أرشيف الوسم : تازمامارت

أدب السجون المغربي (2/2)

إن إحدى محن السجن فضلا عن سلبه الحرية، العزلة( السجن الانفرادي).ومادام السجن فضاء المتناقضات بامتياز فهو تارة منتج لعزلة المعتقل و تارة مصدر للاكتظاظ كذلك. فضاء يجمع بين الفوضى والنظام بين التدمير والتأهيل، بين الضحية والجلاد كما يمكنه الإسعاف على اكتشاف الذات من جديد وفقدانها إلى الأبد. الانهيار واكتساب القدرة على مقاومة ألم التعذيب. إنه عالم الأضداد بامتياز. ولعلها مفارقة وجودية كون أصغر الفضاءات(الزنازين)هي التي أنتجت أرحب التخيلات والذكريات وأطول الاعترافات والأحلام..
ث- عريس الوديع(9) أو سلطة الاعتقال وجها لوجه مع السخرية
اعتمد صلاح الوديع كخلفية جمالية لتسريد جراح الاعتقال الكوميديا السوداء والسخرية المازجة بين الضحك والبكاء. سخرية واضحة منذ عتبة العنوان «العريس» مرورا بالرسائل وقوفا عند صورة صلاح الوديع الضاحك على ظهر الغلاف من محنة الاعتقال. بل يمكن اعتبار تاريخ إصدار «العريس» نفسه تاريخا ساخرا على اعتبار انه تزامن مع الذكرى الخمسين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان. بمعنى بعد مرور نصف قرن والانتهاكات لازالت على قدم وساق…وبالعودة إلى العنوان الملتبس «العريس» نفهم القصد من انتقائه لأنه يوحي بأجواء غبطة و فرح مرتقبين في الوقت الذي تحكي الرسائل عن مأساة التعذيب والتنكيل بالمعتقلين وبهذا فمضمون العنوان ومضمون الرسائل خلقت لنا سخرية سياقية مؤسسة على حدثين دراميين لا جامع بينهما. كما أن الرسائل سخرت من انتهاكات الجلاد بشكل مضاعف: أولا بالتهكم على عنفه غير المبرر. وثانيا بنشرها على الملأ.. فنحن نعلم أن الرسائل عادة تكون شخصية وخاصة وفي غاية الحميمية في حين هي هنا منشورة على الملأ بغاية فضح تجاوزات الجلاد وتعريتها. وتزداد سخرية الرسائل عندما نعلم أنها لا تبتغي جوابا بقدر ما تستدعي تعاطف عموم الناس. رسائل بقدر ما تسخر من الجلاد تمنح المعتقل تعويضا عن حالة العزلة وتحقق له حالة تواصل مأمولة مع الآخر المبعد(الأم)..إن خطاب الرسائل وأسلوبه الخاص جعل المتلقي يعيش الوقائع أول بأول كما لو كان مسلسلا تلفزيونيا…وما ميز خطاب المعتقل وهو يحكي شدة التعذيب وقسوة الجلاد وجرح المهانة على امتداد 150صفحةو27 رسالة هو ارتداؤه لمعطف الساخر. خطاب جعل المعتقل يتشح بوشاح اللاعب الماهر بمقاسات الأشياء. يضخمها ويقزمها حسب مقتضيات الموقف. يقول شيئا ويعني شيئا آخر مضعفا المعنى حيث أن ما يصل الذهن لأول وهلة ليس هو ما يستقر بالوجدان بعد ذلك.. كقوله للمستبد ما أعدلك؟ ولهذا فخطاب السخرية في هذا العمل جمع بين الهذيان والرزانة، بين اليقين والشك، بين الجنون والعقل من فرط حدة التعذيب والإهانة الأمر الذي جعل السخرية عنده تتجاوز كونها مجرد وسيط بلاغي لموقف فلسفي من الوجود منتجة كتابة حدادية في العمق لأنها ترثي موت الأشياء الأصيلة فينا. يقول المرسل والشك يعتصر خافقه حول احتمال وصول الرسائل لأمه ص13:»أبعث إليك بهذه الأوراق و أطلب الله أن تكوني على قيد الحياة لكي تتسلمينا بنفسك «وهذه النزعة الشكية مصدرها أن كل شيء محتمل في واقع مماثل.. الحياة فيه كالموت دون أن يتجرأ أحد عن مساءلة الجلاد عن جرائمه.. وتجدر الإشارة هنا أن الخلفية الإبداعية للمعتقل وهو شاعر في الأصل لونت خطابه بنفحة شعرية مائزة، تماما كما مر معنا في تجربة عبد اللطيف اللعبي.. غير أن النغمة المهيمنة على العمل هي السخرية ربما لأنها تمنح المعتقل/الساخر طمأنينة معنوية وتفوقا رمزيا من خلال فعل المقاومة وعدم الاستسلام.. فهي فضلا عن كل هذا تقترح نفسها كبديل عن الهزيمة الواقعية وشرفة للتنفيس عن الاحتقان النفسي مع تعرية بشاعة الجلاد وتجاوزاته.. يقول المرسل في ص21:»ها هو الكهرباء يحل ببدني قبل وصوله إلى البوادي والقرى، رغم أنني لم أطلب ذلك من أحد. فكيف تشتكي الحكومة من قلة ذات اليد، وهي توزع الكهرباء بهذا السخاء وبدون مقابل…»إن السخرية هنا تأزم المعنى وتنسب الحقيقة وتضعها محل استفهام…مترجمة التوتر النفسي العاصف للمعتقل.. مسعفة على استغوار جراح الأعماق مستقطرة هشاشة الذات في بعدها العائلي والجماعي لاسيما إذا علمنا أن آلة الاعتقال شملت مجمل عائلة المرسل بما في ذلك الأب والأخ والأخت…
وبهذا فالسخرية مثلت تعويضا وملاذا للمقصي والمبعد وطريقا لمراوغة الجرح ومهادنة الفقد. يقول المرسل في الرسالة الخامسة ص27:»وقد جاءني إبان ذلك منهم من صاح بي أن أخي وأختي وزوجها كلهم موجودون معي هنا في نفس المكان الكريه، فسألته هل جئتم بالعائلة وأنتم تنوون الاعتذار لها على ما بدر منكم تجاهها من هفوات. إنني أسامحكم مهمات يكن وباسم عائلتي كلها.»
إن سخرية بهذا العمق تصير ممتلكة لعنف صدمة كهربائية من خلال إشعال نار السؤال…تضرب بعنف إعصار محيط منتجة قارئها الخاص لأنها لا تقول سوى جزء من الحقيقة وتحتفظ بالجزء الثاني قصد دفعه لمواصلة القراءة وكأني بها رشوة رمزية.. وعلى حد تعبير الفيلسوف كيكجرد:»إن المتهكم يحصل على لذة عندما لا يتم فهمه، أكبر من تلك التي يحصل عليها عندما يتم فهمه، وكأنه فهم يقيد حريته في التهكم أو يقلل منها.»


2- نماذج من أدب السجون العسكري
أ-جرح الاعتقال ومنطق الشهادة.
