سألك احكي بصدق وصراحة , لا تكون عنيد وتعمل نفسك بطل .. بهذا المحل ما في أبطال !.. كل الناس بتعرف المعلم , ومنشان تكون بالصورة .. مرة من المرات كان المعلم عم يحقق مع واحد أخرس .. أجبر الأخرس أنو يحكي !..

وأخذوني إلى عند المعلم. في غرفة الانتظار ذات الأثاث الفخم أمام غرفة “المعلم” أوقفوني أكثر من ربع ساعة, حركاتهم.. تراكضهم.. الحديث بصوت خافت.. كلها أمور تدخل الخوف والفزع إلى قلب الشخص الذي ينتظر.

أوقفني ” المعلم ” أمام مكتبه دون أن يكترث بي أيضاً أكثر من ربع ساعة , كان يتصرف وكأنه لا يراني , مشغول بقراءة بعض الأوراق والملفات والرد على الهواتف.

بعد ذلك تفرغ لي كلياً.. ولمدة أربعة أيام!!. منذ الصباح إلى ما بعد الظهر كتبت تاريخ حياتي ثلاث مرات!

غرفة المكتب عبارة عن قاعة فسيحة مؤثثة بشكل باذخ.

خلال وجودي في غرفته وبينما أكتب تاريخ حياتي, أجرى التحقيق مع ثلاثة أشخاص, كان يعذبهم أمامي , أحاول أن أركز انتباهي على ما أكتب .. وسط ضربات السياط والصراخ الإنساني, وينتهي الأمر في كل مرة باعتراف المعتقل.

كل ما في الغرفة متناسق, عداي والمعتقلين الآخرين بالثياب الرثة والمتجعدة, وكذلك الدولاب الأسود وأدوات التعذيب الأخرى.

بعد الظهر لم يبق في الغرفة غيري من المعتقلين, خرج ” المعلم ” من وراء مكتبه , جلس قربي , نظر إلي , قال :

– شوف .. كلمتين نظاف .. أحسن من جريدة وسخة.

بدأ من حيث انتهى الآخرون, خيرني بين شيئين:

– إما العذاب والعودة إلى السجن الصحراوي حيث سألقى الإعدام, أو..

– الاعتراف والعودة إلى فرنسا والعمل بين صفوف المعارضة كمخبر.

لم أختر, لكن نفيت أي علاقة لي مع أي تنظيم, ورفضت العودة إلى فرنسا.

جميع الوسائل التي لديه جربها , البعض منها كنت قد عرفته في الأماكن الأخرى , لكن هنا زادوا عليها باستخدام الكرسي الألماني الذي أحسست أنه قد كسر ظهري , علقوني كفرّوج , شبحوني على السلم …… وآخر شيء هددني باستعماله في آخر يوم .. أو آخر دقيقة من الأيام الأربعة التي استغرقها التعذيب .. أنه سيدخل قنينة كازوز في شرجي .. وبعد أن أحضروا له القنينة رن الهاتف , تكلم على الهاتف بغضب , خرج بعدها من الغرفة، قبل أن ينفذ تهديده.

أربعة أيام لم آكل, لم أنم ولا دقيقة واحدة, يتركونني بعد الظهر ثلاث أو أربع ساعات في الزنزانة, يداي مقيدتان, مربوطتان بجنزير معدني, الجنزير معلق إلى حلقة بالسقف, يشدونه بحيث بالكاد أقف على رؤوس أصابع القدمين, كنت أحس بالراحة عندما يفكون يدي ويأخذونني إلى الدولاب أو بساط الريح أو الكهرباء.. كل وسائل التعذيب أسهل من التعليق هذا.

– بقيت صامداً, لم أضعف مطلقاً هذه المرة, كنت دائماً أقول لنفسي إنها ساعات ألم مؤقتة ستزول … أتلهى بأفكار أخرى.

مضى الآن أربعة أيام على انتهاء التعذيب, شبعت نوماً, رغم أنني أنام وأنا جالس .

2 كانون الأول

قال كبيرهم :

– توكل على الله .. عــ السجن الجبلي .

انطلق الميكرو باص باتجاه الغرب بين الجبال , في مكان منعزل, بناء حديث ضخم, يتألف من أربعة طوابق, مئات النوافذ.. إنه السجن الجبلي.

نزلنا, أدخلوني لعند مدير السجن, سألني أسئلة كثيرة وعندما عرف أنني مسيحي نادى أحد رقباء الشرطة العسكرية, طلب منه أن يأخذني إلى جناح الشيوعيين.

بينما كان الشرطي منهمكاً بفتح باب الجناح كنت أنظر مشدوهاً إلى السجناء الذين يتمشون في ممر الجناح, يسيرون .. يتحدثون.. يضحكون.. صوتهم مرتفع, عيونهم مفتوحة, كل هذا والشرطي قريب منهم، وقف ثلاثة أو أربعة سجناء قبالة الباب ينظرون إلي, أدخلني الشرطي وأغلق الباب. – أهلاً رفيق, هل أنت رفيق؟.

– لا .. لست رفيقاً.

– أهلاً بك مهما كنت .. تفضل .. تفضل .

أدخلوني أول مهجع, وقالوا لي: قبل أن تجلس هل أنت بحاجة للدخول إلى الحمام, أجبتهم نعم, أدخلوني الحمام, صابون معطر , غيار جديد , بيجاما جديدة .

خرجت , جلست , حكيت لهم حكايتي .. رداً على أسئلتهم , تجمعت حولي حلقة من الناس يستمعون .

أحضر أحدهم صينية كبيرة عليها بيض مقلي , بندورة , جبن , زيت وزعتر ….

يا إلهي كما في البيت !… هل هذا سجن ؟.. سألتهم هذا السؤال , ضحكوا وأجأبوا :

– نعم سجن , لكنه سجن خمس نجوم .

يسألون, يستفسرون, يعلقون تعليقات ضاحكة, ورويت لهم كل شيء. “فرغت”, وشعرت بارتياح فائق.. عبرت عنه قائلاً لهم:

– هل هذه هي الجنة ؟.

31 كانون الأول

– هل فلان خالك ؟

– نعم خالي .

– لكن كيف لا يسعى لإخراجك من السجن وقد أصبح وزيراً ؟!.

خالي وزير ؟.. خبرٌ أصابني بالدوار!.

6 كانون الثاني

كان كل شيء يوحي بالبساطة والمحبة, لكن لم أستطع أن أكون صافياً, جبال من الحزن والكآبة تجثم على صدري.

هناك.. في السجن الصحراوي, في الليالي الموحشة الكئيبة, عندما تترسخ القناعات بأن لا خروج من هنا!.. عندما يتساوى الموت والحياة!.. وفي لحظات يصبح الموت أمنية!…. لم يكن لأكثر أحلامي وردية آنذاك أن تبلغ مطامحه الوضع الذي أنا فيه الآن!..

2 آذار

وأخيراً بدأت جهود خالي تؤتي ثمارها.

نظرت إلى نفسي بالمرآة.. وأحسست بالخوف, صلع في مقدمة الراس, الشعر أصبح ميالاً إلى اللون الأبيض, الشاربان متهدلان وقد أبيّضّ أكثر من نصفهما, العينان غائرتان تحيط بهما هالتان سوداوان, الألم والقهر والخوف والذل.. قد حفرت أخاديدَ عميقةً على الجبين وحول العينين!

اليوم حضر شرطي, صاح اسمي وقال لأبي وجيه رئيس الجناح:

– بلّغْ هذا .. عنده زيارة.

انشغل أكثر من عشرة أشخاص بمسألة تجهيزي وإعدادي للزيارة, حلاقة الذقن، تشذيب الشاربين, البنطال والقميص, الحذاء.

وكانت هذه هي المرة الأولى التي ألبس فيها حذاءً منذ حوالي /13/ عاماً, مثلما كانت المرة الأولى التي أرى فيها مرآة طوال نفس المدة.

