الرئيسية / أرشيف الوسم : روايات ادب السجون

أرشيف الوسم : روايات ادب السجون

السردية الأدبية للتجربة السجنية في تونس: الذاتي والجمالي وسؤال الحقيقة

ينتهي السّجن في تعريفه الاصطلاحي إلى كونه “مؤسسة تنفيذ عقاب” بما يعني أنه إحدى الوسائل التي تعتمدها السلطة لممارسة جانب من العنف المنظم الذي تحتكر وحدها صلاحياته. بعيدا عن هذا التعريف، يظهر السجن في تصور علاقته بالسجين فضاء تثبيت على الأجساد حالات الانضباط والخضوع. تنتج السلطة به وداخله حكم القانون في سياق ممارسة قمعية. يستحيل هنا ما كان أداة الى سلطة أكبر من السلطة التي أنتجته كهيئة ليخدمها وتُحيلنا  المقاربة “المفهومية” للسّجن في بُعدها الإشكالي هذا إلى السؤال حول رسومه في ذّاكرة من كانوا داخله محكومين بقانونه.

تحضر سردية السّجن جانبا من حياتنا اليومية عبر بوابة أمثالنا الشعبية أو في التصنيفات الاجتماعية للسّجناء ولكنها سردية وصم اجتماعي لا تقدم صورة عن داخل السجن بقدر ما تحاكم من كان فيه. ويرسم الفن الشعبي صورا متعددة لذاكرة السّجن تكشف لحدّ ما عن نواميس الحياة اليومية لمساجين الحق العام داخله، ولكنها تخرج من محيط ذاكرته سريعا لحديث العاطفة. تكون في محامل أخرى نصوص السجناء السياسيين أكثر إلصاقا بذاكرة المكان تلازم في فصولها وقع أيامه على فكر وجسد من كتبها. تستحيل هنا الكتابة الإبداعية للسجناء السياسيين فعل رصد لارتدادات التّجربة السّجنية على نفس السّجين، كما هي إضاءة واعية على عوالم أخرى يحددها الزمان والمكان بكل ما فيهما من تفاصيل. فتكون في عمومها وثيقة تصلح أن تدرس في سياق مسارات العدالة الانتقالية للسؤال عن الحقيقة أولا وعن دور الذاكرة في علاجات جراح الماضي.

طوّرت الثورة وما ساد بفضلها من حريات عدد الأعمال الأدبية في شتى تنويعاتها الأجناسية من رواية ورواية سيرة ذاتية أو سيرة ذاتية روائية وسيرة ذاتية وتخييل ذاتي والتي تتخذ من السجن موضوعا لمتونها الحكائية. ويجيز هذا القول بكون “أدب السجون التونسي” بات يتميز بالثراء على حداثته وأن ثراءه يعود في جانب منه للحراك السياسي الذي يفرض دوما السؤال حول تاريخ الاستبداد.

يكون مدخل محاولتنا البحث عن الذاكرة كما العدالة في النص الأدبي تقديم قراءة خارجية للمشترك بين مختلف نصوصه لننتهي إلى قراءة خصوصية لنصوص نقدر أنها تصلح أن تكون عينة ممثلة لتنوعه سواء في بعده الإبداعي أو التاريخي.

1- المشترك في كتابات أدب السجون:

يظهر هذا المشترك في زمن النص كما يعاود الظهور في علاقة النص بالكاتب كما يفرض الوعاء الأدبي أن تكون التقنيات الإبداعية المتمثلة في التخيل مشتركا يقفز على الحاضر ليصل الماضي بالمستقبل.

الزمن في النص:

ترصد التّجربة السّجنية في النّص الروائي ثلاث محطات زمنية تبدو ظاهريا مستقلة عن بعضها البعض إلا أنّها في الحقيقة تتصل فيما بينها وهي:

أولا: فترة ما قبل الاعتقال، وتحوي ممارسات المناضل السياسي في معارضة السلطة الحاكمة.

ثانيا: فترة الاعتقال، وهي عمق التجربة السجنية إذ تكشف عن الوجه القمعي للنظام الاستبدادي وتعري ممارساته تحقيقا مع السّجناء وتعذيبا لهم معنويا وماديا.

ثالثا: فترة ما بعد الاعتقال وتمثل ظاهرا مرحلة استعادة السجين لحريته التي سلبها منه السجن واكتشافه أنه يحمل السجن داخله حيثما انتقل في الزمان والمكان. إذ يكتشف الراوي بمناسبته أنه خرج من سجن ضيق إلى سجن أوسع تتضخم فيه صور معاناته النفسية والجسدية.

العلاقة بالذات:

تستذكر النصوص على تعددها باعتبار ما توثق من أحداث، “التجربة” بتفاصيلها ويكون فيها انتماء الكاتب لنصه والبعد المتشنج لعلاقته بذاكرته سببا في طغيان سيرة الأنا على فهم الآخر وبما يجوز معه الحديث عن كونها نصوص ذاكرة سجنية نضالية توثّق لأشكال نضال السجين السياسي في مواجهة المستبدّ وفعل بحث عن ذاته في علاقتها بأبعادها الوجودية المتباينة. فالذّات هي صاحبة التّجربة وهي الأنا المتعددة فهي مدار الحكي وهي بؤرة السّرد والأحداث.

المحمل الإبداعي: التخيل أو التقنية الطاغية

يظهر التخيل والاستذكار من العلامات المميزة لمختلف نصوص أدب السجون. وتستجيب تلك التقنية السردية للانزياح في معناه اللغوي والجمالي والدلالي لتسم النّص بسمة الأدبية فضلا عن اقترانه بالمحسّنات اللغوية والبلاغية التي تجعل المتلقي يتأثّر لنفسية الكاتب وحالته. فالخيال المتولد يمارس تأثيره على الواقع المعطى فيتمثّله وينقله من دلالة إلى أخرى. ونلاحظ هنا أن جدلية التّعالق بين الميثاقين المرجعي والتخيلي تصنع تزاوجا متميزا بين صدقية الرواية وفعل المخيال الأدبي ثمرته وثيقة إبداعية فيها تسجيلات للحياة المنقضية في الزمان والمكان حرره الإبداع كما الذات من سطوة التاريخ وقوانينه. وتظهر هنا محاولة استكشاف لنصوص من هذه التجارب المناسبة الممكنة لبحث هذه الخصوصية.