في شهادته «تزممارت الزنزانة رقم10»(10)استغرق أحمد المرزوقي حوالي أربعين صفحة ليصل إلى لحظة الاعتقال حيث تطرق بإسهاب في المفتتح عن ظروف التمدرس بمدرسة أهرموم العسكرية وشخصية امحمد اعبابو وأخويه (محمد وعبد العزيز)وأصولهم الريفية وتميز امحمد بصدامية مؤذية حيث قدمه كبرميل بارود يمكنه الانفجار عند أدنى احتكاك. مع حديثه عن ظروف التهيئ لانقلاب «الصخيرات» وهي أمور باتت معلومة للجميع .لكن لا شعور المرزوقي هنا بتبطئ زمن الوقائع والكتابة عن يوم القبض عليه كان يستبعد لحظة الاعتقال عمليا ولو على مستوى التذكر.. فالإنسان عموما يهرب من كل ما هو مؤلم.. وتجدر الإشارة هنا، أن تصور المرزوقي للكتابة لا يخرج عن إطار الشهادة التي تروم مطابقة ما وقع مع الحقيقة العامة.. حيث قال في ص29:»أؤكد كل ما سأرويه هنا، هو خليط مما رايته رأي العين ومما سمعته محققا من أفواه أصدقائي قبل وأثناء وبعد محاكمة القنيطرة» وهذا يعني في مستوى أول تواري الذات بهواجسها وأحلامها لصالح تسريد الوقائع المشتركة بين كافة المعتقلين أمر تحققنا منه في الجزء الثاني الذي تلا الاستهلال حيث انتقل بدءا من (ص57 )في الحديث عن انقلاب القوات المسلحة الجوية مارا بتوصيف مدير سجن تازممارت وحراسه مقدما إياهم بصفات تدخل في إطار ردات فعل السجناء والقتل الرمزي المضاد.. حيث صادفنا اسم الحارس «الوزة» كناية على حدة الصوت(ص81)ولجودن الفرنتشي(ص63)لاقترافه أعمال قاتلة ومحرقة ضدا على المعتقلين. والسارجان شاف «حفار القبور»(ص86).لكن بالمقابل لهذه الصفات السالبة حضرت نعوت ايجابية كوصف «لجدان شاف» العربي ب»اللويز» لصفاء معدنه وطينته الخالصة. ف»اللويز» معدن يجمع بين القيمة الغالية و الندرة ..وما شابه ذلك من التوصيفات…صحيح جدا أن شهادة أحمد المرزوقي حملت بالإضافة لمفردة تازممارت عبارة الزنزانة10.لكنه في أحيان كثيرة كان يستغرق في الحديث ليس فقط عن الزنازين المجاورة بل عن العنبر المجاور وما شابه.. وهذه الشرفة التي اطل منها احمد المرزوقي على عالم السجن هي التي تبرر حضور ضمير الجمع(نحن) بوفرة في هذه الشهادة.. وهو ضمير مخادع في الغالب لأنه يوهم بالموضوعية وتطابق المروي مع ما حدث والحال أن فعل الكتابة عن التجربة يشتغل على التذكر كما النسيان .بل إن التذكر نفسه يجعل الذات حاضرة بشكل مختلف عما كانته لحظة الحدث. إن استراتيجية تأجيل لحظة الاعتقال كانت نفسيا تحاول تقليص زمن الحرمان وجرح العزلة لأن زمن الحرية يعد شرفة لترميم أعطاب الذات وشرفة مفتوحة على الخارج والعالم بأسره.. وعموما هذا الهروب اللاواعي من لحظة بغيضة له ما يبرره نفسيا ووجوديا.. كما يمكن اعتبار حديثه عن زمن ما قبل وما بعد السجن محاول للتنفيس عن ضيقه وحدة اختناق القارئ كذلك.. علما بأن الكتابة نفسها عن الاعتقال تعد هروبا رمزيا من السجن لكن دون متابعة ولا عقاب. لكن ما بدا مستغربا حقا على مدى عقدين تقريبا من الاعتقال هو استبعاد كلي لجروح الجنس وغياب المرأة الفادح ولواحقها. ترى هل هي مبالغة في العفة أم استراتيجية لتقديم المعتقل بمظهر الصامد والطهراني والواقع غير ذلك؟ غياب لابد أن تكون له تبعات كحمق البعض وانتحار البعض الآخر وإلا ارتفعت صفة البشر عن المعتقلين. ولعله من الصدف الساخرة أن الأنثى إن لم تكن قد زارت متخيل وهواجس معتقلي تازممارت فإنها دخلت السجن في الواقع وهو ما أوهمتنا به هذه القرينة السردية الساخرة والتي تتحدث عن زيارة انثى لسجن تازممارت بالصفحة 148/149:»كانت رشيقة شابة من فصيلة عريقة(…)وكانت تنعم بما لا تنعم به إلا القليلات المحظوظات من مثيلاتها الساكنات في الفيلات الفخمة والقصور المشيدة. فقد كان سيدها فرنسيا ميسورا مولعا ولعا شديدا بالصيد. فرباها و أحسن تربيتها، وروضها وأجاد ترويضها حتى أصبحت له مفخرة بين زملائه الصيادين. واكتملت نعمتها حين رزقت بجروين جميلين. «فللحظة توهم تاء التأنيث العائدة على ضمير الغائب (هي) بالإحالة على امرأة لكن بعد حين يتكشف انه يتحدث عن كلبة مدير السجن.. إن اغلب المحكيات السجنية المغربية حكيت وفق شبكة أخلاقية ضيقة الأعين إذ قلما تسقط بوحا كاملا.. ولهذا جاء السقف البوحي واطئا جدا.. ربما كان خلف هذا، التنشئة الاجتماعية والرأي العام الأخلاقي الذي يفرض السترة والتخفي. فالرقابة بشتى تلويناتها تجعل الذات تعاني خوفا عميقا من تعرية الذات دون أن ننسى أن ثقافتنا الإسلامية لا تمتلك طقسا بوحيا كما هو شأن الديانة المسيحية وقساوسها الذين يتلقون الاعترافات صباح مساء، الأمر الذي جعل الغرب يتميز في باب السير الذاتية. استحضر هنا اعترافات جان جاك روسو في (ق18)كنموذج .صحيح جدا أن لدينا «طوق الحمامة» مثلا لابن حزم لكن ينبغي أن لا ننسى انه مرجع كتب على أرض الأندلس وبعيدا عن المغرب. وعموما الثقافة الإسلامية تسير في اتجاه «إذا ابتليتم فاستنيروا-و أعود بالله من قولة أنا وما شابه ذلك.. وبالعودة إلى التجربة المصرية بحكم سبقها التاريخي في باب أدب السجون نصادف ظاهرة غريبة تمثلت في منزع إخفاء الجسد في الواقع كما في الكتابة.. ولنأخذ أحد الرموز العسكرية (تمثال جمال عبد الناصر) الذي ألبس في إحدى ساحات القاهرة لباسا عسكريا ثقيلا ربما زيادة في الوقار والهبة (سيرة طاهر عبد الحكيم في»الأقدام الحافية نموذجا)..ومنزع إخفاء الجسد على مستوى المجسمات يوازيه إخفاء المشاعر على مستوى الحكي بطرق ملتوية في مجمل المحكيات السجنية العربية ومنها ستار ضمير الجمع في شهادة أحمد المرزوقي. لنتأمل القرينة النصية التالية ص60:»كان لارتطام الباب الحديدي الثقيل ورائنا دوي قنبلة انفجرت في أعماقنا فنسفت فيها كل خلية نسفا، فجأة، وجدنا أنفسنا معزولين في بحر من الظلمات، فأحسسنا بالاختناق والضياع. كانت حقا لحظة عنيفة صادمة شلت فيها عقولنا وانسحب الهواء من رئتنا وجعلت قلوبنا تخبط خبطا قويا وكأنها تهدد بسكتة مفاجئة. «إن هيمنت ضمير الجمع (نحن) يمكن رده للحياة العسكرية التي تقتضي الإجماع والالتزام بالتعليمات بخلاف الكتابة كفعل فردي حر يشترط تلبية نداء الذات وهواجسها. ربما كان سبب ذلك عدم تهيئ المعتقل للكتابة البوحية والمرتبطة بالذات أساسا ..وربما كانت الكتابة عن السجن من خارجه غيرها من داخله.. فكتابة التجربة من الخارج تكون تحت سطوة معاودة فقدان الحرية والمعتقل بحكم تجربة الاعتقال خبر أكثر من غيره معنى فقدانها…لكن رغم كل هذا فمحكيات السجناء العسكريين تحديدا غيرت كثيرا من صورة الجندي المغربي بصرف النظر عن رتبه حيث كان يقدم دائما كفرد واطئ الأفق وقصير النظر وأبعد ما يكون عن الكتابة. وعموما ضمير الجمع هذا ارتبط في الذاكرة الجمعية العربية بالشعب بينما ارتبطت صيغة المفرد بالسلطان وكأني بلاشعور الكتابة عندما يستعمل ضمير المتكلم يستشعر اعتداء رمزيا على صيغة المفرد الموكولة للسلطان.. وربما كان هذا سببا إضافيا في اختفاء أدب الرسائل الخاصة في حياتنا العربية والمغربية القديمة والحديثة لاشتمالها على ضمير المتكلم والقضايا الخاصة واقتصارها على الرسائل الأدبية العامة كرسائل الجاحظ والمعري وما شابه ذلك. وبالعودة إلى شهادة المرزوقي الضخمة(325صفحة)تبين لنا أنها خلافا للسير الذاتية قلما عملت على تسريد الذات بحيث من ص171 إلى ص 201 كان المرزوقي معنيا بتقديم المعتقلين الآخرين الذين لقوا حذفهم بالسجن متطرقا للوضع المزري الذي جردهم من الكرامة الآدمية والعودة بهم إلى مستوى البهيمية حيث كان كلما توفي رفيقا كلما ترك جرحا غائرا في ذاكرة الباقين.. وعلى الرغم من هذا الوضع المأساوي كان البعض يغالبه بالتندر كما كانت عادة الملازم المراكشي المحجوب الياكدي حيث كان يردد غير ما مرة «الموت بين الرجال نزاهة». كما أن الشهادة انصرفت من الصفحة 217 إلى 325 لرصد لحظة الخروج والانتقال بسرعة إلى تعاطف المنظمات الدولية والجمعيات الحقوقية المغربية وهذا يعني أن