بعد أن ألبسوني كما يلبسون العريس، مشيت إلى جانب السجان متوجساً، وصلنا إلى غرفة بابها مفتوح، يجلس فيها رجل كهل وامرأة شابة تحمل على صدرها طفلاً رضيعاً. دخلت .. واحتاج الأمر إلى عدة ثوان من التحديق حتى استطعت تبين ملامح أخي الأكبر !.. هو أيضاً لم يعرفني لأول وهلة “مضى تسعة عشر عاماً منذ أن رأيته آخر مرة”.

احتضنني وأجهشنا بالبكاء. تعانقنا, أبكي لوعة .. اشتياقاً , ألماً وفرحاً .. ارتياحاً.

ابتعد أخي قليلاً, مسح دموعه وناولني منديلاً ورقياً لأمسح دموعي , التفتُّ إلى حيث المرأة الشابة, كانت قد وضعت رضيعها على كرسي وجلست على آخر, تبكي وتنشج, نظرت إلى أخي مستفهماً, وبحركة من راسي سألته عنها, من تكون؟.

قال: ما عرفتها ؟ يا أخي هذه بنتي .. بنتي لينا .

– التفتّ إليها وكانت قد رفعت رأسها, احمرار البكاء يحيط ببؤبؤيها الأخضرين.

ألقت لينا نفسها بأحضاني , اعتصرتني واعتصرتها, لينا تجلس في حجري كما كانت تفعل وهي صغيرة , تمسح دموعي , تقبلني وتقبلني وهي تهمس :

– يا عمو.. يا عمو .. شو عاملين فيك .. يا عمو .. آخ يا عمو .. آخ .. والله العظيم أنا اشتقت لك كثير …

عندما ولدت لينا , أنا الذي اخترت لها هذا الاسم , ومنذ أن أصبح عمرها سنتين كانت لا تفارقني. عندما ذهبت إلى فرنسا كان عمرها أكثر قليلاً من خمس سنوات , وهاهي الآن أمرأة كاملة , وأم أيضاً . أخي يحاول أن يطمئنني .. وأن خالي يبذل جهوداً جبارة لإخراجي من السجن, وأفهمني أن خروجي من السجن مرتبط بموافقة رئيس الجمهورية!!.. وأنه منذ أكثر من عشر سنوات جرت العادة أن أي مسؤول في أجهزة الأمن يستطيع أن يسجن من يشاء , لكن خروج أي سجين يجب أن تتم بموافقة رئيس الدولة!.

سألتُ أبا وجيه ماذا أفعل بالنقود التي أعطانيها أخي، قال: إذا شئت ضعها في الصندوق, هنا لا يحتفظ أحد بنقوده وكل شيء مشترك. عشرة آلاف ليرة وضعتها في الصندوق, قال الشخص الذي أخذ النقود إنني شخص غني, لأن الناس هنا كلهم فقراء, وأكبر مبلغ يستلمه السجين من أهله هو ألفا ليرة, قلت إن في السجن الصحراوي أشخاصاً أعطاهم أهلهم نصف مليون ليرة, أطلق هذا الشخص صفرةَ تعجُّب من بين شفتيه.

عرفت هنا من الشباب أن السبب الرئيس للتحقيق معي لدى جهات أمنية متعددة هو الصراع الشرس بين هذه الأجهزة, وقد شرحوا لي مايسمونه “جوهر النظام السياسي في البلد” وآلية عمل الأجهزة, هذه الأجهزة التي جعلها رئيس الدولة تتنافس على شيئين أساسين: أولاً إثبات ولائها المطلق له, وثانياً الحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب والامتيازات.

ولكون خالي وزيراً شيوعياً, وبما أنه المتدخل لاطلاق سراحي فقد انعكس موقف الأجهزة الأمنية المختلفة, سلباً أو ايجاباً, من الشيوعيين عليّ, فبعض الأجهزة تكره الشيوعيين كرهاً مطلقاً ولا تميز بين شيوعي موالٍ للنظام وآخر معادٍ, بينما الأجهزة الأخرى تكرههم بدرجة أقل.

6أيار

أعادوني إلى فرع المخابرات الذي أتيت إليه عندما عدت من السجن الصحراوي.

زارني أخي وابنته لينا ثلاث مرات في السجن الجبلي, وفي آخر مرة قال لي أنهم يمكن أن يعيدوني إلى الفرع تمهيداً لإطلاق سراحي, وأنه يجب أن أكون مرناً ومتعاوناً .. واليد التي لا تستطيع عضها .. بوسها .. وادعي عليها بالكسر!.

صباحاً حضر السجان , نادى اسمي, طلب مني أن أجهز نفسي.

أعطاني زملائي السجناء خمسة آلاف ليرة, الكثير من الثياب, بعض الأطعمة , ودعني أبو وجيه بالقبلات : – قوم .. رئيس الفرع طالبك .

تبدأ محاضرة فيها الكثير مما يقال في الراديو والتلفزيون عن الدور التقدمي الذي يلعبه السيد القائد رئيس الجمهورية ضد الرجعية والاستعمار , وعن أفضاله على الناس وحكمته وشجاعته وبراعته .. وأخيراً :

– نحن قررنا نخلي سبيلك , لأنك إنسان وطني , ولأن خالك قدم خدمات كبيرة للوطن .. و .. و … بس نريد منك مسألتين روتينيتين !.. نريد منك أن توقع على تعهد بعدم العمل في السياسية , وأيضاً نريد منك أن تكتب برقية شكر للسيد الرئيس حفظه الله .

– برقية شكر ؟! .. ولكن على أي شيء أشكره ؟ .

نظر إليّ متعجباً , وباستغراب صادق قال :

– تشكره لأنه شملك برعايته ورحمته وأخلى سبيلك .

مرة أخرى ركبني العناد البغلي الذي أصبح نهجاً لي أواجههم به كلما طلبوا مني شيء .

– أنا آسف سيادة العميد , لا أستطيع أن أوقع لا على التعهد السياسي ولا على برقية الشكر .

ذهل العميد عندما سمع كلماتي!.. سكت قليلاً وبطريقة خبير أخفى كل ذهوله واندهاشه , قال :

– أنت تعرف أننا نكرمك كرمى لخالك , لذلك أرجو أن تلين رأسك قليلاً , يباسة الراس راح تضرك. كنت أعرف أن المئات من السجناء كانوا يطلبون من إدارات السجون محاقن طبية يسحبون الدم من عروقهم بها ليستعملوه حبراً يكتبون به برقيات شكر أو استرحام لرئيس الجمهورية.

لكن كنت قد قررت : “لا مزيد من الذل, وليكن السجن أو الموت” .

والحقيقة أن معاشرتي الطويلة للسجناء في السجن الصحراوي علمتني الكثير من الأشياء, وأهم ما تعلمته منهم هو معنى وأهمية الكرامة والرجولة.

إن التوقيع على برقية الشكر كشرط لإخلاء السبيل هي الاختبار النهائي لهذه الأجهزة لتؤكد لهم أن هذا السجين قد تجرع الذل حتى النهاية وتحول إلى كائن لا يمكن أن يقف بوجههم يوماً ما، وهو على استعداد لتنفيذ كل ما يطلبونه منه, طالما هو على استعداد لأن يشكر كبيرهم على كل ما عاناه. “لن أشكر من سجنني كل هذه السنوات الطويلة, لن أشكر من سرق عمري وشبابي.. لن أشكر من ضيع أجمل سنوات عمري..”

كنت أردد هذه العبارات والجمل بيني وبين نفسي, أشحذ فيها عزيمتي وأقوي إرادتي, كنت خائفاً من نفسي.. خائفاً من ضعفي..

بعد أن يئس مني رئيس الفرع أمر بإعادتي إلى الزنزانة, أعادوني بخشونة ظاهرة .

دخل عليّ مدير السجن, وبلهجة أبوية وبنوايا صادقة حاول إقناعي أن أوقع , شرح لي عواقب عدم التوقيع وأسهب في ذلك:

– إن من يرفض التوقيع عادة هم القيادات والزعماء, لذلك فإن عدم توقيعي سيعتبر دليلاً على أنني من هؤلاء, وينسف كل أقوالي السابقة بأنني لم أعمل في السياسة.. اليد التي لا تستطيع عضها.. بوسها.. وادعو عليه بالكسر.