2- سجن واحد ورواريات متعددة: الكتابة تحرر والتحرر إبداع والإبداع عدالة

يعدّ “نص برج الرومي أبواب الموت” لسمير ساسي الذي نشر سنة 2003 من النصوص المؤسسة لأدب السجون التونسي الناطق باللغة العربية، بما يفرض أن يكون ضمن العينة التي نقترح الوقوف عندها. فيما يظهر نص “الحبس كذّاب والحي يروّح: ورقات من دفاتر اليسار في الزّمن البورقيبي” لكاتبه فتحي بلحاج يحيي ونشر في 2011 من النصوص المتميزة لجهة أنه من النصوص القليلة التي توثق لتجربة “اليسار” في السجون واعتبارا لكونه من أول النصوص التي عملت على تجاوز الذاتي في الحديث عن المعاناة بحثا عن القيمة الإنسانية  الجامعة. ونقدر أيضا أن نص الثقب الأسود للشاعر عبد اللطيف العلوي الذي نشر سنة 2017 لا يمكن أن يغيب عن الرصد بالنظر لكون من صاغه يعرف كأديب قبل أن يكون سجينا سياسيا.

تمثل هذه النّصوص في المقام الأول الهوية السردية لكتّابها الذين ارتأوا أن يتقاسموا تجاربهم مع الآخر في عملية تطهّر من عبئها على ذواتهم ، وهي بالتالي  نوع من “العدالة الإبداعية  ” التّي تتحقّق داخل النّص بجعل هذه المعركة التي طرفاها الضحية والسّجان تنتصر سرديا.

بعيدا عن هذه السمة المشتركة يطرح السؤال كيف وقع تمثّل عدد من كتّاب الرواية التّونسية المعاصرة للتجربة السّجنية؟ كيف تمّت إعادة تشكيل التجربة السّجنية وتحويلها من تجربة نفس إلى تجربة نص؟ ما هي دوافع اختيارهم للكتابة الروائية السير ذاتية أو كتابة التّخييل الذّاتي؟

لا يسمح المجال لتعميق البحث عن جواب للتساؤل، لكن أهمية البحث تغري بتقديم ملاحظات حول النصوص على النحو الآتي:

فيما تعلق برواية “برج الرومي” لسمير ساسي:

كُتِبت برج الرومي زمن محنة السّجن حيث وظف كاتبها كل التّقنيات الأدبية والفنية معتمدا أسلوب التعمية كي لا يفقهها الجلاد فيصادرها. وقد أرادها منجزا أدبيا فنيّا في المقام الأول فضلا عن توظيفه للتعريف بقضية المحنة وتفاصيلها وتحسين القبيح وفظاعة التّعذيب في السّجون التّونسية. ووظف الكاتب في صياغته جملة من الإحالات الممكنة التي يؤشر انخراطها ضمن مشروع تنديدي بحجم المعاناة. وقد مثّلت مقاربة سردية سير ذاتية تعالق فيها المرجعان الواقعي والتّخييلي.

فيما تعلق برواية “الثّقب الأسود” لعبد اللطيف العلوي:

هي مقاربة روائية على قدر من الاختلاف عن نصّ المدونة الأول. فهذه السّردية منخرطة في حوارية داخلية تتخذ من مرجعية السّجن وسياقاته تعبيرا فنيا عن محنة التسعينات. وتشكّل السير الذاتية عوالم متباينة تجعل من الأنا مدارا ومدى في قوتها وهشاشتها وانتصاراتها وانكساراتها. يتجاوز الكاتب الكتابات التي اتّخذت من بيبلوغرافيا التعذيب ومراكمة الشهادات حول الذّات المعتقلة إلى مقاربة تتجاوز السجن إلى تجربة إنسانية أرحب تتوازى فيها التيمات وتتعالق فنجد حكاية عن الحب وأخرى عن الصداقة وثالثة عن المرأة ورابعة عن السجن وقمع السلطة وقتلها لمواطنيها واقعا ورمزا.

فيما تعلق بنص “الحبس كذّاب والحي يروح” لفتحي بلحاج يحيي:

هو مقاربة سير ذاتية أخرى منخرطة في حساسية إيديولوجية مختلفة ضمن مشروع تنديدي يشهر بممارسات النظام السياسي البورقيبي ضد المعارضة السياسية وتحديدا اليسار التونسي في ثمانينات القرن الماضي. فهي حوارية ذاتية أيضا تتجاوز مجال الذّات وفردانية تجربتها ومرجعيتها الفكرية إلى تجربة جماعية بمعناها المادي والفكري. وتكمن أهمية هذه الحوارية في انفتاحها على عالم السّجن من خلال ثقافته السّجنية وكيفية تمثّلها من الفرد ومعايشتها والتكيّف معها. حيث يبرز هذا النسق الثقافي الجديد بين وجوب التكيّف معه واختيارات الفرد التي يعيشها بين واقعه المرجعي وتوجهاته النضالية التي يدافع عنها.

تكشف هذه الإطلالة على أدب السجون أنه توثيق من نوع خاص “لتجربة الاستبداد”، فيها تجاوز للألم في منحى إبداعي، كما تبين أنه يصلح أن يكون عنوانا للمصالحة بين أنا الضحية وماضيها وبين القارئ الحر ومن كان سجينا. ويستدعي استثمار هذه النصوص في التأسيس لعدالة انتقالية لا ينتهي مسارها بفعل نهاية عهدة المؤسسات فعل حفر معرفي عليها يرصد الإبداع في ذات محاولته استقراء التاريخ. ويبحث في ذاكرة سلبية أليمة عن فكرة  إيجابية تحول دون تكرار الانتهاكات وترفع كل أشكال الرقابة على الكتابة لتحقيق “العدالة الإبداعية” التي يجب أن تتواصل وتتقدم في هذا الإطار. وقد تحقق الكتابة في ثناياها المساءلة والمصالحة فتقع معاقبة الجلاد داخل النص ويكون البحث عن الذات والهوية عبر مسار الكتابة لتحقيق التّطهر.