الحديث عن ما قبل لحظة الاعتقال وما بعده أخذ ثلتي الشهادة والثلث فقط هو الذي تحدث فيه المرزوقي عن لحظة الاعتقال إلى لحظة الإفراج وهذا يعود للطبيعة السيكولوجية للإنسان والتي تبتعد عن كل ما هو مؤلم.. إن طبيعة الزمن الرتيب للاعتقال و فضائه المعتم تماما جعلا الذاكرة فارغة من الجزئيات الدقيقة. يقول المرزوقي نفسه ص256:»كان العقدان اللذان بترا بترا من عمري أشبه شيء بشريط «فيديو» فارغ إن شغلته فلن ترى منه على الشاشة سوى حبات مبهمة بلا كنه ولا معنى. ماذا كان سيخسر سجانونا لو تركونا نملأ ذاك الشريط بما هو نافع.» والجدير بالذكر في هذا السياق أن المقاطع السردية التي احتفت بالبعد الإيحائي لا الإخباري للغة – على قلتها- اقترنت باللحظات التي رصدت المعيش داخل المعتقل ومنها النموذج التالي بالصفحة 164:»مر خريف تلك السنة باردا حزينا كعادته، وتلاه فصل الشتاء حاملا إلينا هدايا من الألم الأبيض. مناشير البرد الحلبية التي تنخر فينا العظام وتفعل الأفاعيل. ووجد منجل الموت ضالته في العنبر الثاني فواصل عمله بانتظام وإتقان حاصدا أرواح تلو أرواح.» إن مفارقة هذه الشهادة تكمن في كون فترة الاعتقال وان كانت طويلة جدا في الواقع فان حيزها من الأوراق والكتابة كان قليلا موازاة فترة الإفراج بخلاف محكيات أغلب معتقلي أقصى اليسار كما مر معنا.. وفي ذات الأفق تحركت تجربة محمد الرايس»من الصخيرات الى تزمامارت»(11) وبشكل أكثر مباشرة وخطية التجربة السجنية للمفضل المغوتي(12)
ب-محمد الرايس والرغبة في قول «الحقيقة المطلقة» (13)
تجدر الإشارة بداية إلى أن هذا العمل مرة أخرى مترجم عن اللغة الفرنسية الأمر الذي يعني أنه فقد الكثير من خصوصيته اللغوية التي درس بها المعتقل وتعلم بها طيلة حياته.. واللغة الفرنسية بالنسبة لهذا الجيل تحديدا مثلت الجسر اللساني الشائع و المكتوب الذي وصلهم بالذات والآخر والعلاقة بينهما.. ونحن نعلم أن لكل لغة خصوصيتها بل وخطورتها جراء هوية الذات المخاطبة(الرأي الدولي والرأي المحلي) يكفي ذكر وقع كتابات كرستين السرفاتي حول معتقل تزمامارت(1992)التي كادت تتسبب في أزمة سياسية بين المغرب وفرنسا ..وبالعودة إلى مذكرات محمد الرايس وجدناها تنطلق من نفس وجهة نظر احمد المرزوقي وهي تقدم الحدث/الانقلاب باعتباره كان نتيجة الطاعة العمياء للرؤساء وبالتالي تحميله للنظام العسكري مسؤولية الوصول لذاك المآل.. بل إن محمد الرايس يشدد على الهوية البيضاء «للجيش آنذاك حيث يقول في ص 26:»لم يكونوا مناصرين لا للروس ولا للأمريكان وللصينيين كما لم يكونوا ناصريين أو كاسترويين أو قذافيين. والأنكى من هذا هو أن هؤلاء المتمردين لم يكونوا لا من أنصار الجمهورية ولا ضد الملكية، وكان عملهم قضية عنف محضة لا غير. وباستثناء الرؤوس الثلاثة المدبرة والمتآمرين الرئيسيين الذين كانوا على علم بالهدف والمبتغى كان الكل يساير الموجة على أمل أن تجد في اللحظة المناسبة منفذا للهروب. لقد كانت الصخيرات يومها مثل قطار يسير بسرعة جنونية، يقف كل راكب فيه قرب مصعد الباب في انتظار أول منعطف للقفز، وحدها نقط القفز كانت تختلف من واحد إلى آخر. «فإذا كان محمد الرايس يتفق مع احمد المرزوقي في الموقف من الانقلاب فإنهما يختلفان في تقديم الكثير من الجزئيات والتفاصيل بحكم قرب الرايس الشديد لحظة الانقلاب من الرأس المدبر(امحمد اعبابو/مدير المدرسة العسكرية) فضلا عن كون محمد الرايس خلافا لزملائه حكم عليه بالإعدام ثم بالمؤبد.. حدثين ولا شك شكلا صدمة تراجيدية جعله يصافح الموت أكثر من مرة أمر انعكس على مرايا محكياته السجنية…غير أن موقف الرايس والمرزوقي يختلفان عن موقف صلاح حشاد مثلا الذي رفض فكرة «المفعول بهم» و رأي أن الجيش كان يطمح إلى تغيير الأوضاع المعطوبة لمغرب السبعينات(14)إن اختلاف طرق تقديم وقائع المرحلة والموقف منها يمكن إرجاعه كذلك لقدرة الذاكرة الفردية على تخزين ما وقع جراء القرب أو البعد من الحدث إضافة لما سمحت به الكتابة نفسها من هامش الحرية في قول «كل شيء»..دون نسيان الطبيعة النفسية لكل معتقل حيث كان فيهم المحترز والواثق وهو ما ينطبق تماما على المرزوقي و الرايس مثلا في محكياتهما..إضافة إلى أن هناك من أحجم عن كتابة التجربة لاعتبارات بدت لنا وجيهة ..وهي حالة المعتقل عزيز بينبين حيث قال «الإنسان جبل على أن يرى عيوب الآخرين ولا يرى عيوبه. ولذلك، فما يصدر من أحكام على هؤلاء الآخرين ينبغي أخده بالحيطة»(15)
وبالعودة للشهادة الضخمة لمحمد الرايس والتي فاقت310 صفحة من الحجم الكبير لاحظنا احتكامه لمنطق الشهادة المهووسة بسرد(كل) الجزئيات حيث أنه أغرق في تسجيل التواريخ والأسماء والعلاقة بينهم والأمكنة والمواقف أمر حد من فسحة الكتابة التخيلية مادام الهدف عند المعتقل هو قول «الحقيقة كاملة» ولا شيء غيرها. ونحن نعلم أن ممكنات التخييل لا سقف لها بخلاف تسريد الوقائع التي وقعت فعلا. .إن استدعاء الحقيقة كما وقعت فعلا يجعل المتلقي يحكم على المقروء بالخطأ والصواب بينما اعتماد المعتقل على المتخيل يجعلنا نقيم ما حكاه وفق الممتع أو المضجر والفرق كبير بين الاثنين وهنا يمكننا مثلا مقارنة متخيل عبد الرحمان منيف في «شرق المتوسط» وما قيل في السير السجنية الموازية لمعتقلين حكوا جرح الاعتقال بخلفية قول الحقيقة.. علما بأن السيرة السجنية تجد نفسها تحت سطوة ما وقع بالفعل.. وقائع توجه دفة الحكي خلافا لفسحة التخييل الذي يقترح أكثر مما يستعيد ويختلق أكثر مما يتذكر.. هذا يعني بالنتيجة أن الشهادة العفوية غير الكتابة الإبداعية وأن الشاهد/المؤرخ غير المبدع…إن ما يؤثر سلبا على السير السجنية حقا هو تصور صاحبها للكتابة أنها ملزمة بمهام جسيمة كصيانة المستقبل من معاودة نفس الأخطاء وخلق مجتمع ديمقراطي خال من الشطط في استعمال السلطة والحال أن المجتمع الديمقراطي يؤسسه الاشتغال اليومي في الميدان سواء في المجتمع المدني أو المجتمع السياسي…لا الكتابة السجنية بمفردها .
إن هاجس حكي «الحقيقة لمطلقة» عند محمد الرايس شكل حاجزا حاجبا لرؤية الذات وهي تحاول إيصال صوتها الخاص للقارئ بحيث أنه كلما ابتعد عن حكي «الحقيقة المطلقة» كلما بدا أكثر إقناعا وشعرية.. فحضور ذاته كان يضخ الخطاب بطاقة فنية تتأسس على بلاغة النسبي وشعرية الجزئي والعابر.. كما أن تقديم المعتقل للنقد الذاتي بين الفينة والأخرى كان يضفي الكثير من المصداقية والمشروعية على محكياتها السجنية حيث استشعر لحظة استنطاقه من لدن الجنرال أفقير مثلا فقدان الشجاعة كي يقول له أن التربية العسكرية التي ربتنا على الخنوع والطاعة العمياء هي التي أوصلتنا لهذا المآل وأنت بالذات واحد من أهم حماة هذه التربية المعطوبة. يقول محمد الرايس بكثير من التجرد والعفوية ص71:»لم تسعفني شجاعتي وظل الجبن لصيقا بي، فبدأت أنظر إليه دون كلام، لأنني فقدت شخصيتي «تقلص كياني» وتحولت إلى بيدق، يومها التزمت الصمت ملتفا في خوفي ونفاقي وانعدام شخصيتي شاخصا النظرات خنوعا، كما يقول المثل المغربي «شكون يقول للسبع فمك خانز» إن العودة إلى الذات كانت تمنح خطاب المعتقل شفافية نادرة و لحظة صفاء ذهني استثنائية حيث أنه كان يتصالح معها بتجديد رؤيته للنفس وللسجن وللخصم وللحليف وللوجود برمته.. يقول بكثير من العري والتجرد عن علاقة الذات بالسجن ص97:»في السجن المركزي بدأنا نفهم الحقائق التي طالما خباؤها عنا، ولو لا هذا الاعتقال لبقيت «حمارا» بأذنين طويلتين. في السجن المركزي وأنا أقضي الحكم المؤبد كنت أحس أنني أكثر حرية من السابق، لأنه إذا كان جسدي معتقلا فان روحي لم تكن كذلك. لم أعد ذلك القن الذي ينفد بدون تفكير، بل أمسيت ذلك المتمرد الحرون الثائر على خسة القادة، وهناك بدأت أحتقر ذاك «الآخر» الذي كنته. «السجن هنا تحول إلى رحم ولود ومصدر لتجديد الذات ولو بنار الاعتقال والحرمان من الحرية وكي العزلة والوحدة..