بعد ذهاب مدير السجن فكرت طويلاً , ضحكت .. لو كنت في السجن الصحراوي لاستطاعوا أن يجعلوني أوقع على آلاف البرقيات , لا بل إنهم يستطيعون أن يجعلوني أقبل حذاء أصغر شرطي !.

3 تموز

زارني أخي وبدأ الحديث, ساق الكثير من الأمثال, وضغط عليّ بشدة يدعوني إلى التوقيع, تكلم .. وتكلم, أنا مطرق برأسي أستمع إليه وأزداد ابتعاداً عنه! هل هذا أخي الكبير الذي كان يوماً ما مثالاً وقدوة لي ؟!.

دون أن أرفع رأسي قلت له إنني لن أوقع على أي شيء , إنني إذا كنت عبئاً عليه فأرجو ألا يكلف نفسه زيارتي ثانية .. اتسعت عيناه دهشة .. فغر فمه , سكت مطرقاً ..

أنقذ العميد الموقف بدخوله , واستوعب الموقف حالاً .. التفت إلى أخي وقال بهدوء :

– سلم لي على خالك .. مو قلت لك أن رأسه يابس .

شكر أخي العميد وخرج . عشرة أيام أخرى من الإهمال, عشرة أيام من العذاب النفسي المضني .. هل خسرتُ أخي؟.. أليس المنطق الذي يتكلم فيه هو السائد إن لم يكن هو الصحيح؟

في 1 تموز أدخلوني إلى غرفة العميد لأجده واقفاً باحترام بينما أخي وشخص آخر كهل, أبيض الشعر , جالسان !.. عرفت فيما بعد أن هذا الكهل هو خالي .

استأذن العميدُ بأدب جم أن يخرج من الغرفة بعد أن طلب لنا ثلاثة فناجين قهوة.

بعد التحيات والقبلات بدأ خالي محاضرة طويلة انتهت بالتأنيب والتوبيخ, ثم أصدر لي أمراً حازماً بالتوقيع على الورقة التي مدها لي. بهدوء شديد رفضت. اقترب مني حانقاً , توقف , التفت إلى أخي وسأله إن كان يستطيع التوقيع على الورقة بدلاً مني, أومأ أخي برأسه موافقاً .. ثم وقع, صرّ خالي على أسنانه, وقال لي:

– يا ويلك .. إذا حكيت أي كلمة!.

حضر العميد. ناوله خالي الورقة. رن العميد الجرس بعد أن وضع الورقة في درج المكتب. أمرهم أن يعيدوني إلى الزنزانة. بعد يومين كنت أقف على الرصيف المبلل أمام مبنى الفرع.. حرّاً!

أعطيت السائق عنوان بيتنا. نزلت من السيارة بعد أن أعطيته نصف ما أملك من النقود. صعدت الدرج، ضغطت الجرس.. من سيفتح الباب ؟.. أمي، أبي؟.

جلست على الدرج، بقيت جالساً ثلاث ساعات، مرت بي العديدات من جاراتنا، ينظرن إلي باستغراب وتوجس، لم أعرف أية واحدة منهن. حضر شاب أنيق يلبس نظارات طبية، نظر إلي باستغراب ثم تجاوزني، فتح باب بيتنا .. ودخل!.

وقفت .. ناديت عليه، التفت إلي دون أن يستدير ناظراً بطرف عينه: نعم .. شو بتريد؟

تعارفنا. إنه زوج لينا ابنة أخي. رحب بي ترحيباً شديداً. سألني إن كنت جائعاً، طلبت منه فنجان قهوة بلا سكر. يدور سؤال في حلقي.. أخشى كثيراً أن أطرحه. اعتدلت في جلستي، وسألته :

ـ أين أبي وأمي؟

فوجئ… نظر إلي بدهشة ممزوجة بالشفقة، بدأ يتمتم:

– لا أعرف.. أنا ولينا، وقت معرفتي بلينا .. لم يكونا موجودين. رحمهما الله..

ما كنت أخشاه.. حاصل. آه يا أمي ويا أبي، هل قال أحدكما: إنه يتمنى أن يراني قبل أن يموت؟ .. هل تسبب سجني وغيابي بتعجيل موتكما؟.. أدفع نصف حياتي مقابل أن أضع رأسي لمدة خمس دقائق على صدر أمي.

أنور زوج لينا يقف أمامي مرتبكاً، يراقبني، سألته إن كان يعرف مكان الدفن، أومأ برأسه أن نعم. انطلقنا نحو المقبرة، وصلنا، اسم أبي وأمي واضحان على الحجر.

احتضنت الحجارة الباردة وأرحت رأسي عليها، أغمضت عيني… شعرت براحة كبيرة… في داخلي شعور بأن علي واجباً ما تجاه الموت يجب القيام به، اتجهت نحو القبلة… القبر بيني وبين مكة، فتحت كفي باتجاه السماء وقرأت الفاتحة، ثم وبشكل آلي… صليت صلاة الجنازة!.

اتصل بي الدكتور هشام على الهاتف. كانت مفاجأة. إنه أحد الأطباء الذين كانوا معي في السجن الصحراوي. أعلمني أنه ونسيم قد خرجا من السجن، وأن نسيم يرجو مني الحضور إلى بلده للقاء في مقهى بحري هناك في اللاذقية قرب بيته. أجبت أنني سأكون عندهم غدا.

المقهى شبه فارغ، اخترنا طاولة على الحافة تتكسر تحتها الأمواج الصغيرة، عندما التقينا حضنّا بعضنا بعنف، وبدأنا نبكي، بكينا أكثر من خمس دقائق. بعدها بدأت البسمات المتبادلة.

هشام هو الذي يتكلم، شرح لنا مخططاته للمستقبل، هدفه واحد وبسيط ، قال:

– أخرجوني من هذا البلد .. وأنا على استعداد للعمل “زبالاً” في أي مكان آخر على ظهر الكرة الأرضية. ” هشام طبيب جراح تجميل ، ويعتبر متميزا في اختصاصه !”.

نسيم صامت يحدق بنظره إلى نقطة في عمق البحر.

حدثنا هشام كيف تم خروجهما من السجن: فجأة ودون سابق انذار، فتح عناصر الشرطة الباب وأخذوا يقرؤون الأسماء, خرج جميع من تُليتْ أسماؤهم, تبين أنه يمكن تصنيفهم في ثلاث فئات: المشلولون, المصابون بأمراض عضال, الرهائن..

فيما بعد انضم إليهم قسم من نزلاء مهجع البراءة, الذين غدوا شباباً في العشرينات من عمرهم بعد أن قضوا أكثر من عشر سنوات في السجن. نقلوا الجميع بالحافلات إلى العاصمة.

بضعة أيام في سجون العاصمة, حاولوا تحسين مظهر السجناء قليلاً, اشتروا لهم ألبسة جديدة, أعطوا كل سجين مبلغ مئتي ليرة كمصروف جيب وثمن بطاقة السفر لكل واحد إلى بلدته.

في اليوم المقرر لخروجهم من السجن وضعوهم في حافلات أخذتهم إلى أكبر وأهم ساحة في المدينة, أوكلوا الأمر إلى أحد كبار ضباط الأمن الذي فهم الأمر حرفياً:

– تأخذهم جميعاً إلى الساحة, تضع الباصات حول الساحة, المطلوب مظاهرة تأييد للسيد الرئيس. عند التنفيذ أشار عليه البعض أن هناك عشرات المشلولين وهؤلاء لا يستطيعون السير في مظاهرة!. لكن الضابط أصر, لقد قال له رؤساؤه كلمة: الجميع.

في الوقت المحدد لانطلاقة مسيرة التأييد, كان لا يزال ما يقارب الأربعمئة سجين يحاولون إنزال ما يقارب المئتي مشلول!.. أنزلوهم, أجلسوهم في صفوف نظامية على الإسفلت الدائري العريض, وقف أمامهم المصابون بالأمراض العضال, مرضى السرطان, مرضى القلب والشرايين, مرضى السل… الشيوخ وكبار السن , في مقدمة الجميع أفراد مهجع البراءة, وهم الأكثر شباباً ومعهم البعض من الرهائن, أمام الجميع لافتة ضخمة مكتوبة باللون الأحمر الدموي وبخط جميل, معنونة:

” مبايعة مكتوبة بالدم “

يبايع فيها المتظاهرون السيد رئيس الجمهورية ويعاهدونه أن يفدوه بدمائهم وأرواحهم, وأنهم كلهم جنود لديه!