  • نشر هذا المقال في العدد 16 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |.


 جيل دلوز المعرفة والسلطة مدخل لقراءة فوكو ترجمة سالم يفوت( ضمن الفصل الثاني) (راجع القسم الرابع الفصلان الاول والثاني للوقوف على الكيفية التي يفرض السّجن نفسه  مرحلة ثانية مرتبطة أوثق الارتباط بالقانون الجنائي من اجل انتاج الجنوح او تشكيل الجنوح موضوعا “

ص 223/249/251

يعد  نص ” كريستال”  أول ما كتب بأدب السجون التونسي عموما .  ويعد بالتالي  كاتبه جلبار النقاش  الأب المؤسس لتلك الكتابة .ذاك التأسيس الذي بين أنه لم يكن سبب قمعه بل كان قمعه وسجنه من دفعه له .  كتب جلبار حكايته  خلال محنة سجنة وكانت لفائف علب السجائر الورق الذي حفظ “النص”  الذي صاغه فسماه باسم علامتها التجارية . نشر كريستال ثمانينات القرن الماضي في صيغته الأصلية التي كانت باللغة الفرنسية ولكنه لم ينشر في ترجمة عربية إلا سنة 2018 .

       ساسي (سمير): رواية برج الرومي :أبواب الموت  ، منشورات كارم الشّريف، تونس ط1 2011   [3]

                العلوي (عبد اللطيف) : الثقب الاسود ، الثقافية للنشر و التوزيع ،تونس ط 1 2017  [4]

  بن الحاج يحيي (فتحي) : الحبس كذاب ….و الحي يروح “ورقات من دفاتر اليسار في الزمن البورقيبي ، تونس، كلمات عابرة  ،ط2 ،2009.

رواية القوقعة -الحلقة الثالثة مصطفى خليفة

22 شباط

فتح الشرطة باب المهجع ودخلوا بطريقة وكأن مائة ثور هائج قد دخل هذا المكان، الصياح، الضرب بالكرابيج، الشتم، وبين شتيمة ولسعة كرباج يصرخون:

– وجهك عـ الحيط .. وجهك عـ الحيط ..

منذ دخول أول شرطي بهذه الطريقة قفز السجناء وأداروا وجههم إلى الحائط، وقفت لا أدري ما افعل.. صحوت على الكرباج يهوي على خدي ويلتف على رقبتي من الخلف والشرطي يصيح:

– وجهك عـ الحيط !

– أدرت وجهي، تخشبت وسيخ الألم يمتد من وجهي إلى رقبتي، بعدما ما يقرب الخمس دقائق خيم الصمت.

إنه المقدم مدير السجن. أخد يتمشى من أول المهجع إلى آخره بين صفين من عناصر الشرطة الواقفين وقفة استعداد عسكرية.

صوت طلقات مسدس متتابعة، انكمشت على نفسي لدى سماعها وخبأت رأسي أمام صدري، وبسرعة فائقة خرج المقدم يسحب وراءه رتلاً من عناصر الشرطة وأغلق الباب.

أربعة عشر قتيلاً بأربع عشرة طلقة هي كل مايحويها مخزن مسدس المقدم على ما يبدو. ركض الأطباء وبينهم زاهي إلى زاوية المهجع حيث القتلى، فحصوهم جميعاً، الكل ماتوا فوراً، ومكان دخول الرصاصة واحد لدى الجميع في الرأس من الخلف، سحبوهم إلى وسط المهجع، تجمعت بركة من الدماء الطازجة وجلس البعض حولها يبكون، الأغلبية جامدة مذهولة، الأطباء في حالة حيرة لايعرفون ما يفعلون، وقف واحد من فرقة الفدائيين، قال:

– لاحول ولاقوة الا بالله … انّا لله وإنّا اليه راجعون، عليهم رحمة الله، هم السابقون ونحن اللاحقون، اللهم أسكنهم فسيح جنانك، اللهم هؤلاء شهداء في سبيل إعلاء كلمتك، كلمة الحق، فارحمهم أنت الرحيم الغفور.

بعد خروج مدير السجن وزمرته أغلق أحدهم الباب بقوة شديدة، فسقطت قطعة من الإسمنت بجانب الباب، أي بجوار المكان الذي أنام فيه. وتركت ثقباً يمكّنني من النظر إلى الساحة. أعدت قطعة الإسمنت إلى مكانها، وكلما أردت التفرج على ما يجري في الساحة رفعت قطعة الإسمنت ونظرت.

فيما نحن نسير.. ندور، امتدت يد الرقيب الغليظة، أمسكتني من ساعدي وجرتني خارج الرتل، أغلقت عينيّ جيداً ونكست رأسي حتى التصق بصدري. بقي ممسكاً بساعدي، اليد الأخرى أمسكت فكي السفلي ورفعت رأسي إلى الأعلى بعنف، فحّ صوته ممزوجاً بحقد رهيب:

– ارفع رأسك.. ولا كلب، افتح تمك.. لشوف.

فتحت فمي، طلب مني أن أفتحه أكثر، ففتحته. تنخّم بقوة، تنخم ثلاث مرات، ودون أن أستطيع رؤيته أحسست أن فمه قد امتلاً بالمخاط المستحلب.. شعرت برأسه يقترب مني و..بصق كل مايحتويه فمه إلى.. داخل فمي. برد فعل غريزي حاول فمي التخلص من محتوياته، تملكتني حاجة لاإرادية بالإقياء، لكنه كان أسرع مني وأسرع من فمي، أغلق فمي بيد وامتدت يده الأخرى بسرعة البرق إلى جهازي التناسلي، أمسك خصيتيّ وضغط عليهما بشدة.. موجة الألم الهائلة التي صعدت من خصيتيّ إلى الأعلى كادت أن تفقدني الوعي، انقطع تنفسي لثانيتين أو ثلاث، كانت كافية لأن أبتلع مخاطه وبصاقه كي أتنفس، ظل يضغط خصيتيّ حتى تأكد أنني قد ابتلعت كل شيء.

تابعت السير.. تابعت الدوران، مغمض العينين، منكس الرأس.