غير أن ما قفز عليه أحمد المرزوقي في «الزنزانة رقم10» ونقصد بذلك استدعاء المرأة المخبوءة في الذاكرة والوجدان أعطاه محمد الرايس فسحة واسعة وان لم تكن تليق به كما هي العادة في الحياة. ولعل حواره مع رفقاء المحنة عن الحرمان والاستمناء والاستحلام ومناقشة الرغبة المتجددة خير دليل على ما نروم. بل يمكن القول إن الكاتب توفق في اختيار الحوار كوسيط بلاغي لتقديم وجهات نظر رفقائه حيث هناك من حكمته الرؤية الدينية(المفضل المغوتي) وهناك من قارب ظاهرة الاستمناء من شرفة الظرف الخاص الذي كان فيه المعتقلين وهي رؤية اغلب السجناء.. وبالتالي تعارضت رؤية التحريم مع رؤية الإباحة.. علما بأن الحوار عمل على دمقرطة السرد وأعطى الفرصة لكل واحد منهم كي يقدم رؤيته الخاصة للموضوع. لنتأمل القرينة النصية الدالة بعمق ص176:»
أذكر بوضوح أن منصت كان أول من تطرق للموضوع يومها(…)
«أنصتوا جميعا، هناك موضوع تتفادون الخوض فيه هو موضوع النساء، منذ اعتقالنا وانتم لا تفكرون سوى في الطعام والمرض والموت وتوافه الحياة. أنسيتم أن الذكر يحتاج إلى الأنثى، سواء كان إنسانا أو حيوانا، حتى النبات نفسه يخضع لهذا القانون. إننا نتعمد جميعا التغاضي عن هذه الغريزة الإنسانية الأساسية. الجنس إحساس لا يضاهى ولذة لا حد لها. فما هو رأيكم.
انفجر الجميع ضاحكين ثم رد سعودي بمكر :سول لمزوجين(…)
عقب العديد(…)
لا فرق في مثل هذه الأمور بين المتزوجين والعزاب و أن اللذة لا جنس لها ولا عمر. وعندما تتحرك الغريزة لا بد من شريك.
أخد الزموري الكلمة وقال(…):»اقضي النهار في استحضار مغامراتي السابقة وفي الليل أستحلم وأشبع بذلك رغبتي» تدخل منصت قائلا:
-أعرف هذا، شخصيا كنت أقيم مع صديقتي في نفس المنزل مثل زوجين، لكنني الآن، محروم من هذه اللذة والحال أنها ضرورية للتوازن النفسي.(…)أضاف الصفريوي «يجب التفكير في القانون الذي يحرم السجناء من النساء. لأن هذا المنع لا إنساني وظالم، وصراحة كنت في السابق زير نساء. وكيف لا يكون المرء كذلك في فاس حيث الفتيات مثل الملائكة».


إن هذا الحوار بالقدر الذي أنسن الاعتقال ونزع تلك الصلابة الشائعة والمقاومة الأسطورية عن المعتقلين ذكرنا بالأصول الحيوانية للإنسان. وأن تحفظ بعض المعتقلين الخوض في نقاشات الجنس هو استبعاد لا شعوري لبقايا الحيوان في الإنسان مستعيضين عن الفعل الجنسي المباشر بتذكر بعض القبل والعناق والرقص كأفعال «متحضرة». صحيح أن وجود الشريك بالجوار يقوي من وتيرة الطلب لكن غيابه لا يلغي الطلب بقدر ما يؤجله فقط ..وهنا يفعل الاستحلام فعله.. علما بأن هذا السياق يذكرنا بالسجال النفسي بين الفرويدية التقليدية واليسار الفرويدي حيث توزعت الآراء بين اعتبار الرغبة الجنسية شيئا نفسيا وحاجة بدنية.. والجدير بالذكر هنا أن لاوعينا الجمعي لازال يعتبر «ممارسة الجنس من الممارسات القذرة التي تستوجب النظافة بعدها، بل تستوجب أكثر النظافة قبلها، والأعضاء الجنسية شديدة الارتباط بأعضاء الإفراغ وهذا وحده كاف لاعتبارها قذرة، ناهيك عن الروائح والمفرزات وما إلى ذلك، لكن هذه القذارة الموضوعية المادية تختلف عن مفهوم القذارة الاجتماعي الذي يجعل من الجنس دنسا وانحطاطا، ومن التسامي عليه غاية في النبل والارتقاء.. أو عن النظرة التي تعتبره إهانة وتستخدمه للدلالة على الحط من القدر، والشتيمة»(16)
تبقى الإشارة إلى أن الكتابة عن السجن تعد سلطة مضادة للسجان. فإذا كان الجلاد يحاول طمس معالم جريمته فبالكتابة يحاول المعتقل التذكير بها والتنصيص على حجم تجاوزات السلطة. غير أنها كتابة لا يمكن عزل فضحها للأخر عن فضح الذات في حدود معينة وذلك من خلال وقوفها عند ملامح التعايش مع المرض والجوع والكبت والجنون أحيانا، والضعف الإنساني عموما. إنها بقدر ما تنفس عن المكبوت وتبحث عن توازن نفسي تجعل الذات تعاود عيش جرح الاعتقال. كتابة يمكن اعتبارها وجع مضاعف وصرخة مدوية لضمير ملتاع. هي بالنتيجة ممارسة استشفائية قصد استرجاع الثقة في النفس وفي المجتمع. إنها نضال مواز للنضال داخل المعتقل.. صحيح أن الذات بالبوح والاعتراف تجد نفسها في وضع ملتبس إذ أنها تتأذى وتتطهر في ذات الآن الأمر الذي يطرح علينا سؤالا عميقا من قبيل: هل الجحيم هو أن نتذكر جرح الاعتقال أم ننساه؟ علما بأن ثمة بالجوار تأملات فلسفية تعتبر «أننا لا يمكن أن نتحرر إلا من خلال التذكر»، على حد تعبير فريدريك نتشه.
نخلص إلى النتيجة التالية :إذا كان السجن فضاء سالبا للحرية وحادا من الحركة الجسدية، فانه عاجز عن سلب المعتقل حرية التفكير والتذكر والحلم والكتابة.. فبالكتابة يضفى بعض المعنى على تجربة الاعتقال والسجن الذي تجتهد الدولة في إخفائه عن أنظار المواطنين بتشييده خارج المدن قصد إبعاده عن وعيهم، غير أن الكتابة تتوفق في جعله شاخصا للعيان في كثير من الحالات…

الاتحاد الاشتراكي

محمد رمصيص
(*) أستاذ باحث وناقد أدبي.
إحالات:
1-حديث العتمة.فاطنة البيه.نشر الفنك.2001.
2-سيرة الرماد.خديجة مروازي.إفريقيا الشرق.2000
3-تلك العتمة المبهرة.الطاهر بن جلون.ترجمة بسام حجار.دار الساقي.2003.
4- مجنون الأمل.عبد اللطيف اللعبي.ترجمة علي تزلكاد والمؤلف.مؤسسة الأبحاث العربية.1983.
5-ويعلو صوت الآذان من جحيم تزممارت.مذكرات المعتقل المفضل المغوتي.بلال التليدي.منشورات التجديد.2009.
6-مجنون الأمل.عبد اللطيف اللعبي.م/م.1983.
7-كان وأخواتها.عبد القادر الشاوي.منشورات الغد.الطبعة الثانية.1999.
8-حديث العتمة فاطنة لبيه.م/م.2001.
9-العريس.صلاح الوديع.مطبعة النجاح 1998
10- تزممارت الزنزانة 10 رقم.أحمد المرزوقي.طارق للنشر.2009.
11-مذكرات محمد الرايس.من السخيرات إلى تازمامارت ترجمة عبد الحميد جماهري.إفريقيا الشرق.2001
12-مذكرات المفضل المغوتي.م/م.2009.
13-مذكرات محمد الراس.م/م.2001.
14-Serhane Abdelhak.Kabasal.les Emûtes de Tazmamart .Mémoires de Sala
15-حزل عبد الرحيم.سنوات الجمر والرصاص:نصوص وحوارات في الكتابة السجنية.الجزء الأول.الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي.الجمعة 11 يونيو.2004.ص11.
16-الحب والجنس عند السلفية والامبريالية.محمد كمال اللبواني رياض الرايس للكتب والنشر.1994.ص74..