رواية القوقعة -الحلقة الخامسة مصطفى خليفة

يرد عليه الرقيب الأعوج :

– تسقط … تسقط .. تسقط .

– يعيش الرئيس المفدى .

– يعيش … يعيش … يعيش .

20 كانون أول

تنشأ في السجن مهاجع جديدة. يدخلها الناس سويةً أو على دفعات. بضعة أيام ويكتمل نصاب المهجع. عشرات، مائة.. مئتان… ثلاث أو يزيد!. الوجوه متشابهة. لا يعرف أحدٌ أحداً. يبدأ التعارف بعد دقائق.. ويستمر سنوات.

مع التعارف يبدأ الفرز. يبدأ الالتفاف والتلاقي. في البداية تنشأ التجمعات على الأرضية السياسية التنظيمية والتي كانت سبباً في دخولهم السجن، أبناء التنظيم الواحد، يلتقون .. سواءً كانوا يعرفون بعضهم سابقاً أم لا .. يتعارفون، يشكلون مجموعة واحدة، وحياة اجتماعية مشتركة، لهم اجتماعاتهم وأسرارهم، يتكئ بعضهم على بعض، الروح الجماعية تشكل لهم وهماً بالقوة .. وبالتالي الحماية، أن تكون محمياً بالجماعة يعطي الشعور بالأمان.

تبدأ الحالة شديدة متوترة، تصل إلى حد التعصب وعداوة الآخرين، مع الأيام .. تبدأ بالتراخي، خاصة إذا كان المهجع كله ذا لون تنظيمي واحد.

تأتي دروس عديدة، قد تكون صائبة وقد تكون خاطئة. وفي النص الذي يحتوي على كيفية التعامل مع التنظيمات المعادية .. هناك درس يبقى صائباً على الدوام: “إذا أردت لأفراد تنظيم ما أن يأكلوا بعضهم بعضاً .. اسجنهم سويةً”.

الإحباط، التباعد، النفور، الكراهية، النيل من هيبة القيادات .. وتبدأ الوشائج التنظيمية بالتراخي والتفكك، ومعها يبدأ التطلع إلى المحيط خارج إطار التنظيم الواحد.

تمر الأيام. تنشأ علاقات جديدة على أرضية جديدة : “الجغرافية”. أبناء المنطقة الواحدة. يستعيدون فيما بينهم الذكريات. يتذكرون الأماكن الأليفة بحنين بالغ، يتذكرون بعض الأحداث العامة و المشهورة، ويوماً بعد يوم تكبر التقاطعات، وتكبر معرفتهم بعضهم ببعض.

مع ازدياد المعرفة، وبأسئلة بريئة في الظاهر يُنبش ما كان محسوباً أنه من المنسيات. فلكل شخص أو عائلة أو عشيرة إيجابياتها .. ولها كذلك ما تخجل منه وتحاول نسيانه .. أو جعل الآخرين ينسونه . لكنه السجن و له قوانينه الخاصة… البسيطة… الصريحة… الوقحة !

تمر الأيام، الأسابيع، الشهور، السنوات!.

تنشأ علاقات جديدة على أرضية جديدة. الميول، الهوايات، المهن، المهتمين بالأدب، الفنانين، المعلمين، الأطباء …..

أسرة من أب وثلاثة أولاد.الأولاد جميعاً منظمون، استطاعوا التواري عن الأنظار. وعند مداهمة رجال الأمن بيتهم لم يجدوا إلا والدهم (عمره 65 سنة) فاعتقلوه رهينة ليدلهم على أبنائه الذين لا يعرف أين هم. بقي الأب معتقلاً في فروع المخابرات بضعة أشهر، ثم حولوه إلى سجن تدمر، ثم تم اعتقال الأولاد لكن لم يفرج عن الأب. وبعد مضي سبع سنوات (صار عمر الأب فوق السبعين) عقدوا جلسة محكمة، وخلال بضع دقائق تم الحكم على الأولاد الثلاثة بالإعدام، وتم تنفيذ الإعدام كالعادة، وكاد الأب أن يجن!. بل إن الحادثة أثّرت على جاري نسيم [طبيب خريج فرنسا – قليل التمسك بالدين – متأثر بالثقافة الغربية].

وذات صباح , فتح عناصر الشرطة باب المهجع , قبل أن يتموا فتحه قفز نسيم كنابض مضغوط تم إفلاته , بأقل من ثانية أصبح خارج المهجع بعد أن رفس الباب بقدمه مكملاً فتحه!.

فوجىء عناصر الشرطة, ولم يتخلصوا من وقع المفاجأة حتى فاجأهم ثانية بالهجوم عليهم..

الباب مفتوح ونحن نراقب ما يحدث بالساحة , كان نسيم يتحرك ويصرخ صراخاً وحشياً كجمل هائج, عناصر الشرطة والبلديات أقل من عشرة .. وذُهِلتُ .. ما هذه القوة الهرقلية التي أظهرها نسيم ؟.. أين تعلم هذه الحركات القتالية ؟!.. يهاجم أحدهم , يقفز أمامه عالياً ثم يهوي بسيف كفه على رقبته أو على أنفه فيلقيه أرضاً !!.. عنصران من الشرطة وواحد من البلديات ألقاهم أرضاً خلال أقل من دقيقة !! بعضهم ابتعدوا مسرعين .. فروا .. وبعضهم هجم على نسيم للإمساك به, علا الصياح في الساحة, أطل الحراس الموجودون على الأسطحة, سرعان ما وجهوا بنادقهم تجاه نسيم.. وهبط قلبي بين قدمي.. هل سيطلقون النار عليه؟.. لكنه ملتحم مع الشرطة .

أحد الرقباء هجم عليه من الخلف وأمسكه من رقبته, تشجع باقي العناصر فهجموا عليه, لكن نسيم أخذ يدور حول نفسه بسرعة والرقيب معلق برقبته من الخلف, دار عدة دورات تزداد سرعتها مع كل دورة .. ارتفعت قدما الرقيب عن الأرض وأخذ يدور مع دوران جسم نسيم , توقف نسيم فجأة وجذب الرقيب فألقاه أرضاً !! .

فُتح باب الساحة الحديدية وأخذ عناصر الشرطة يتدفقون, العشرات منهم أحاطوا بنسيم لدرجة أننا لم نعد نستطيع أن نراه, مع هدوء حركتهم تأكدنا أنهم قد تمكنوا منه.

حضر مدير السجن يحيط به المساعد وعدد من الرقباء والشرطة.

باب مهجعنا ما زال مفتوحاً, نراقب ما يحدث دون أن نلتفت برؤوسنا, طلب مدير السجن إحضار نسيم أمامه , انفض جمع الشرطة من حول نسيم وأوقفه على قدميه عنصران, وفجاة انتفض وأفلت نفسه من قبضتيهما وهو يصرخ بكلام غير مفهوم متقدماً اتجاه مدير السجن, وهجمت عليه مجموعة من الشرطة أحاطوا به جيداً وثبتوه.

أحد الرقباء أشار إلى مدير السجن اتجاه مهجعنا فتقدم المدير من الباب معه المساعد وبعض الرقباء , طلب أبو حسين وتكلم معه , طلب طبيباً من المهجع وسأله , تشاور قليلاً مع طبيب السجن , عاد وطلب طبيب المهجع سائلاً إياه عن الدواء الذي يريده, ثم ذهب بعد أن أمر بإعادة نسيم إلى المهجع دون إزعاج

كان تصرف مدير السجن أقرب إلى التفهم و الود، هذا الأمر المستغرب .. أطلق تكهنات وتحليلات وتأويلات لم تنته. بعد إغلاق الباب بقي نسيم لمدة ساعتين تقريباً يمشي مشياً سريعاً وسط المهجع جيئةً وذهاباً. يقف. يعاود المشي السريع بعدها .. لم يكن ينظر إلى أي شخص ولا إلى أي مكان!