ألم الخصيتين المهروستين يخفت شيئاً فشيئاً، الإحساس بأنني قد امتلات بالقذارة يتصاعد شيئاً فشيئاً.

عندما نسمع صوت الهليوكوبتر يرتجف أو يتوتر كل من في السجن، حتى الشرطة والبلديات يتوترون، البعض يسميها طائرة الموت، أو ملاك الموت الهابط من السماء، أحد السجناء قال إن عزرائيل يجلس في المقعد الأمامي للطائرة لاًن هؤلاء متعاقدون معه.

السجن يبعد عن العاصمة عدة مئات من الكيلومترات، لذلك فهيئة المحكمة الميدانية تأتي بالطائرة على الأغلب مرتين في الأسبوع، الاثنين والخميس ، وهيئة المحكمة هذه قد تكون ثلاثة ضباط وقد تكون ضابطاً واحداً، يعطون إدارة السجن بعد أن يدخلوا الغرفة المخصصة لهم لائحتين اسميتين:

اللائحة الأولى: تضم أسماء الذين سيحاكمون في هذا اليوم، تأخذ الشرطة هذه اللائحة وتدور على كل المهاجع منادية على الأسماء، ثم يبدأ التجميع من آخر مهجع في الساحة السابعة مع الصياح والشتم والكرابيج، الرؤوس المنكسة والأعين المغمضة، يسوقونهم سوقاً إلى الساحة صفر حيث يُجلسونهم على الأرض أيديهم فوق رؤوسهم، ورؤوسهم بين ركبهم.

يدخل إلى غرفة المحكمة أول اسم نادوا عليه بصفعة قوية على الرقبة عند باب الغرفة، يسأله الضابط:

– أنت فلان ابن فلان؟

– نعم سيدي.

– طالعوه لبره.

وهكذا تكون قد انتهت محاكمته، ثم يدخل الثاني والثالث .. وهكذا خلال ساعتين أو ثلاثة قد تتم محاكمة أكثر من مئة شخص، أحياناً تتعطل إجراءات المحاكمة، فالضابط يسأل السجين:

– أنت فلان ابن فلان؟

– نعم سيدي.

– ولاك ابن الكلب .. أنت شاركت بتفجير المجمع الاستهلاكي؟

– لا والله يا سيدي .. أنا مالي علاقة بأي شي.

– يا كلب .. عم تنكر كمان !! .. يا شرطة.

يدخل عناصر الشرطة إلى الغرفة.

– حطوه بالدولاب حتى يعترف.

تبدأ حفلة التعذيب أمام غرفة المحكمة، يبدأ الضرب والصراخ الأمر الذي يشوش على هيئة المحكمة، يتوقف العمل، تشرب هيئة المحكمة القهوة العربية، بعد قليل يهدأ كل شيء ويدخل الشرطة والسجين معهم يترنح:

– شو .. لساتوا ميبس راسه؟!

– لا سيدي .. اعترف بكل شي.

– إعدام .. طالعوه لبرّه.

أغلب السجناء لا تستغرق محاكمة أي منهم لدى المحكمة الميدانية أكثر من دقيقة واحدة، أغلب السجناء لا يرون القاضي “الضابط”، ولا يعرفون الأحكام التي صدرت بحقهم وقررت مصيرهم. هذه المحكمة ذات نوعين من الصلاحيات، فهي تملك الحق في أن تصدر أحكاماً بالإعدام وتنفذها بالقدر الذي تشاء، وتسجن من تشاء المدة التي تشاء. لكنها لاتملك الحق في إخلاء سبيل أي بريء “معروف هنا أن المهجعين الأول والثاني يسميان حتى لدى الشرطة بـ مهجع البراءة، المحكمة ذاتها وخلال عدة سنوات كانت قد أصدرت أحكاما بالبراءة على سجناء هم في الحقيقة أطفال أعمارهم بين / 11 – 15 / عاماً قبض عليهم خطأ ولكنهم بقوا في السجن ولم يطلق سراح أي منهم، وقد قضى سجناء مهجع البراءة في السجن مدداً تتراوح بين / 10 – 15 / سنة، هؤلاء الأطفال خرجوا من السجن لاحقاً رجالاً”.

اللائحة الثانية: وهي لائحة الذين سينفذ فيهم حكم الإعدام شنقاً في اليوم نفسه.

اليوم هناك أربعة من مهجعنا سيتم تنفيذ حكم الاعدام بهم، قام هؤلاء الأشخاص بالذهاب الى المغاسل، تطهروا، توضؤوا، صلّى كل واحد منهم صلاة عادية، أي صلاة علنية مكشوفة للجميع فيها سجود وركوع “وهل بعد الموت خوف؟!” بعدها طافوا المهجع ودّعوا الجميع مصافحةً وتقبيلاً:

– سامحونا يا جماعة… نرجو أن تغفروا لنا أخطاءنا، ادعوا لنا عند الله ان يأخذنا بواسع رحمته وأن يحسن ختامنا.

الهدوء، ابتسامة خفيفة، أراقبهم جيداً، أتلصص، هل هدوؤهم حقيقي أم مصطنع؟ أرقب اليدين، زوايا الشفتين، العيون، لا ألمح شيئا يدل على الخوف أو الهلع.

يخلعون كل الثياب التي لا زالت بحالة جيدة وتصلح لاستخدامها من قبل الأحياء من بعدهم ، يلبسون بدلاً منها ثيابا مهترئة لا تصلح لشيء، يسلمون الثياب الجيدة الى رئيس المهجع لتوزع بمعرفته.

الإعدام يتم قبالة مهجعنا، وقد رأينا المشانق عدة مرات أثناء خروجنا أو دخولنا من التنفس.

بين الفينة والأخرى نسمع صوت التكبير ينطلق من حناجر عدة أشخاص معاً، يبدو أنها الدفعة التي يأتي دورها بالتنفيذ.

خلال الفترة الماضية كلها كان شعر جسدي يقف منتصباً كلما سمعت هذا الصوت ينطلق قبالة مهجعنا .

في الليل يطابق الساهرون بين العدد الذي ورد عبر الاتصال “المورس” وبين عدد ارتطامات الجثث على أرضية السيارة.