أدب السجون المغربي 1-2

إن إحدى محن السجن فضلا عن سلبه الحرية، العزلة( السجن الانفرادي).ومادام السجن فضاء المتناقضات بامتياز فهو تارة منتج لعزلة المعتقل و تارة مصدر الاكتظاظ كذلك فضاء يجمع بين الفوضى والنظام، بين التدمير والتأهيل، بين الضحية والجلاد كما يمكنه الإسعاف على اكتشاف الذات من جديد وفقدانها إلى الأبد. الانهيار واكتساب القدرة على مقاومة ألم التعذيب،انه عالم الأضداد بامتياز. ولعلها مفارقة وجودية كون أصغر الفضاءات(الزنازين)هي التي أنتجت أرحب التخيلات والذكريات وأطول الاعترافات والأحلام…
مر أدب السجون المغربي الحديث بعدة مراحل. مراحل تحكم فيها الشرطين التاريخين: الدولي والوطني في آن معا. إذ أن مرحلة ?سبعة أبواب” لعبد الكريم غلاب(1965) مثلا ليست هي مرحلة “مجنون الأمل” لعبد اللطيف اللعبي(1983).وهذان اللحظتان ليستا هما لحظة ?المغرب من الأسود إلى الرمادي” لأبراهام السرفاتي في نهاية التسعينات وقس على ذلك كتابات العشرية الأولى من الألفية الثالثة.. فإن تميزت المرحلة الأولى بالبعد الحماسي الشاسع بسعة أحلام الاستقلال و التخلص من جرح الاستعمار الفرنسي، فإن المرحلة الثانية اتصفت بنفحة مأسوية جارحة ..علما أن عقد الثمانينات من القرن العشرين وما بعده تميز بظهور وفرة من العناوين في “أدب السجون(كان وأخواتها، مجنون الأمل…)”.ظاهرة يمكن إرجاعها لعدة اعتبارات منها: بداية الانفراج الدولي وضغط الرأي العام العالمي على المغرب بهدف تسوية قضية الاعتقال السياسي ..فضلا عن انتعاش جمعيات المجتمع المدني والحركة الحقوقية خاصة التي ضغطت بدورها في ذات الاتجاه ..إضافة إلى الرأي العام المغربي الذي كان متعطشا لمعرفة جزء من تاريخه الجريح والأسود والاطلاع على حجم تجاوزات السلطة.. دون نسيان تراكم تجربة الاعتقال نفسها على خلفية طول المدة والمعاناة التي منحت المعتقل أرضية خصبة ليحكي عن التجربة في شموليتها. في هذا السياق العام ستظهر نصوص اشتبك فيها السجن بالكتابة تأطرت تحت تسميات مختلفة منها:”أدب السجون”، المتخيل السجني، المحكي السجني، الكتابة السجنية، أدب الاعتقال السياسي…وما شابه ذلك. كتابات يصعب وضعها مجتمعة بجرة قلم تحت خانة” أدب السجون” مادامت أدبية الأدب تتحقق باشتراطاته عدة لم تتوفر في الكثير من الكتابات السجنية موضوع المقاربة.. كتابات تلتقي في حدها الأدنى عند جعل السجن محفزا للكتابة ..والسجن هنا بطل مضاد يصطف إلى جانب السجان. فالسجن له منطق خاص وخصوصيته نابعة من كونه يروم محو بشرية الإنسان من خلال توحيد اللباس وتجريد المعتقل من لباسه المدني فضلا عن استبدال الاسم برقم يعصف بالفرد في قاع من الغربة، إضافة إلى تعطيل كافة الحواس والرغبات كتحريم الكلام في أوقات معينة والخروج وخلوة الحب مع الزوجة بل والتجويع.. ترسانة من الأدوات اشتغلت في أفق تحطيم معنويات المعتقل السياسي. علما بأن الحرمان من الحرية يجب أن يشكل عقوبة لوحده وليس ظروف السجن المزرية.. فباستثناء هذا الحرمان يجب ضمان باقي حقوق الإنسان للسجناء قصد إعطاء المؤسسة السجنية صفة التأهيل لا مدرسة الإجرام. والجدير بالذكر هنا أن بعض الدول الديمقراطية اهتدت منذ مدة للعقوبات البديلة.. غير أن السجن في هذه الكتابة لا يقدم بكونه مجرد فضاء محايد، فهو مكون فاعل في تطور الوقائع والأحداث وكينونة المعتقل بل ومخيال المتلقي نفسه. إنه فضاء يحيل على جانب كبير من التعقيد الدرامي. يمكن هنا استحضار سلطة فضاء السجن الذي وصلت إلى حد تذكير المؤنث وهو ما اعتبرناه قتلا رمزيا للمعتقلة حيث أطلق اسم “رشيد” مثلا على فاطنة البيه في عملها “حديث العتمة”(1).وعلى خلاف فاطنة البيه هناك تجارب نساء كتبن عن التجربة من خارج السجن وان كن بشكل من الأشكال معتقلات خارج أسوار السجن باعتبارهن زوجات المعتقلين. أستحضر هنا: كتابات كرستين دور زوجة أبراهام السرفاتي وحليمة زين العابدين، وزهرة رميج وأخريات. إضافة إلى مبدعات تأثرن بفعل التعذيب والعنف وإذلال المعتقلين فوقعن روايات تمت بصلة للكتابة السجنية ..استحضر هنا رواية خديجة مروازي(2).وبالمناسبة نود هنا التوقف للتشديد على أن الكتابة السجنية ليست حكرا على المعتقل أو ذويه بقدر ما هي رأسمال رمزي لكل المغاربة حيث يمكنهم الإطلالة من شرفتها على تقرحات الوطن وأوجاعه.. قد نختلف عن زمن الكتابة السجنية و طرق عرضها والغاية من تسويقها، لكن الكتابة عن تجربة الاعتقال السياسي بالمغرب من حيث المبدأ هي ملك للجميع.. وتوقيت بعض كتابات الطاهر بنجلون(3) تدخل في هذا السياق السجالي حيث هناك من اعتبره ركب الموجة وكتب عن التجربة من خارجها. بل هناك من آخده على عدم استثمار لنفوذه ككاتب ذائع الصيت بفرنسا في الحديث عن التجربة قبل لحظة الانفراج.. لكن يلزمنا-مع ذلك- التذكير أنه توفق في استلهام روح التجربة وكتب عنها بحس الكاتب لا بوعي المؤرخ أو الشاهد على العصر. صدق فني تضافر مع تجربة اعتقال مريرة لعزيز ينبين فأنتجتا لنا عمل “تلك العتمة المبهرة” الذي منح الطاهر بن جلون جائزة “إمباك الأدبية” بدبلن سنة2001..
إن إحدى محن السجن فضلا عن سلبه الحرية، العزلة( السجن الانفرادي).ومادام السجن فضاء المتناقضات بامتياز فهو تارة منتج لعزلة المعتقل و تارة مصدر الاكتظاظ كذلك فضاء يجمع بين الفوضى والنظام، بين التدمير والتأهيل بين الضحية والجلاد كما يمكنه الإسعاف على اكتشاف الذات من جديد وفقدانها إلى الأبد. الانهيار واكتساب القدرة على مقاومة ألم التعذيب، انه عالم الأضداد بامتياز. ولعلها مفارقة وجودية كون أصغر الفضاءات(الزنازين)هي التي أنتجت أرحب التخيلات و والذكريات وأطول الاعترافات والأحلام..