بعد هاتين الساعتين نودي على رئيس المهجع, بحذر شديد أعطى الرقيب ثلاث علب دواء لأبي حسين قائلاً: – هدول .. دواء المجنون !.

كان نسيم لحظتها قبالة الباب تماماً , انتفض وانطلق كالسهم اتجاه الباب , شاهده الرقيب في انطلاقته فتراجع إلى الوراء عفوياً رغم الباب المغلق .. وصل نسيم إلى الباب .. أخرج يده من الطلاقة يحاول الامساك بالرقيب وهو يصرخ :

– المجنون ؟!.. انت المجنون ولك كلب !…

لأول مرة منذ ما يقارب الاثني عشر عاماً أرى الشرطة خائفين , فروا من أمام نسيم في الساحة , رأيتهم مذعورين !, لأول مرة أراهم يتلقون الشتائم ولا يطلقونها !.. يتلقونها ولا يردُّون.

رفض نسيم تناول الدواء من الطبيب , وتشاور هذا مع أبي حسين بعد أن شرح له أن أي مريض بهذه الحالة يرفض تناول الدواء ويجب إجباره على ابتلاع الحبوب , وطلب منه الاستعانة بمجموعة “البراعم” [أي العمالقة والأقوياء] لإعطائه الدواء بالقوة , فالمريض في حالات كهذه يمتلك قوة هائلة غير طبيعية ويحتاج إلى أربعة أو خمسة أشخاص حتى يستطيعوا إمساكه وإجباره على ابتلاع الحبوب!.

قبل الظهر تناول الدواء , نام على إثرها نوماً عميقاً…

نام بعدها إلى الصباح وعندما استيقظ تصرف تصرفاً طبيعياً كما لو أنه لم يمر بأية مشكلة أو ماشابه. أوكل لي الطبيب بصفتي صديقه وجاره أمر إعطائه الدواء بانتظام , مشدداً على أنه يجب أن لا أنسى أبداً مواعيده, لأن أي انقطاع سيؤدي حتماً إلى عودة حالة الهياج!.

بقيت علاقتنا الثنائية بنفس الحميمية, استأنفنا حياتنا اليومية المشتركة كالسابق, ومرت الأيام لكنه لم يتطرق بحديثه ولا مرة إلى ما حدث, حتى موضوع إعدام الإخوة الثلاثة لم يعد إلى ذكره أبداً .

25 أيلول

بعد ستة أشهر أو سبعة سأتم عامي الثاني عشر في السجن، لقد عدت إلى عد الأيام والشهور وهذا في عرف السجناء دلالة سوء، لكن ألا يحق لي أن أتساءل إلى متى؟.

البعض هنا سبقوني بسنوات.. وما زالوا! اذا كان الأطفال الذين حكمتهم المحكمة الميدانية بالبراءة .. ما زالوا يقيمون في “مهجع البراءة”، فهل يأمل شخص مثلي.. منسيّ أن يخرج من هذا الجحيم ؟ هل الطريق إلى هذا السجن ذو اتجاه واحد فقط ؟ هل العبارة التي يكررها السجناء يوميا بأن “الداخل مفقود والخارج مولود” صحيحة ؟ لم أر أي شخص دخل هذا السجن يخرج منه!.

العجاج ، أو كما يسميه البعض ” الطوز “.. يثور هنا في هذه الصحراء مرتين أو ثلاث مرات كل عام، تثور العواصف الرملية فتملأ الأجواء بالغبار ويستمر ذلك يوماً أو يومين أو ثلاثة، سواء استمر هبوب الريح أم توقف فإن الغبار يبقى معلقا في الهواء، نتنفس الغبار، الأنف.. الفم. العينان.. تمتليء كلها بالغبار، ننام والغبار ما زال معلقا. نستيقظ فنجد أن كل فتحات الانسان الموجودة في الرأس قد امتلأت بالتراب المسحوق الناعم، مياهنا غبار .. طعامنا غبار .

منذ صباح أول البارحة ابتدأ هبوب الرياح. أصبحت الرياح زوابع، هذه الزوابع قَذَفَت من الشراقة التي في السقف مزقاً من أكياس بلاستيكية والكثير من القش والعيدان.. شتى النباتات الصحراوية اليابسة.

كل من لديه قطعة ثياب زائدة حاول لف رأسه بها ، الكثير من الأشخاص لم يعد يظهر من وجوههم سوى العينين .

فجأة قذفت الريح على القضبان الحديدية للشراقة صفحة كاملة من جريدة .. علقت هذه الصفحة بين القضبان !.

أنظار جميع من في المهجع تعلقت بهذه الجريدة، تهزها الريح ويسمع الجميع صوت خشخشتها. شوق حقيقي لرؤية الأحرف المتلاصقة ، الكلمات المطبوعة!.

سمعت البعض يدعون ويبتهلون إلى الله أن يسقط الجريدة داخل المهجع وألا يجعلها تطير بعيدا !.

في الأجواء الطبيعية كنا نرى الحارس كل بضع دقائق، الآن لا أثر للحارس، يبدو أنه يلوذ بأحد زوايا السطح متقيا الرياح والغبار.

هذه جريدة ، وفي الجريدة أخبار ، ونحن منذ أكثر سنتين، تاريخ قدوم آخر نزيل إلى المهجع ، لم نسمع شيئا عما يدور خارج هذه الجدران الأربعة.

الكثير من الناس وقف منتصبا ، أزاحوا عن وجوههم الأقمشة التي تلثموا بها ، من لم يقف اعتدل في جلسته، بعض من وقف مشى بشكل عفوي إلى تحت الشراقة ، الأنظار تتابع تراقص الجريدة بين القضبان!. واحد من الواقفين تحت الشراقة ، وهو من الفرقة الفدائية ، نظر إلى الناس وقال بصوت مسموع للجميع :

– يا شباب .. هَرَم ؟.

على أثر سؤاله هذا قفز العديد وهم يقولون :

– هرم .. هرم .. هرم ! .

لم تستغرق عملية بناء الهرم البشريوإنزال الجريدة أكثر من عشر ثوان تقريبا. كان من الممكن أن تكلف العديد حياتهم ، لكنها مرت بسلام. وأصبح لدينا جريدة!.

خاطب أبو حسين الفدائي الذي أنزل الجريدة وبلهجة سريعة:

– بسرعة .. بسرعة .. عـ المراحيض، اطويها، خلي واحد يقرأها ويحكينا شو فيها أخبار . وركض الفدائي إلى المرحاض حاملا الجريدة.

الفرحة عمت الجميع , فرحة حقيقية , الكثير تصافحوا وتعانقوا مهنئين بعضهم بعض.. إنه انتصار آخر !. التفتَ نسيم إلي بعد أن عانقني .. قال :

– أنت تعرف أن أول كلمة نزلت من القرآن الكريم هي كلمة ” اقرأ ” ؟ .

– أعرف …. و أنت تعرف أن الإنجيل يبدأ بـــ ” في البدء كانت الكلمة ” ؟.

– أعرف .. بس يا مخرج السينما شو يقول لك هذا الحدث ؟

– الحدث بيقول : إن الإنسان مستعد أن يضحي بحياته في سبيل المعرفة .

محتويات الجريدة جاءت مخيبة للآمال قليلاً , الوجه الأول من الصفحة هو صفحة الإعلانات الرسمية , والوجه الثاني هو الصفحة الرياضية و بها أخبار الدوري العام لكرة القدم !. وهذه الصفحة أثارت زوبعة من النقاشات لم تنته. حتى الإعلانات الرسمية أخذ الناس يقرؤونها بعناية شديدة .. النهم إلى القراءة !

الريح هدأت تماماً اليوم , لكن الغبار لازال معلقاً بالجو , حتى داخل المهجع الغبار يملأ كل الفراغات .

في الصباح أعاد الشرطة للمهجع شخصاً كان قد عوقب منذ شهر , ضبطوه في ساحة التنفس وعيونه مفتوحة , بعد أن جلدوه ونكلوا به أمامنا فيما نحن ندور حول الساحة , أمر المساعد بوضعه بالزنزانة الإنفرادية في الساحة الخامسة .