– صحيح … خمسة وأربعون شهيداً.

في اليومين التاليين ينهمك الحفظة بحفظ أسمائهم وعناوينهم.

العجزة في المهجع كثر، المشلولون والمجانين، ثلاثة عميان، أخرس واحد.

أميز حالة بين المجانين: دكتور الجيولوجيا ـ لا أعرف هل هو جنون أم شيء آخر ؟ ـ رجل في الخمسين من عمره، ذهب الى أمريكا لدراسة الجيولوجيا، نجح في دراسته وحاز على الدكتوراه بدرجة امتياز، عاد الى البلد وبعد عودته ببضع سنوات تسلم إدارة واحدة من أهم المؤسسات العلمية، كان ميالا الى التدين، وإبان احتدام الصراع بين الإسلاميين والسلطة كانت هذه الصفات تهمة بحد ذاتها، عند فجر أحد الأيام سحبه رجال المخابرات من وسط عائلته، وماذا جرى بعد ذلك لا يعرف أحد.

يجلس دكتور الجيولوجيا على الأرض متربعاً ووجهه الى الحائط ثم يغطي نفسه كاملاً بالبطانية، ليلاً ونهاراً، صيفاً وشتاءً، حاول كثيرون أن يسألوه، يحادثوه، لم يلفظ حرفاً … لم يفتح عيناً.

نحن الآن جائعون… جائعون بشدة، منذ ثلاثة أشهر هبطت كميات الطعام التي تقدمها لنا إدارة السجن هبوطاً حاداً.

كان لكل سجين يومياً رغيفان من الخبز العسكري، الآن رغيف واحد لكل أربعة سجناء، حصتي اليومية ربع رغيف لثلاث وجبات، اليوم فطوري كان ثلاث حبات زيتون هي كامل حصتي، ملعقة صغيرة من المربى على العشاء، إذا كان الإفطار بيضاً فلكل ثلاثة سجناء بيضة مسلوقة، “نصح الأطباء الجميع بعدم رمي قشر البيض، يسحقونه ويأكلونه للتعويض عن الكلس”.

بعد ثلاثة أشهر من الجوع، الهزال واصفرار الوجوه باد على الجميع، قلّتْ حركة الجميع، من كان يقوم بالرياضة سراً أقلع عنها.

الشرطة تراقب … وتواصل عملها كالمعتاد.

6 تشرين الأول

اليوم كان مليئاً. منذ الصباح تعج الساحة بالأصوات والضرب والصياح والصراخ. فُتح باب مهجعنا وخرج الفدائيون لإدخال الطعام تحت ضرب الكرابيج والعصي، أحد الفدائيين تلقى ضربة عصا سقط على إثرها ارضاً وكانت هذه آخر سقطة له، بقي في الخارج وحيداً بين أيدي عناصر الشرطة، وبعد قليل صاح الرقيب: – يا كلاب … تعوا دخّلوه.

عاد الى المهجع محمولاً بدلا من أن يكون حاملاً.

تلقفه الأطباء في المهجع، بعد أكثر من ساعة لفظ أنفاسه وأسلم الروح بعد أن أوصى صديقه بصوت متهدج:

– سلم على أبوي … إذا الله فرج عنك … احكيلوا عني … وقل له يرفع رأسه بابنه …

واحد من الأطباء أتى الى عند رئيس المهجع والحزن باد عليه:

– الله يرحمه ما خلوا محل بجسمه إلا وضاربينه …عدة إصابات … حتى الخصيتين مهروسات هرس. انغمس المهجع بتجهيز الشهيد، الحديث عن الشهيد، مآثره، وصيته الأخيرة، ثم صلوا عليه سرا وأحضروه قرب الباب،

وقف أبومحمد ودق الباب بجماع يده، وجاء الصوت من الخارج:

– شو بدك يا “…..” ؟… ليش عم تدق الباب ؟.

– يا سيدي … في عنا واحد شهيد !!! … عفوا عفوا … واحد ميت.

نسي أبو محمد حذره من كثرة ترداد كلمة شهيد في المهجع، انتبه واستدرك ولكن هذا الاستدراك جاء متأخراً.

فتحت الطاقة الصغيرة في الباب الحديدي وظهر رأس الرقيب، وبمنتهى الهدوء توجه بالسؤال إلى أبي محمد الذي كان واقفاً:

– مين يللي قال شهيد … يا رئيس المهجع ؟.

– أنا سيدي.

أغلق الرقيب الطاقة وصاح بالشرطة أن يفتحوا الباب.

في الثواني القليلة التي استغرقها فتح الباب، التفت أبو محمد الى الناس وقال:

– يا شباب سامحوني … ادعوا لي … ويللي يضل طيب منكم خليه يروح لعند ولادي ويحكيلهم كيف مات أبوهم!

– فُتح الباب. جمهرة من الشرطة أمامه…

– قذف أبو محمد نفسه بينهم، صاح الرقيب بالشرطة أن يغلقوا الباب. أبو محمد كان ضابطاً سابقاً، وكان رجلاً حقيقياً.

بعد أن فتحتُ الثقب كان أول من رأيت هو أبو محمد، بيده عصا غليظة من المؤكد أنه انتزعها من أحد عناصر الشرطة بعد أن فاجأهم بطريقة خروجه، يضرب بها ذات اليمين وذات الشمال، تحيط به دائرة من عناصر الشرطة والبلديات، ثم رأيت واحداً من الشرطة ممدداً على الأرض.

تضيق الدائرة حوله وتنهال عليه بعض الضربات من الجانبين ومن الخلف، يتألم يلتفت ويهجم، تتسع الدائرة، معركة حقيقية ولكنها غير متكافئة عددياً، من طرف: رجل يعرف أنه سيموت في كل الأحوال، وقرر ألا يموت موتاً سهلاً ورخيصاً، ومن الطرف الآخر مجموعة كبيرة من الأشخاص اعتادوا أن يكون قتلهم للآخرين سهلاً.