إن الكتابة السجنية بالنتيجة تشمل الكتابة في السجين وعن السجن وفي الحالتين معا لا تخرج كتابة هذا الفضاء البغيض عن أفقين سرديين لا ثالث لهما: فحضوره وانكتابه إما يؤدي لخلاصة ملحمية حيث المقاومة والصمود. أو مآل مأساوي كالانتهاء إلى الجنون والموت أو الانتحار، علما بأن الكتابة في السجن اتصفت بعدم تهيئ بعض المعتقلين السياسيين للكتابة عن التجربة.. هنا لا نتحدث عن الخبرة السردية للمعتقل ولكن عن الوعي العام بوظيفة الكتابة وشروط تحققها .فالمسافة الفاصلة بين الكلمات والأحداث تقتضي معاشرة طويلة للغة كي تصير مطواعة في نقل ما يعتمل بالأحشاء. وعموما المعتقل السياسي تعود على ممارسة السياسة التي تقتضي إجماعا عاما بخلاف الكتابة كفعل فردي تحتفي في الغالب بالذات وان اختلف حجم تمجيدها من كاتب لآخر.. فإذا كانت الكتابة فاشلة في نقل التجربة فالفشل مرده للذات الكاتبة لا للغة، إذ ليس هناك لغة رديئة بقدر ما هناك مستعمل رديء للغة. في هذا الأفق يمكن تسجيل معطى مفاده أن وفرة من نصوص ” أدب السجون” انتصرت للبعد التحريضي للكتابة وطرحت بعدها الجمالي جانيا إلا فيما ندر.. وفشل الكتابة عموما يعود لرهانها على البعد الواحد. إذ كلما نوعت الكتابة من أهدافها كلما توفقت في الإقناع وبالتالي الخلود في ذاكرة الأدب والتاريخ. فالكاتب الوثائقي غير الكاتب المبدع ..صحيح جدا أن الكتابة في أحد أبعادها تتغيى التعبئة وهو حق مشروع.. لكن أدبية الأدب تتحقق بطرق عرض المادة ولغة التقديم وأسلوب التشخيص والتصوير ودقة الرصد وما شابه ذلك. إن “أدب السجون” بسبب انبناء جزء كبير منه على وقائع تاريخية صرفة يطرح علينا أسئلة محرقة من قبيل: هل توفق كتابه في صياغة ذاكرة مضادة لما هو رسمي؟ بمعنى هل نجحت محكيات السجن في تعميم الوعي بجراح المرحلة وإسقاط صفة “الطابو” عن أدب السجون؟ وكيف لكتابة تمجد الألم أن تكون ممتعة؟ وما حجم تطابق ما كتب مع الحقيقة؟ وكيف حضر الجنس والدين وكيف غابا؟ وكيف تمثلت المرأة هذه التجربة من داخل وخارج السجن؟ وما هي السجون المعنوية التي بقيت تلاحق المعتقل بعد خروجه من السجن؟ وهل حققت الكتابة عن التجربة أهدافها ونقصد بذلك الانتصار الرمزي للمعتقل إذ يكفي أنه توفق في هزم الموت داخل المعتقل(تزمامارت خصوصا) وكتب عن التجربة بقصد توضيح بشاعة السجان فهذا يمنحه صفة المنتصر ..إن تعدد هذه الأسئلة بقدر ما يحيل على ثراء المتخيل السجني يؤشر على تلك النزعة الشكية المتبقية في أعماق المعتقل وهو يكتب جرح الأسر. ترى هل حقا توفق في نقل التجربة أم لا؟.. يقول عبد اللطيف اللعبي في “مجنون الأمل” ص149:”عندما أعدت قراءة ما كتبت، دفعة واحدة شعرت بالحرج. فقد أصبح هذا السرد نفسه لغزا في عينيك. كيف كانت بداية كل هذا؟ كيف تم اختيار هذه الحالات وهذه الظروف، ورقيت، اعتباطا إلى دور عناصر بارزة كفيلة بأن تؤدي معاني أكثر من غيرها؟ أي المقاييس اعتبرت لحسم مسألة الأساسي والثانوي والموضوعي والذاتي؟(…)هل حقا استطعت أن أتجاوز مفارقة الأعمى-الرسام ،والعازف-الأصم ،والراقصة المشلولة؟ عماذا دافعت وماذا حاربت؟ أي صمت نجحت في قهره بتفجير فيضك الكلامي في جميع الاتجاهات؟ أي صورة قدمت عن نفسك؟ سذاجة ،صحو؟ عصبية، واقعية؟”(4)
في هذا الإطار سنحاول مقارب نماذج مختارة من أدب السجون المغربي بصنفين: محكي سجني مدني و محكي سجني عسكري.
1- نماذج من أدب السجون لأقصى اليسار المغربي.
كان اليسار الراديكالي المغربي سباقا لنشر محكياته السجنية من خارج وداخل المعتقل لاعتبارات موضوعية وذاتية. أما الأسباب الموضوعية فتمثلت في أن تاريخ سراح بعض رموزه اليسار كان في بحر عقد ثمانينات القرن الماضي(عبد اللطيف اللعب، عبد القادر الشاوي..نموذجين) بخلاف المعتقلين السياسيين العسكريين الذين مكثوا بمعتقل تزممارت إلى مطلع التسعينات(1991)..إضافة إلى كون ظروف اعتقال أفراد أقصى اليسار المغربي كانت “تسمح” بالكتابة بخلاف معتقلي تزممارت التي كانت ظروف العيش الآدمي منعدمة بالمطلق لديهم وبالأحرى التفكير في الكتابة إذ يكفي معرفة أن أكثر من نصف عددهم(32 على 58) لقي حتفه بالمعتقل بسبب الجوع والبرد والمرض وما شابه ذلك. أما الاعتبار الذاتي فتمثل في أن أغلب رموز اليسار الجذري كانوا متمرسين بالكتابة بمعناها الواسع.. فمنهم الشاعر والباحث والأستاذ وما إلى ذلك، بخلاف المعتقلين السياسيين العسكريين الذين استعان البعض منهم بمحترفي الكتابة أو الصحافيين على كتابة جروحهم السجنية وتجربة المفضل المغوتي(5) نموذجا على ما نروم
.
أ-“مجنون الأمل”(6) وشعرنة الاعتقال:
بداية لابد من تسجيل معطى مفاده أن “مجنون الأمل” عمل مترجم من الفرنسية إلى العربية. ونحن نعلم أن جزءا كبيرا من جيل الستينات بالمغرب لم يجد أمامهم سوى اللغة الفرنسية للتعبير عن ذاته بها وهذه إحدى نتائج الاستعمار الفرنسي الذي قضى بالمغرب حوالي نصف قرن إلى حدود سنة 1956 .والترجمة هنا تعني أن العمل فقد الكثير من توهجه لاسيما إذا علمنا دخول طرف ثان على خط الترجمة وهو الأستاذ علي تزلكاد رفقة المؤلف نفسه. ومع ذلك فالصفة الأدبية للمؤلف(شاعر) لعبت دورا حاسما في تنويع خطابات العمل حيث جعل منه حوضا تخييليا ولسانيا استضاف سجلات لغوية متنوعة وأجناسا أدبية مختلفة كالسيرة الذاتية والقصيدة والشهادة وما شابه ذلك ..أمر جعل العمل أشبه بجامع النص بتوصيف جيرار جنيت. فالشاعر عبد اللطيف اللعبي وهو يكتب محكياته كان مدركا تماما أن التخييل مستوى لعبي في الكتابة بخلاف الشهادة ككتابة مرجعية ولذلك وهو يكتب كان يحاول الإجابة عمليا على السؤال الإشكالي التالي: “ما هو الشيء الروائي في تجربة الاعتقال؟ والإجابة عن هذا الإشكال تمر بالضرورة من خلال الاطلاع على التجارب العالمية للاهتداء إلى أن روائية العمل تتأسس على الأحداث والوقائع المركبة التي تنمو وتكبر وتتعقد بموازاة صوت الجماعة خلافا للقصيدة التي تقتصر في الغالب على صوت الذات.. ولهذه الغاية كان الكاتب يمسرح ذاته ويجعلها ذاتا مضاعفة وذلك بإسنادها ضمير المخاطب.. مع استدعائه المتواتر للمرأة إما من خلال الرسائل أو عبر فعل التذكر إذ أن حضورها كفيل بشحن الخطاب السردي بطاقة شعرية ..والمرأة عند عبد اللطيف اللعبي متعددة الأوجه إن لم نقل أنها الحياة بشتى تجلياتها وذات أخرى تسعف على إعادة اكتشاف الذات. علما بأتها حضرت في أحيان أخرى كوسيط لتقديم نقد ذاتي للرؤية الذكورية المعطوبة كما في النموذج التالي ص55:”محكوم عليكن من قبل محكمة الذكور-ممتصي الدماء، وتجارة الجنس الضاربة في أقدم العصور. ها أنتن تطلعن من غمرة المجهول والسياط ومؤامرات ليلات القدر. سلطة القوة الوحشية. الإبادة الانتقامية. الإرهاب المنصب شريعة بشرية.” ..غير أن اللافت للانتباه في هذه التجربة هو اشتغال الكاتب المطرد على شعرية المفارقة حيث جمع في الكثير من ممراته الحكائية بين المتنائي وقرب المتباعد كجمعه بين الضعف الإنساني والقوة ،بين الألفة والوحدة، بين الماضي والحاضر وان كان ينتصر للمستقبل والأمل وهو أمر واضح منذ عنوان العمل “مجنون الأمل” يقول في ص44:”هنا والآن، تشغلني أمور أخرى أكثر من مجرد الشهادة، أفكر في كل شهداء التاريخ، الماضي منه والآتي. أقصد البطولة والفجيعة المجهولتين، أينما كان الرهان هو الدفاع عن الأمل، كيفما كانت درجة واقعيته أو طوباويته هذا الدفاع.”.. وتتضح شعرية المفارقة أكثر لحظة انخراط المعتقلين في نوبات ومسلسلات ضحك مثيرة للاستغراب. صحيح أن الضحك شيء بدائي وجد منذ كان الإنسان.. لكنه في هذا السياق عد آلية دفاعية به يتم تقليل الضغط وحدة الألم كما يزيل التوتر ويمنح القدرة على الاسترخاء وان كانت مجتمعنا المغربي يخاف من الضحك لأنه تربى على أن الحزن هو القاعدة والفرح استثناء. وعلى حد المقولة المغربية الشائعة”الله “يدوز/يمرر” هذا الضحك على خير”.. غير انه هناك من اعتبر الضحك مضادا حيويا ضد الشيخوخة وفعلا يديم الشباب.. لنتأمل هذه القرينة النصية ص61:”لماذا يضحك السجناء أكثر من غيرهم ؟ضحك صادق، عميق،تام. قهقهة ملء الأشداق. وكل أنواع الضحك. الضحك أسلوب من أساليب تلك الوقاية المفرطة التي تجعل البعض يغتسلون مرتين أو ثلاثا في اليوم. كما لو أن الماء أو الضحك مطهرات صالحة لتضميد الجراح التي تغطي جسد السجين. كما لو أن هذا الخير يعبر بذلك عن شعوره الحاد بالتفاهة التي تسير العالم، والبهلوانية التي يتخذ منها النظام قناعا له.”