بعد أن دخل واطمأن إلى أن الشرطة أغلقوا الباب وذهبوا تَنفّسَ الصُّعداء, أخذ يضحك, جلس على الأرض.. وروى للجميع رحلة الشهر التي قضاها في الساحة الخامسة , بدأ حديثه بالقول :

– و الله يا شباب اشتقت لكم … وقت دخلت المهجع حسيت إني راجع على بيتي .. يا اللــه .. قديش المهجع حلو !.. يا شباب جنة .. جنة .. نحن عايشين هون بالجنة …

طَفِقَ يروي .. ويحكي يروي .. ويحكي !.

المرحاض داخل الزنزانة الانفرادية، وحتى يأمن أذى الجرذان اضطر أن يسد فتحة المرحاض بالخبز بعد أن عجنه وجعل منه سدادة , أقسم أن هناك جرذاناً بحجم الخروف الصغير!

ثلاث مرات في اليوم حفلة تعذيب أشبه ما تكون بالاستقبال في أول قدوم السجين إلى السجن .

يوضع الطعام في صحن قذر على بعد عشرة أمتار من باب الزنزانة , يفتحون الباب … يجب أن يخرج السجين سائراً على أربعٍ كما تسير الكلاب .. وأن يظل ينبح في الذهاب , وفي الإياب بعد أن يحمل الصحن.. خلال كل هذا تكون الكرابيج قد أكلت قطعاً من لحم ظهره !!.

النوم على الاسمنت .. لا بطانيات ولا أغطية ولا أي شيء .

الغبار لا زال معلقاً. رموش الناس أصبحت بيضاء , الشرطة متوترون لكن الرقابة ضعفت من الأعلى “الشراقة”.

لدينا في المهجع أربعة من البدو أميون لا يعرفون القراءة أو الكتابة , مهنتهم رعي الأغنام والجمال, عاشوا طوال حياتهم في هذه الصحراء يتنقلون في أرجائها, قبض عليهم وجيء بهم إلى السجن الصحراوي بتهمة مساعدة بعض المطلوبين على الفرار إلى دولة مجاورة, وعندما يُسألون هنا عن ذلك يجيب كبيرهم المدعو ” شنيور”:

– والله يا أخوي .. تهمة باطلة .. ” أتوا ” جماعة علينا .. وعلى عادة العرب .. رحبنا بهم , ضيفناهم, بعدين سألونا عــ الدرب.. دليناهم, هاي فيها شيء يا خوي؟! وبعدين يقولون لنا.. انتو عملاء.. و انتو جواسيس! عجيبة والله يا خوي!.

اليوم بعد أن سرد شنيور هذه القصة للمرة الألف تشعب الحديث كثيراً وكان كله منصباً على البدو وحياة البدو.

قال شنيور ما معناه :

– إن للكرم البدوي أسباباً عديدة , وإن أهم الاسباب هي أن البدوي يحب ضيفه .. يعشقه !.. وهذا بسبب أن البدوي يبقى شهوراً يعيش في هذه البراري بين الكثبان الرملية في وحدة مطلقة, زوجته وأولاده يعتبرهم أقل شأناً من أن يجري حديثاً معهم. لذلك نراه يحادث أغنامه أو جماله!.. يكون في المرعى لا يسمعه أحد, ولأنه يحب أغنامه فإنه يجرى حديثاً معها, ويكون هذا دليلاً إلى أن حاجته إلى المؤانسة.. قد بلغت مداها الأقصى, في هذا الوقت إذا حضر الضيف فسيجد حتماً شخصاً متلهفاً يغدق عليه الكثير الكثير من آيات الترحيب والمحبة, يقدم له أفضل ما عنده من كل شيء. وهذا من حيث لا يدري مكافأة له على مجيئه, وإغراءً له للبقاء أطول مدة ممكنة.

17أيار

بعد منتصف الليل , نسيم نائم إلى جانبي , الدواء الذي يتناوله يجعله ينام بعمق , لم أكن قد نِمْتُ بعد .

سمعت حركة في الساحة , جلست, نويت أن أنظر من الثقب لأرى ما يفعلون, قبل أن أمد يدي لفتح الثقب سمعت أحد الشرطة يصرخ بصوت عالٍ.. لم أفهم ماذا يقول, عاد لتكرار صراخه, إنه يقول اسماً ثلاثياً, أنصتُّ أكثر .. يصرخ:

– يا مهاجع الساحة السادسة .. مين عنده هذا الاسم ؟.

وقال الاسم الثلاثي مرة ثالثة .

لأجزاء من الثانية كنت أتساءل من هو صاحب هذا الاسم ؟.. وَقْعُهُ ليس غريباً علي .. كأنني سمعت هذا الاسم يوماً ما !! .. إنه اسمي .

صاح أبو حسين وكان مستيقظاً :

– يا شباب .. في حدا عندنا بهـ الاسم ؟.

رفعت سبابتي عالياً كما يفعل التلاميذ الصغار, رفعتها في وجه أبي حسين دون أن أنطق حرفاً.

وبسرعة رمى أبو حسين جسده الثقيل اتجاه الباب , بدأ يدقه بسرعة وقوة وهو يصرخ :

– هون يا سيدي .. هون .. هذا الاسم في المهجع الجديد رقم /8/ .

بعد دقيقة أو أكثر فتح الباب , وقف الرقيب ومعه شرطيان , توجه إلى أبي حسين سائلاً :

– هذا الاسم عندك .. يا رئيس المهجع ؟

– نعم سيدي .. هذا هو .

و أشار باصبعه اتجاهي , اقترب الرقيب مني , نظر بعيني غاضباً. رفع يده عالياً وبكل قوته هوى بباطن يده على خدي الأيمن, دار جسدي كله ربع دورة, بسرعة البرق ألحقها بلطمة على خدي الأيسر بقفا يده أعادتني إلى الوضع الطبيعي, عادت النجوم لتتراقص أمام عينيّ, قال غاضباً:

– يا جحش …. يا ابن الكلب …. صار لنا ساعتين ندور عليك ونصرخ .. ليش ما عم تجاوب؟ مد يده , وبقوة سحبني من صدري ليقذف بي خارج المهجع, وأغلق الباب.

ضرباً .. ركضاً , الرقيب وعنصرا الشرطة من الخلف, يسوقوني أمامهم, أصبحت أمام السجن, حانت مني التفاتة صغيرة, لازالت المنحوتة الحجرية في مكانها : “ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب” منذ أكثر من اثنتي عشرة عاماً قرأت هذه المنحوتة، ودخلت. الآن اقرأ هذه المنحوته وأخرج , إلى أين ؟ .. لست أدري !!.

ثلاثة رجال في اللباس المدني تقدموا مني , أحدهم طويل جداً, تقدم مني وفتح ورقة كانت مطوية في يده وسأل :

– أنت فلان ؟

– نعم .

التفت إلى رفيقيه , قال :

– هات الكلبشة .

مددت يديَّ إلى الأمام, ألبسهما الكلبشة, طقطقة ناعمة , أصبحت يداي مقيدتين إلى الأمام , ثم وقّع بعض الأوراق وسحبني.

سيارة تكسي “بيجو”، السائق يجلس خلف المقود , جلس الطويل إلى جانبه , جلست بين الاثنين الآخرين في المقعد الخلفي , انطلقت السيارة في عتمة الليل , أنوارها تشق الظلام شقاً .

لم يتكلموا بشيء , تعاملوا وكأني غير موجود معهم، بعد قليل من انطلاقة السيارة سأل الطويل عن الساعة فأجأبوه: إنها الثانية والنصف بعد منتصف الليل.

بعد ساعة نام الجميع عداي والسائق الذي ينظر إليَّ بمرآة السيارة على فترات متباعدة, أغمضت عيوني لأوهمه أنني نائم , وتساءلت:

– يا هل ترى .. إلى أين ؟… مهما كان المكان الذي سيأخذوني إليه فإنه حتماً سيكون أفضل . ارتحت قليلاً، فكرت بنسيم .. ماذا سيقول , وماذا سيفعل عندما يستيقظ صباحاً فلا يجدني إلى جانبه؟!.. اشتقت إليه .