والكثرة غلبت الشجاعة. سقط أبو محمد أرضاًً بعد ربع الساعة، حضر أثناءها المساعد والطبيب ومدير السجن، على الأرض أربعة اشخاص ممددين، ثلاثة من الشرطة بينهم رقيب، لقد رأيت كيف تقصّد أبو محمد أن يهاجمه هو رغم أنه كان بعيداً عنه، وكيف نزلت عصا أبو محمد على رأسه.

فحص الطبيب الجميع، أسعفوا أحد العناصر بسرعة، الرقيب والعنصر الآخر ماتا، أبو محمد مات، قدم الطبيب هذا الشرح لمدير السجن الذي التفت الى المساعد طالباً منه أن يجمع كل من في السجن من عناصر الشرطة والبلديات وأن يقف جميع الحراس المسلحين الموجودين على الأسطحة.

اعتبر المقدم مدير السجن أن ما حدث كان تمرداً وسابقة خطيرة يجب أن تجابه بكل قوة، بمنتهى القسوة والعنف كي تكون درساً للجميع.

حوالي الثلاثمائة سجين، يحيط بهم عناصر الشرطة والبلديات، عشرات الحراس المسلحين على الأسطحة. جمعونا وسط الساحة، في آخر الصف قريباً من المهجع وضعوا العجزة، ألقى مدير السجن محاضرة نصفها شتائم، والنصف الآخر تهديد ووعيد، وقد نفذ تهديده، قال للمساعد:

– مابدي حدا يفوت على المهجع وهو ماشي، السليم منهم لازم يفوت زحف على بطنه.

“بعض السجناء سيسمي هذا اليوم لاحقاً بـ / يوم التنكيل / وبعضهم الآخر سيسميه / يوم أبو محمد/”. .

استمر التنكيل من قبيل الظهر إلى ما بعد حلول الظلام، وكان أكثر ما يؤلم مشهد المشلولين وهم يُضربون، يحاولون الحركة، يحاولون تفادي الضرب .. ويظلون مكانهم.

في الصباح الجميع ينظر الى الجميع، كل من لديه القدرة يحاول أن يطمئن على جاره، الحصيلة ثلاثة قتلى ماتوا ليلاً، جراحي خفيفة ولا تشكل أي خطر.

24 شباط

البرد يجمدنا، الجوع يضنينا. ازداد هزال السجناء بسبب قلة الطعام، ثم بدأ مرض السل يظهر. وبعد شيء من الجدل مع السجانين بدأ العلاج.

أنا منذ أشهر مستمر بالمراقبة والتلصص على ساحة السجن عبر الثقب، شاهدت الإعدامات … ثماني مشانق … كل اثنين وخميس، أسمع كلام الشرطة بوضوح أحياناً، كان الناس هنا يتساءلون: لماذا لم نعد نسمع صيحات الله أكبر لدى تنفيذ حكم الأعدام ؟. الآن عرفت السر، بعد أن يخرج المحكومون بالإعدام من المهجع يغلق الشرطة الباب ويقومون بلصق أفواه المحكومين بلاصق عريض، كأن صرخة الله أكبر من المحكومين قبل إعدامهم تشكل تحدياً واستفزازاً للمحكمة الميدانية وإدارة السجن، فمنعوها باللاصق. هذه المشانق هي التي تنزل إلى المحكوم، البلديات الأشداء يميلون المشنقة إلى أن يصل الحبل إلى رقبة المحكوم بالإعدام، يثبتون الحبل حول الرقبة جيداً ثم يسحبون المشنقة من الخلف، يرتفع المحكوم عليه وتتدلى رجلاه في الهواء، بعد أن يلفظ الروح ينزلونه الى الارض … وتأتي الدفعة الثانية ثم الثالثة … أغلب الذين شاهدت إعدامهم كانوا هادئين. أحد المساجين من صغار السن استطاع أن يفلت من بين أيديهم ويركض في الساحة السادسة، وهي ساحة كبيرة جداً ذات فرعين، الهرب مستحيل واضطر الشرطة والبلديات للركض وراءه لدقائق الى أن أمسكوه، أوقفوه تحت المشنقة فجلس على الارض، رفعه اثنان من البلديات وأدخلوا رقبته في الحبل.

20 آذار

علاج مرضى السل مستمر، وجولات الدكتور سمير (وهو أحد السجناء) الذي قام بالعلاج أيضاً مستمرة، مرّ شهران كاملان لكن الاصابات في تزايد مستمر، وصل الرقم الى ألف وثلاثمائة إصابة، الوفيات قليلة جداً. وردت رسالة “مورس” مؤلفة من بضع كلمات: “طبيب السجن قتل اثنين من زملاء دفعته.”

الرسالة واردة من المهجع السابع، بعد ثلاثة أيام وردت رسالة أخرى:

“طبيب السجن [يونس العلي] قتل ثلاثة من زملاء دفعته.”

أبو حسين، أحس بالخطر، فدعا الطبيبين زملاء دفعة طبيب السجن لعنده، كانت لديه خشية كبيرة من أن يقوم طبيب السجن بقتل كافة زملاء دفعته ومنهم هذان الطبيبان، استخدم أبو حسين كل لباقته ودهائه كيلا يدخل الخوف الى قلبيهما: أنا لا أريد أن أهون المسألة وأكذب عليكما، ولكن قد يكون دوركما قادماً، لا سمح الله. والآن هل أستطيع أنا أو غيري أن نفعل شيئاً؟.

– ولكن قولا لي لماذا يفعل هذا؟ هل هو ينتقم؟ وممن؟.

– والله يا أبا حسين لا نعرف الكثير عنه، ما نعرفه أنه أتى الى الجامعة، كان ريفيا بسيطا وخجولا، عرف الجميع أنه من عشيرة الرئيس وهو لم يكن يخفي هذا، كان يدرس الطب على نفقة الدولة، قيل إنه كان يعمل مخبرا لدى الجهات الأمنية، والقصة التي لها بعض المعنى في هذا الموضوع هو حبه لزميلة من زميلاتنا، بقي حتى السنة الثالثة في الجامعة يحبها بصمت، لا يجرؤ على الاقتراب منها أو مصارحتها، في السنة الثالثة انتهز فرصة انفراده بها في أحد المختبرات، أمسك يدها وصارحها بحبه، قال إنه يعبدها … وإنه…. وإنه.