وبالعودة إلى مفتتح هذا المحكي السجني صادفنا قصيدة شعرية وهي تعطي فكرة جزئية عن هوية العمل ككل، حيث قال في مستهل عمله هذا:
“هل ينتفي المنفى
وعلى الأيدي حروف الانتظار
الفرحة أوردة مفتوحة
والطواف الذي لا يكف امتداده
إلى أقصى ردهات الحلم”
قصيدة متبوعة برصد دقيق للحظة الخروج وهو سراح منقوص على كل حال بسبب جراح الأعماق التي خلفتها سنوات الاعتقال دون ذكر ملابسات لحظة الخروج نفسها حيث وهو يجمع أغراضه ولباسه المدني قصد معانقة الحياة والحرية كان عليه أن يمر في طريقه إلى باب السجن الكبير بحي المحكومين بالإعدام وحي العزلة. .حيثيات كثيرة جعلت لحظة السراح معجونة بطعم البقاء داخل السجن. يقول في ص21″هذه الحياة التي أترك خلفي والتي سيكون مستحيلا علي الانفصال عنها. بعد كل هذه السنوات ،أن يصبح المرء حرا من جديد ،هذه الحرية المبتذلة، التي نعرف كم هي مهددة وجزئية، و…ولكنها حرية عادية رغم كل شيء، تلك التي نقتسمها ببساطة وسط التعسف، والبؤس اليومي، والخطابات المشوهة، ومنظر العجز وقمع كل قوة حية كلما شكلت أدنى تهديد”.
إن عبد اللطيف اللعبي بجمعه التخييلي بالتاريخي والسيرذاتي بالروائي إلى جانب النفحة الشعرية يكون قد خلص محكياته السجنية من عري الشهادة ..إذ أن مجمل الفصول استثمرت حوارات داخلية منوعة من مرئيات الذات المتلفظة التي زاوجت بين مشاهد من خارج السجن وداخله وكأني بعبد اللطيف اللعبي وعى مبكرا أن المحكي السجني تلزمه رئة إضافية ليضمن مواصلة المتلقي قراءة منجزه إضافية لقدرته هو على إتمام سرد تقرحاته.. علما بأن المتوقع هو حكي اللعبي تجربته السجنية على خلفية نظرية الانعكاس وهو المنتسب لأقصى اليسار الذي تبنى مبكرا القراءة الماركسية للأدب، لكن العكس هو ما وقع إذ أن الكاتب ظل وفيا لهويته الإبداعية كشاعر فتوفق في تكسير خطية الأحداث ونوع من سجلات الخطاب واعتمد على وفرة من الأجناس الأدبية المجاورة كالرسائل والقصائد واليوميات كما سيمر معنا في هذه القرائن النصية حيث توسل أحلام اليقظة للفرار من جحيم العزلة ونار الصمت والاعتقال..ممنيا النفس بالطيران بحرية مطلقة.. ولتطعيم جفاء محكياته السجنية استدعى أحد رموز الأسطورة الإغريقية “ايكار” في الممر السردي التالي.ص30:”كم من مرة حلمت بهذا السفر، أحلام حقيقية. بدون سيارة و لا طائرة. ذلك في فترة لم يكن للبشر إلا قوة خيالهم، حيث حاجتهم لاكتشاف أسرار العالم كانت تودي بحياتهم.. كنت في جسد “ايكار” وقد تحقق حلمه. أجنحتك غير المعدنية تسعفك في مغادرة قلعة المنفى. تهرب هكذا من النافدة لزنزانتك.”
نخلص من قراءة هذه التجربة إلى أنها حشدت وفرة من السجلات اللغوية و الجنيسات الأدبية مضفية نكهة روائية على “شهادة” المعتقل حيث حضرت النوادر(ص82)والأناشيد الثورية(ص94)ورسائل الحب(ص69/71) وقصص الأطفال، حكاية الفتاة التي تحولت إلى شمس وان كانت بطلة الحكاية تتماهى تماما مع شخصية سعيدة المنبهي التي توفت بالمعتقل على خلفية إضرابها عن الطعام احتجاجا على التعنيف وسوء المعاملة(ص100/ص106)فضلا عن تشخيصه للمحاكمات بنفس ساخر(ص116)مع عودته للطفولة في الفصل ما قبل الأخيرة(ص128 وما بعدها) .وعموما عملت هذه الوسائط التبالغية على تكسير خطية “الشهادة” وتجنبتها نغمة التباكي على ما حدث وتجاوز مرثيات أدب السجون المستهلكة.إذ بالعودة إلى (ص67)نجد تصور الكاتب للكتابة السجنية حيث قال: “رفضت دائما أن تكون موظف الكتابة، أن تعزم على هلوساتك وحدها، لأنك لم تفكر أبدا في أن تسجن نفسك في مخدع الاعتراف لتعيد تركيب مشاهد خيالات ظل جحيمك. أن تكتب، حتى عندما كنت تحس أن صوتك يرتفع فوق كل الأصوات الأخرى، كان بمثابة سلخ أمام الملأ، امتحان بالنار. كنت تعيشه، تمارسه مع الآخرين. كان دم وعرق اشتياق المجهولين هو البخور الذي ينبعث دخانه من دماغك المتمرد ويتيح ل”شيطان الشعر” أن يستنطق صوتك.”
ب-»كان وأخواتها»(7)الذاكرة الموجوعة ورهان تنويع سجلات اللغة .
افتتحت محكيات «كان وأخواتها» بزمن الطفولة والصبا الذي اقترن في ذاكرة الكاتب بالاستعمار الاسباني.. ولهذا جاءت مروياته ملتاعة ومرة تماما خلافا لأزمنة الطفولة المنعشة للذاكرة والوجدان في باقي المحكيات السجنية الأخرى.. ومع ذلك عمل الكاتب على اعتصار ذاكرته بنية بعثرة قبضة السجن واستعادة حريته ولو رمزيا.. ربما لوعيه أن كل فرد بدون ذاكرة يعتبر من الوجهة النفسية إنسانا مخصيا رمزيا، غير أن التذكر الملتاع سرعان ما انسحب ليفسح المجال أمام فاجعة الاعتقال والظروف المصاحبة لها، بدءا بالاختطاف مرورا بالتعذيب فالاستنطاق وما شابه ذلك بدرب مولاي الشريف لمدة فاقت سبعة أشهر.. وكان حدث الاعتقال فرصة مواتية للكاتب كي يستدعي وفرة من السجلات اللغوية ومنها لغة الإعلام الرسمي الموسومة بنبرتها الإنشائية والمعجم الجاهز.. وذلك باستحضاره لتعليقات الإذاعة على هوية وأهداف التنظيم السري موضوع المتابعة.. وعلى خلاف هذا السجل اللغوي جاء الفصل الثاني مشبعا بالبوح والتصريح والاعتراف بحالة عشق جارفة تلبست وجدان المعتقل، حيث يمكننا اعتبار الفصل الثاني دون مبالغة قصيدة غزلية في حق رفيقته الحميمة والتي أضحت وطنا بديلا عن الوطن. ولتبين هذه الأجواء نقترح النموذجين التاليين. يقول الكاتب ص 70:»كيف لي أن أنسى بعد اليوم أني وشمت صدري بنبضك، وأشهد أني زرعت فيك ولادتي كما زرعت في ميلادي، وكيف أنسى أن لي بعد اليوم موطنا عريقا فيك يأوي الممنوع والمرغوب والمشتهى «، ثم يضيف قائلا بالصفحة 82:»..ولو كان لي أن أقول بعض الكلام الصامت لقلت بدون تردد: أريدك. إلا أن الكلام تتزاحم فيه الاعتراضات. وبهذا أعترف لك بعجزي وشهوتي وتناقضاتي ومكبوتاتي وحدودي وفواجعي…»
في الفصل الثالث غير الكاتب من لغته السردية بشكل كلي جراء اعتماده تقارير المحكمة ومحاضر الضابطة القضائية معتمدا لغة القانون الدقيقة. وكانت الفرصة مواتية لرصد تجاذبات القضاة وهيأة الدفاع على خلفية المحاكمات المراطونية دون أن ننسى توظيفه للغة البيانات والنداءات المتداولة داخل السجن ومنها بيان الجمعية المغربية لحقوق الإنسان حول الخروقات الممارسة في حق المعتقلين(سوء التغذية، ندرة الدواء وما شابه ذلك).