وصلنا العاصمة. هذه مدينتي .. لم أعرف شيئاً في الشوارع التي كنا نسير فيها!.. مدينتي التي ولدت فيها وترعرعت. لم أعرف في أي شارع نحن ولا إلى أين نتجه!.. لقد تغيرتْ إلى درجة يصعب على من غاب عنها هذه المدة أن يعرفها, إلى أن وصلنا إلى الساحة المركزية للمدينة, ها أنا أعود إلى مدينتي التي أعرفها, هذه النوافير.. هي.. هي.. عندما كنت طفلاً كان يطيب لي أن أقف تحت رذاذها المتطاير.. فأشعر بالانتعاش, ومن هذه الساحة عرفت أن السيارة تتجه نحو مركز المخابرات الذي حللت فيه لدى عودتي.

ترى هل مازال أبو رمزت وأيوب هناك؟ .. خيزرانة أيوب التي تبدو لي الآن كلعب الأطفال أمام ما شاهدت وذقت .. هناك!.

السيارة تتوقف عند إشارات المرور , أنظر إلى الناس , أتفحص وجوههم , ما هذه اللامبالاة .. ترى كم واحداً منهم يعرف ماذا يجري في السجن الصحراوي ؟ .. ترى كم واحداً منهم يهتم ؟ أهذا هو الشعب الذي يتكلم عنه السياسيون كثيراً ؟ .. ولكن هل من المعقول أن هذا الشعب العظيم لا يعرف ماذا يجري في بلده؟! إذا لم يكن يعرف فتلك مصيبة , وإذا كان يعرف ولم يفعل شيئاً لتغيير ذلك فالمصيبة أعظم.

انتبهت لنفسي , مالي أفكر غاضباً هكذا ! هل أصبحت سياسياً ؟ … ابتسمت رغماً عني , هل أتوقع أن يخرج هذا الشعب في مظاهرات عارمة للمطالبة بإطلاق سراحي من السجن ؟ .. من أنا ؟ ! .

يا إلهي ما أكثر الناس, أحدق في الوجوه, بيتنا قريب من المكان الذي تتجه إليه السيارة, قد يحالفني الحظ فأحظى بمشاهدة أمي أو أبي أو أحد أخوتي, لا بل يكفي أي وجه أعرفه.

انحرفت السيارة عن الطريق الذي كنت أتوقعه والذي يؤدي إلى ذلك المبنى الكئيب القريب من بيتنا , سارت باتجاه الجنوب الغربي مخترقة المدينة, مررنا بمعالم كثيرة أعرفها, أحن إليها, ها هي الجامعة والطلاب والطالبات داخلين خارجين, لا أذكر من حياتي إلا أنني كنت طالباً والآن أمشي سريعاً في العقد الخامس من عمري!.

مبنىً ضخم, حراسات مشددة, الدخول صعب ومعقد حتى على سيارات الأمن, اتصالات واستفسارات, سمحوا للسيارة بتجاوز الحاجز, دخلنا وأصبحنا أمام البناء, أنزلوني أمام باب زجاجي عريض, البلاط يلمع, كل شيء يوحي بالنظافة والنظام , ذهب الطويل حاملاً معه الأوراق, دخل أول غرفة إلى اليسار, لم يطلب مني أحد أن أغمض عيني أو أنكس رأسي, لكن رأسي نصف منكس بحكم العادة , عاد وقال للاثنين اللذين معي:

– نزلوه عــ السجن .

مباشرة قبالة المكان الذي كنا نقف فيه , نزلنا الأدراج .. أدراج .. ثم نلف ثم أدراج .. باب عبارة عن قضبان حديدية , قفل ضخم , يدقون الباب , يحضر سجان، يفتح الباب يدفعوني إلى الداخل, يغلق الباب, ينصرف الاثنان.. ثم:

– انتظر هون.. لا تتحرك.

يذهب حاملاً الأوراق إلى غرفة في صدر رواق طويل, يظهر على باب الغرفة التي دخل إليها, يناديني, أذهب إليه , يدخلني الغرفة فأرى رجلاً أشيب وراء طاولة ينظر إلي , يطلب مني أن أخرج من جيوبي جميع أغراضي .

– ما عندي شيء .

– ابداً .. أبداً ؟ ما عندك مصاري ؟ .. ما عندك أغراض ؟ .

– ما عندي شيء .

– طيب .. ما عندك هوية ؟ .. جواز سفر ؟ .

– لا لا ما عندي شيء, جواز سفري وهويتي أخذوهما مني في السجن الصحراوي.

التفت إلى السجان, طلب منه أن يأخذني إلى الحمام وبعد أن أنتهي من الحمام أن يضعني في المنفردة رقم /17/, ثم قال لي:

– الحمام ساخن , فوت عــ الحمام .. أول مرة اغسل كل ثيابك بشكل جيد, بعد غسيل الثياب تحمم أنت.. بــ تظل تتحمم وتغسل الثياب حتى تحس أنه ما ظل عندك ولا قملة.

أخذني السجان , أدخلني الحمام المليء بالبخار, قبل أن يغلق الباب علي قال:

– أعمل مثل ما قال لك المساعد , بس تخلص دق الباب .. مفهوم ؟ .

ها أنا لوحدي.. في زنزانة مطلية باللون الأخضر الفاتح, البطانيات على الأرض, الزنزانة واسعة في سقفها فتحتان اكتشفت أنهما للتهوية.

نشرت ثيابي المبللة على الأرض , جلست على البطانيات.. تغطيت بواحدة, الجو هنا حار , بعد قليل تمددت وغفوت .

استيقظت على الصوت المرعب , صوت قرقعة المفتاح الحديدي في الباب الحديدي, انفتح الباب وظهر رجلان , أحدهما كهل والآخر شاب, سألني عن سبب نومي عارياً, أجبته بأن الثياب الوحيدة التي أملكها مغسولة .. وهي لم تجف بعد.

أغلق الباب , بعد ربع ساعة عاد الشاب حاملاً صرة من الثياب , بيجاما رياضية , غيار داخلي .. ظهرتُ بمظهر جديد .

20آيار

أنتظر بقلق دون أن أعرف سبب نقلي إلى هنا, المعاملة هنا جيدة نسبياً.. باستثناء بعض الصفعات على الوجه والرقبة أثناء الخروج إلى المرحاض أو العودة منه, لم أتعرض إلى أي تعذيب مباشر, لكن أصوات التعذيب التي تصل واضحة إلى جميع المنفردات تغدو أكثر استفزازاً ومدعاة للتوتر والخوف, كل يوم من الثامنة والنصف صباحاً تبدأ صرخات الألم والتوسل, وتنتهي عند الثانية والنصف, لتعاود الأسطوانة عزفها من السادسة مساءً وحتى ساعة متأخرة من الليل.

أحاول تجاهلها.. نسيانها أو التغاضي عنها.. لا أفلح.

21أيار

اليوم مساءً فتحوا باب زنزانتي وطلب العنصر خروجي, ثم قادني إلى أحد المحققين ليطلب مني أن أكتب كل شيء. وبعد أن كتبت قال لي: هذا كله كلام فارغ. اكتب غيره باختصار مفيد. كنت مبتهجاً فقط لأنني أمسك بيدي قلماً بعد اثنتي عشرة سنة.

22 أيار

أخرجوني اليوم إلى رجل يضع نظارات طبية, يجلس وراء مكتب أسود, طرح علي أسئلة عادية. ثم أعادني إلى زنزانتي, جلست. طوال الوقت أسمع صراخ امرأة.. إنهم يعذبونها!.

23 أيار

في أول الليل فتحوا باب زنزانتي وأمروني أن أخرج.

– خذوه على بساط الريح وبس يقرر يعترف .. هاتوه لهون !.

سحبوني بعنف ، رغم كل شيء فقد ارتحت قليلا لأنني عرفت أن أهلي قد أصبحوا ورائي.

ألقوني على لوح خشبي، ربطوني من جميع أنحاء جسمي، رفعوا الجزء السفلي من اللوح الخشبي عاليا.. ثبتوه.