الفتاة كانت ردة فعلها عنيفة جداً، وقد تكون هي السبب في كل ما يحدث، صّدته، اشتكت الى عمادة الكلية، ثم أخبرت أهلها بما حدث.

اليوم في 20 آذار، قبل عيد الربيع بيوم واحد، كان موعد هذين الطبيبين مع زميلهما.

أخرج عناصر الشرطة الطبيبين وأغلقوا الباب، رأيت الطبيبين يسوقهما عناصر الشرطة إلى أمام طبيب السجن الذي يقف على مبعدة أربعة أو خمسة أمتار من المهجع. يقف الطبيب عاقداً يديه على صدره وهو يبتسم. رحب بهما: أهلاً وسهلاً، ثم التفت الى عناصر الشرطة وأمرهما:

– روحوا خلوكم جانب البلديات.

في وسط الساحة سبع من البلديات العمالقة. وقف عناصر الشرطة بالقرب منهم، قال طبيب السجن:

– ايه … هلق عم تقولوا لحالكم : سبحان مغير الأحوال … طيب وانا كمان بقول هيك … بدي أطلب منكم طلب، مين منكم بدو يجوزني أخته ؟ .

لم يجب الطبيبان بشيء، رأساهما منكسان قليلاً، تابع طبيب السجن:

– ليش ساكتين؟! … شو يا عدنان … أنا عم أخطب أختك على سنة الله ورسوله، الزواج عيب شي؟. – بس أنا ما عندي أخت، والحمد لله.

سادت فترة صمت ثم التفت الى الطبيب الآخر، وقال :

– طيب … وأنت يا زميل سليم كمان ما عندك أخت؟.

– نعم … عندي أخت.

– طيب خطبني اياها على سنة الله ورسوله.

– الزواج قسمة ونصيب، ونحن هلق بوضع ما بيسمح بنقاش هيك أمور، وأولاً وأخيراً أنا ماني ولي أمرها. – هذا أسلوب تهرب …

اقترب منه وبصوت أقوى:

– وإلا شايف أنه نحن مو قد المقام، انتو ناس أغنياء وأكابر، نحن فلاحين، مو هيك؟

اقترب منه ولوح بيده أمام وجهه وبصوت حاد صاح وهو يصر على أسنانه:

– ولك شوف … افتح عيونك وطلع لهون، شايف هذا البوط، بوطي أحسن منك ومن أختك وأهلك وكل عشيرتك وطايفتك … يا كلب.

ثم التفت الى حيث البلديات وصاح:

– بلديات… تعوا لهون ولاك… خذوهم عـ نص الساحة.

سحب البلديات الطبيبين. ومشى وراءهم وهو يصيح:

– هدول ناس أكابر … يعني فوق … فوق، وهلق نحن بدنا نطالعهم كمان لفوق أكثر وأكثر … يالله لشوف.

في منتصف الساحة كنت أرى ولا أسمع. استلقى عدنان على ظهره وأمسك به سبعة من البلديات، من الرجلين، اليدين، الخاصرتين، ومن تحت الرأس. إنها عقوبة المظلة. والمظلة عقوبة تعني واحداً من ثلاثة أشياء: إما كسور مختلفة في سائر أنحاء الجسم وعلى الأغلب في الحوض، وإما شلل دائم عندما يكون الكسر في العمود الفقري، أو الموت وهو الاحتمال الثالث خاصة عندما يسبق الرأس الجسم في النزول، وغالبا هذا يحدث عندما يكون عنصر البلديات الممسك بالرأس أقل قوة من الآخرين.

رفع البلديات عدنان، وجهه الى السماء، ظهره مواز للأرض الاسفلتية، أرجحوه قليلاً ثم بصوت عال:

– يالله .. واحد … اثنين …ثلاثة.

وقذفوه الى الأعلى، ثم خبطة قوية على الأرض، لم يتحرك عدنان بعد أن صرخ صرخة ألم رهيبة.

انتظر طبيب السجن قليلا، أشعل لفافة تبغ وظهره لعدنان والآخرين، كان ينظر باتجاه باب مهجعنا، عبّ نفسا من اللفافة وزفره، التفت وأشار للبلديات الذين تقدموا ورفعوا عدنان مرة أخرى و … واحد … اثنين … ثلاثة، هذه المرة لم تصدر أية صرخة.

تكرر نفس الأمر مع سليم.

تركوهما وسط الساحة في حالة استلقاء أبدي. مجموع ما قتله طبيب السجن من زملاء دفعته أربعة عشر طبيباً.