وتجدر الإشارة في هذا السياق الى أن الكاتب أسقط عنوة الفصل الرابع، حيث مر مباشر للفصل الخامس وكأني به استعجل إخبار القراء بصدور الحكم بإدانة جميع المتهمين بدون استثناء ..فكانت الفرصة مواتية مرة ثانية لعودته إلى بلدة الصبا وقرية مسقط الرأس عله يقلل من صدمة الحكم مستدعيا بعض النتف الشعرية والرسائل التي ذيل بها محكياته، حيث صادفنا بعضا من رسائل رفقاء محنة الاعتقال ورسائل زوجته آنذاك (ليلى الشافعي)الموقعة بتاريخ1984.رسائل ناقشت القيمة الفنية لمحكيات المعتقل فضلا عن قيمتها العملية. تقول ليلى الشافعي في إحدى الرسائل ص178:»ما عساي أقول فيك وفي «كان وأخواتها» يا شين؟ هي صرخة أم طلقة أو زغرودة عاشق في ليل طويل؟ أهي رواية أم سيرة ذاتية أم قصيدة؟ شيء واحد أعرفه جيدا، هو أنها مقطرة من جراحك الغائرة،ولأنها كذلك، فقد احتوت كل الأجناس وأعتق المشاعر»(…)»ف “كان وأخواتها” شهادة من جيل سقط بين دفتي الرحى، وكان عليه أن يطحن وحده، ويخوض في المعاناة بمفرده ويصارع الجبروت أعزل إلا من إيمانه.»
إن محكيات «كان وأخواتها» وهي تمسرح سيرة صاحبها كانت ضمنيا تشخص أعطاب مرحلة بكاملها من تاريخ المغرب الحديث وتكشف مكبوتها الجمعي.. والمكبوت هنا ليس بالضرورة جنسي بقدر ما هو سياسي واجتماعي وثقافي. أي كل تلك المبعدات التي بقيت عالقة باللاوعي الجمعي رغم تغييبها ومنها المؤسسة السجنية وما تختزله من رمزية مؤسسة… وان كانت تبنى بعيدا عن الأنظار وتزرع في ضواحي المدن لإبعادها عن وعي ولا وعي المواطن، فإن الكتابة تتوفق أحيانا في قول المسكوت عنها وجعلها شاخصة للعيان ..
ت- جرح الاعتقال بصيغة المؤنث
افتتحت فاطنة البيه محكيها السجني «حديث العتمة»(8)بفعل الاختطاف الذي أرجعها لسبي النساء في «ألف ليلة وليلة» و كأني بالتاريخ العربي ظل جامدا ومغمسا تماما في الوحشية و إهانة كرامة الإنسان.. ولعل ما زاد من تعميق شعورها بالمنفى هو محو هويتها الجنسية داخل المعتقل .تقول في ص15:»أنت من الآن اسمك»رشيد»…ما تحركي ما تتكلمي إلا إذا سمعت «رشيد» كانت هذه هي بداية محو الهوية. الاختطاف والاعتقال التعسفي، ثم محو الأنوثة بالتعامل معي كرجل.» وضع جعل المعتقلة تتحين الفرصة للإفصاح عن هويتها الجنسية الحقيقية وتستعيدها بفرحة طفل فقد أمه ولقيها بعد طول غياب. تقول في ص26:»فوجئ قاضي التحقيق حين سألني عن اسمي فأجبته بالقسم مؤكدة أنني انأ فاطنة لبيه. لا أعتقد انه يستطيع فهم فرحتي العارمة باستعادة اسمي وأنثاي الضائعة».
غير أن اللافت للانتباه في هذا المحكي السجني هو تأنيث صاحبته لعالم الكتابة بشكل متطرف.. ويتضح ذلك من داخل وخارج العمل ،فيكفي ملاحظة أن صاحبة لوحة الغلاف امرأة. الشخصيات المهدى لهن العمل نساء(مليكة، ربيعة، حياة، وداد…)صاحبة تقديم العمل امرأة(فاطمة الزهراء ازرويل)الأستاذة المشرفة على البحث امرأة(فاطمة المرنيسي/ص62)بل حتى عندما تشغل المعتقلة جهاز التذكر لا تجد سوى النساء:(سعيدة المنبهي نموذجا)..ويكاد الرجل لا يحضر إلا من شرفة الأب الذي يزور ابنته بين الفينة والأخرى.. وغياب الرجل من حياة المعتقلة عاينها بشكل معكوس في بعض محكيات المعتقلين العسكريين خصوصا (تجربة أحمد المرزوقي نموذجا)..ترى هل هي ردة فعل لاواعية من طرف المعتقلة تجاه قتلها الرمزي من جهة الرجال (المختطف ،المعذب ،الجلاد …) ومحاولة رد الاعتبار لأنوثتها على اعتبار أن الإنسان بطبعه يعمل دوما على إحاطة هويته بهالة من العظمة والتقديس ؟أم أن الكاتبة كانت تعمل جاهدة بوعي على تحويل موضوع الرغبة من الرجل إلى قضية العيش بكرامة وحرية بنية إظهار صلابة المعتقلة.. ترى هل أمر إقصاء الرجل من عالم الكتابة والتذكر في المحكيات النسائية السجنية ردة فعل أم هو محاولة لإثبات بطولة من نوع خاص؟ إن هذه الأسئلة تجد مبررها في ردات فعل المعتقلات وهن متوجهات للمحاكمة حيث كان الجلادون يمعنون في تحويلهن لرجال بوضع الأصفاد في أيدهن فكانت النساء لا تفكرن إلا في ما بعد الحكم …وبالمقابل يمكن فهم محو الرجل لأنوثة المرأة بخوفه الأسطوري غير المبرر من الأنثى والتي ترسخت في لاوعيه من خلال عدة رموز تاريخية وأسطورية أقربها عائشة «قنديشة»التي تختطف الرجال تحت جنح الظلام وتفتك بهم في خلوة قاتلة حسب الخرافة الشعبية. وعموما الموقف الذكوري من المرأة اتسم على الدوام بالتناقض، والتأرجح بين الانجذاب والنفور، بين الافتتان والعداء.. وإن طغى عليه تأنيث الشر كما في المرويات الشعبية(حديدان الحرامي والغولة)..أوفي الأساطير الكونية « علبة البندورا» نموذجا دون ذكر خطيئة حواء في قصة الخلق…لنتأمل القرينة النصية التالية ص57:» أحكم أحدهم إغلاق القيد على معصميها النحيفين، نظرت إليه باستغراب وعلقت: إنك تخرق القانون بما تفعل، لم يسبق لي أن رأيت نساء بالأصفاد في المحاكم، أولا تكفي بقية القيود؟ أجاب بتهكم: أنت الآن في عرفنا رجل، ولذلك يصدق عليك ما يصدق عليه، صحيح أننا لا نضع أصفادا على معاصم السجينات، ولكن أنت لا مكان لك بينهن، لا مكان لك بينهن، لا مكان لك في عالم النساء.. كانت تغني مع رفاقها في السيارة بنشوة غريبة، وكانت تضحك من تسابق السيارة مع الريح…»
إن المعتقلة بسبب تعرضها لمحو أنوثتها وجدت نفسها مضطرة لتوظيف السخرية بشقيها «سخرية الموقف والسخرية اللفظية وذلك للتصعيد من مفارقة الخوف منها بدل الخوف عليها. ففي سياق مرافعة المحامي قصد انتزاع البراءة.. تلبس خطابة سخرية الموقف التي ضحكت من الواقع المبكي واستهزأت من سياق المحاكمة برمتها.. فالسخرية عموما تبقى كأداة مقاومة تحمي الساخر والمتواطئ معه من السقوط في هاوية الاستسلام والضعف. لنعد إلى القرينة التالية.ص58:»سيدي أرجوكم سيدي الرئيس أن تتأملوا هذه الذراع النحيفة، هل يخشى عليها أو منها؟ هل تستطيع أن تسقط نظاما؟ ما أصغرها وما أكبر التهمة، لا يوجد بحوزتها، أو على الأصح محجوزاتها، والدلائل ضدها كلها كتب تباع في السوق، وأفكار وأحلام راودتها.»
تبقى الإشارة هنا إلى أن هذا المحكي السجني تكتم على الوجه العاطفي للمرأة وتبرم عن استحضار الرجل في حياتها الخاصة ولو من شرفة التذكر، ربما مبالغة في العفة، ربما خوفا من تعرية الذات والاعتراف بنقط الضعف البشري التي تضفي سحرا آسرا وتشكل حافزا إضافيا لمعرفة ذاك الكائن المجهول المسمى «إنسانا».. ومسألة التكتم وانتقائية الأحداث المروية في السير المغربية تشترك فيها المرأة كما الرجل ..غير أن مفارقة الرجل في هذا المحكي بالذات هي أنه وإن كان قد أخذ صفة السيد على المرأة، فهو ظل عبدا لرجل آخر(المعلم والحاج/الجلاد)..واشترك الجلادون في صفة عبيد الرغبة لحظة تحرشهم بالمعتقلات..

الاتحاد الاشتراكي

محمد رمصيص