بدأ الضرب.. وبدأ الصراخ.

كنت أتألم بشدة، لكنني لم أكن خائفا ولا هلعا، أنا الآن “صاحب خبرة وتجربة”، كما لرجال الأمن دروسهم وقواعدهم ، فإن للسجناء أيضا قواعدهم ووصاياهم ، وهنا كان أهم وصيتين:

الأولى : مهما تألمت من التعذيب فلا تعترف بشيء لكي تتخلص من الألم ، لأن الاعتراف سيجعلهم يعرفون أنك قد ضعفت ، لذلك فان كمية التعذيب ستزيد لانتزاع المزيد.

الثانية : إذا طلبوا منك أن تتعاون معهم مقابل أن يطلقوا سراحك، فلا تقبل، لأنك تكون قد تورطت ورطة تدوم مدى الحياة.

كنت أتألم .. لكن لم أعدّ الضربات. بعد فترة أحسست أن قدميّ قد تخدرتا.

انتهت لعبة عض الأصابع لصالحي !.. إما انهم تعبوا، أو ملوا، أو اقتنعوا أنني لا أنتمي لأي تنظيم. تركوني بناء على أوامر “الصوت الذي كان في الغرفة”:

– اتركوه .. اتركوه، خذوه عـ الزنزانة، العمى ما أيبس رأسه.. مثل رأس الجحش!.

24 أيار

اليوم أخرجوني, طمشوني, قادوني… قال صوت أجش ثخين:

– ارفع الطماشة عن عيونه .. وروح أنت .

رفع العنصر الطماشة , ثلاثة رجال في منتصف العمر .. أحدهم يجلس خلف مكتبٍ فخم وأنيق, الآخران يجلسان إلى جانبي المكتب… يفحصوني من قمة رأسي إلى أخمص قدمي, مزيج من القسوة والسطوة.. من الترفع والعنجهية..

قررت أن أكون جريئاً: إذا ممكن تسمحوا لي بسؤال .. أنا ليش هون ؟ .. ما هي جريمتي حتى أبقى في السجن أكثر من /12/ سنة ؟

قال الرجل الجالس خلف المكتب , هو نفس الصوت الأجش :

– أولاً اخرس , ثانياً أنت هون اتجاوب على الأسئلة مو تطرح أسئلة.

قرأ ثلاثة أسماء لا أعرفهم , قرأ الاسم الرابع , الاسم الثلاثي لصديقي أنطوان , عندها رفعت يدي مسرعاً , وكأني أريد أن أثبت مصداقيتي .. صرخت :

– هذا يا سيدي .. أنطوان .. هو صديقي بفرنسا .

– هاه .. أنت تعرف أن هذا أنطوان من أخطر الناس ؟ .. هو شيوعي معارض للنظام , يعني مو مثل خالك , رغم أن خالك شيوعي .. خالك رجل كثير وطني ومخلص , بس أنطوان.. أنطوان عميل.

– لأ .. لأ سيدي , أنطوان ما كان يحكي معي بالسياسة .

فتح اضبارة أمامه , تفحص عدة أوراق , سحب ورقة منها , نظر إليها ملياً وطفق يقرأ .

” بتاريخ كذا .. وكذا .. دعيت إلى سهرة مع صديقتي الفرنسية , السهرة كانت في بيت أنطوان , وكان حاضراً في السهرة , فلان وفلان وفلان …… عند نهاية النقاش بقي هناك شخص لم يشارك في الحديث لم أعرف رأيه, وهو طالب من العاصمة يدرس الإخراج السينمائي هنا في فرنسا, وقد أمضى فترة النقاش ينظر إلينا مبتسماً.

توجهت إليه بالسؤال عن رأيه عما دار من حديث، ولكي أدعه يطمئن تابعت تهجمي على السلطة السياسية. ضحك وقال كلاماً جارحاً بحق الرفيق الأمين العام رئيس الجمهورية المفدى , وأنا ألآن سأورد كلامه كما ورد على لسانه مضطراً رغم أنني محرجٌ جداً , وسيادتكم تعلمون أنني على استعداد لأن أقطع لساني ولا أدعه يتلفظ بهكذا عبارات مقذعة بحق الإنسان الذي نُجِلّه ونحترمه .. لا بل نعبده .. السيد الرئيس حماه الله ونصره , ولتكن أرواحنا فداءً له.

ولكن تسجيلي لهذه العبارات إنما الهدف منه أن تكون الجهات الأمنية الساهرة على أمن الوطن على علمٍ بكل شيء , وأن تكون في صورة الموضوع, قال المدعو فلان رداً على تساؤلي.. و بالحرف الواحد:

– أنا كرجل يهوى ويعمل في مجال الفن السينمائي فإنني أهتم بالصوت والصورة، إذا كانت الرسالة تعرف من عنوانها , فإن عنوان هذا النظام هو الرئيس .. فماذا يقول الصوت ؟.. إن صوت هذا الرئيس مثل صوت التيس .. والتيس كما تعرفون هو من أنتن الحيوانات وأعندها!

أما الصورة فتقول , إن رأسه مثل رأس البغل , وأنا أكره البغال كثيراً .. لو كان حماراً لأحببته , لأنه في هذه الحالة ينتمي إلى سلالة الحمير الأصيلة والعريقة .

لهذين السببين يا أخي , فإنني لا أحب هذا الرئيس ولا أحب هذا النظام .

عند هذه العبارة توقف الصوت الأجش عن القراءة , نظر إليّ بعمق وحقد وهو يطوي الأوراق الموجودة أمامه , ثم قال بلهجة استهزاء :

– نحن قلنا لك عن سبب وجودك هون .. عن جريمتك , وانت لازم هلق تقول لنا لأي تنظيم أنت منتسب .. هذا الكلام الوارد بالتقرير كلامك وإلا لأ ؟ .. احكي .

فيما كان يقرأ التقرير كان عقلي يعمل بسرعة مذهلة , كل حواسي كانت مستنفرة , كنت أسمع بنصف عقلي و النصف الآخر كان يفكر , حاولت تذكر السهرة فلم أفلح !.. التقطت التاريخ المذكور في التقرير , أكثر من ثلاث سنوات قبل عودتي إلى بلدي, يضاف إليها أكثر من اثنتي عشر عاماً قضيتها في السجن !.. كيف لي أن أتذكر سهرة من مئات السهرات التي كنا نقيمها ؟.. حتى أشخاص السهرة لم أتذكر منهم سوى أنطوان.

– هذا التقرير الذي قرأته وعمره أكثر من خمسة عشر عاماً , لا أذكر أني حكيت هيك كلام , وعلى فرض أني حكيته .. هذه نكتة لا أكثر ولا أقل, وأنت تعرف أنه يوجد مئات النكات من هذه الشاكلة . – حتى لو كانت نكتة .. هذه النكتة عقوبتها من سنة إلى ثلاث سنوات .

– بس أنا صار لي /12/ سنة في السجن !.

– ال/12/ سنة انساهم , هدول نتيجة خطأ نحن غير مسؤولين عنه , حسابك يبدأ من هذه اللحظة , وهلق احكي لنا عن تنظيمك .. ولأي تنظيم تنتمي .

– أنا منتسب إلى تنظيم .. الإخوان المسلمين !.

يبدو أنهم كانوا قد درسوا القضية واتخذوا قراراً. ولكن مادور خالي في كل هذا ؟ .. لست أدري .

10حزيران

أكثر من نصف شهر لم يحدث خلالها شيء, أصوات التعذيب أنهكت أعصابي, أن تتعذب أنت أهون من أن تسمع أصوات الصراخ الإنساني ليلاً نهاراً, أحاول أن أتلهى بقراءة الأسماء الموجودة على حيطان الزنزانة, جميعها مكتوبة بواسطة شيء معدني.. مسمار مثلاً, أسماء ذكور وإناث, بعضهم يكتب اسم مدينته أو حزبه السياسي , أحدهم كان يخط خطوطاً متوازية إلى جانب اسمه .. يبدو أن كل خط يمثل يوماً, عددتها: ثلاثة وثلاثين خطاً.