أدب السجون في سورية.. أدب انعتاق

دار بخاطري تساؤل كبير عن أول سجن في التاريخ، وعن معرفة الفطرة الإنسانية بالسجون
لو أردنا الاجابة لنظرنا إلى تاريخنا الممتد وصولا إلى علاقتنا الفطرية الأولى بالخالق.
لو عرف الله السجن وشرعه لكان قد سجن الشيطان وما أطلقه ابدا… لو كان قد عرفه الدين والإنسان الصافي لكان رسولنا المصطفى صلى الله عليه وسلم قد سجن أسرى معاركه مع قريش، وما أطلق سراحهم فور تعليمهم أبناء المسلمين القراءة والكتابة..
في مسيرة التاريخ .. نجد أن الحكام هم أول من ابتكروا فكرة السجون لتقييد من يهدد عرشهم بالخطر.. ولعل العلماء والشعراء والكتاب هم ضالة السجان الأكثر خطورة..
يلجأ الكاتب غالبا إلى التخييل والرمزية في نقد حكام عصره.. وتغليف الحقيقة بزي تخييلي..للنجاة من السجن أو الملاحقة.. فترى الكاتب الذي يرصد تجربة سجن في رواية يتملص من الإشارة إلى حقيقتها.. بقوله “هذه رواية خيالية وليست سيرة ذاتية” ومع ذلك لا ينجو من العقاب وضرب الحكام على يديه حتى تتقفّع..لو أجاب هؤلاء الكتاب نعم إنها حقيقة وسيرة ذاتية أكنا احتجنا ربيعاً عربياً وثورات بعد عشرات الاعوام من الذل والإرهاق والتقييد؟!..لطالما كانت الكلمة أشد وطأة من الحسام..هذا الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم يصطحب “حسان بن ثابت” في معاركه من دون أن يتقن حسان لغة السلاح قائلا: “اهجُ قريشًا، فإنه أشد عليهم من رشْقِ النبل”
كان “ابن المقفع” ينتقد الحكام على ألسنة الحيوانات وحواراتها في كليلة ودمنة، وكذا ابن حزم لجأ إلى حوارات الحمائم، ولما انتقد المتنبي كافوراً علناً لم ينجُ من سطوته.. والقائمة تطول من شهداء الكلمة ومعتقليها في تراثنا الثقافي، تعددت الحكومات والنتيجة ذاتها، السجن والقتل، وفي الأحوال كلها لم يكن الشاعر ينشد أبياته عن السجن إلا إن كان حبيسه حقيقة..
أما أدب السجون المعاصر فهو على نوعين الأول رواده قلائل كتبوا فيه من دون أن يرتادوه، بمثل “نبيل سليمان” في كتابيه “السجن”، و”سمر الليالي”، و”خالد خليفة” في روايته “مديح الكراهية”، والنوع الثاني هم الكتاب السجناء، وهم أصدق فنيا بما يكتبوه، وإن كانت التقنيات الفنية ترقى على يد الفريق الأول أكثر، لأن السجناء من الأدباء معنيون بضرورة تسجيل الفكرة، وتفاصيل المعيش داخل السجن، محمومون بنداءت الذاكرة المحشوة بالتفاصيل والأسماء، ينزفون أرواحهم على الورق في الحروف كلها، وذاك ما يتخفف منه الكتاب غير السجناء..
قد يصح أن نزعم أن أدب السجن الحديث في سورية بدأ مطلع السبعينيات على يد “إبراهيم صموئيل” بمجموعاته القصصية الثلاث، “رائحة الخطو الثقيل”، “النحنحات” و”الوعر الأزرق”. كان صموئيل يؤرخ فيها لتجربة حقيقية وعميقة، لكن بلغة رفيعة وبحساسية خلاّقة .
انقطعت الكتابة عن أدب السجون في سوريا في ثمانينيات القرن الماضي، وهي مرحلة من أشد مراحل الحياة السورية تخبطا ووحشية، لتطالعنا حسيبة عبد الرحمن في عام 1998 بمؤلفها “الشرنقة” وهو يوميات سجينة تصور السجن بروح أنثوية خالصة، وهذه اليوميات أولى ما كتب بجرأة عن السجن على الرغم من الطوق الأمني المحيط بالكاتبة.. لكنها لم ترق إلى مستوى رواية بمثل ما اصطلحت الكاتبة على عملها.. ويكفيها من الأهمية منجزها الأدبي باكورة تأليف المرأة في أدب السجن بهذه الدقة والجرأة.
ومن ثم أصدر “مالك داغستاني” روايته “دوار الحرية”، ببناء فني متماسك، عني فيه برصد تجربة السجن بصورة غير مباشرة.. وإن لم يحظ بانتشار واحتفاء لائقين…
أما الكاتبة “هبة دباغ” فقد افتتحت تاريخاً آخر حين أصدرت كتابها “خمس دقائق فحسب: تسع سنوات في سجون سوريا” في لندن. ويبدو أنها كتبته قبل ذلك بأكثر من عشر سنين. كانت كتابات السجون حتى يومنا هذا في مجملها بأقلام معتقلين يساريين، وكتاب “هبة الدباغ” هو الأول تصدره معتقلة “إخوانية” عن تجربتها، وقد لجأت فيه إلى مقاربة الأسطورة إلى حد كادت أن تلامسها، بأن تفتق عقلها المأسور عن نمو لسان إحدى المعتقلات بعد قطعه أثناء التعذيب، و التصاق جلبابها بجسدها، كي لا يتاح للجلاد اغتصابها. لقد اجتهدت الكاتبة في تقديم وثيقة صادمة عن السجون السورية لم يتم فضحها من قبل، بلسان امرأة، على الرغم من الطوق الأمنى المرهق الذي يطال الكتاب في هذا المضمار..
وجد الكاتب “مصطفى خليفة” الحل بإصدار كتابه عن السجن،”القوقعة – يوميات متلصص”، بالفرنسية في باريس، ولعل أول ما يتبادر إلى ذهن القارئ أنه جريء للغاية، وتكمن جرأته في تخلص الكاتب من محاولات الكتّاب السابقين بالعربية، سواء بالأسماء المستعارة أو بتحوير الأماكن وما إلى ذلك. لكن الرواية، التي تفضح الواقع السياسي السوري في السجون، لم تطبع بالعربية في بداية صدورها، إلا منذ وقت قريب.
لم يمر زمن طويل على ذلك حتى نشر لؤي حسين كتابه “الفقد” سنة 2006، معنونا إياه بـ “حكايات متخيلة لسجين حقيقي”، وذلك كمحاولة ربما للهرب من سطوة الرواية، إلا أن الكتاب كان مضمخاً بلغة متماسكة، وبتفاصيل كثيرة، كانت موحية ومؤثرة.
خلال هذه السنة أيضاً أصدرت مي الحافظ كتابها “عينك على السفينة”، تضمن كثيراً من المشاهد المؤثرة والتفاصيل المثيرة، وقد اجتهدت في تحليل شخصيات المعتقلات السياسيات، اللواتي يشكلن عصب الرواية، وطابعها الانفعالي المباشر.
ارتقت هذه اللغة في رواية “يسمعون حسيسها ” 2012 للدكتور أيمن العتوم الروائي الأردني الذي استطاع ملامسة الجرح النازف بأناة..
كم يحتاج القارئ إلى لمس تجربة السجن ليحيط بذاك النزف وذاك البركان الثائر في كل حرف ، ليحيط علما بأن ذاك الظلام القابع هناك جهنم، نعيش إلى جوارها في جنة من دون أن نسمع صرخات السجناء فيها، ومن دون أن نسمع حسيس هذه النار. سماح حكواتي

المصدر زمان الوصل