أرشيف الوسم : ادب السجون

كيف ينام السجين؟

وقفت عند باب المنفردة رقم (4) شبه عارٍ أحمل ثيابي وحذائي في يدي، أنظر مشدوهاً إلى تلك الوجوه التي يجتمع فيها بؤس الدنيا كلّه -لن أنسى تلك اللحظة ما حييت- قال لي أحدهم: “البس ثيابك”. بينما كانت تتزاحم عليّ أسئلة الآخرين: “كم الساعة الآن؟”، “ماذا يجري في الخارج؟”، “متى اعتقلوك؟”. المنفردة في الأصل مخصصة لمعتقل واحد، ولكن لكثرة المعتقلين، وإمعاناً في الإذلال والوحشيّة انقلبت إلى زنزانة جماعيّة، وصل عدد نزلائها في يوم من أيام وجودي فيها إلى سبعة معتقلين، لك أن تتصور أنّ زنزانة طولها حوالي 200 سم وعرضها حوالي 120 سم؛ يحشر فيها هذا العدد من المعتقلين، إذا أراد أحدهم أن يستلقي أو يتمدد فلن يجد الآخرون متسعاً ليقعدوا لا ليستلقوا، فكيف ينامون، إذا نزل عدد نزلائها إلى أربعة في يوم من الأيام؛ كان كأنّه يوم عيد.

لا يوجد لمكان قضاء الحاجة في الزنزانة باب أو ستارة، يقضي المعتقل حاجته أمام الباقين الذين يغضون أبصارهم، ويتجاهلون ما يفعل، وهو يحاول أن يستر نفسه ما استطاع، ولا يوجد صابون للتنظيف، يحك المعتقل يديه ببعضهما ما استطاع وينتهي الأمر، لم أستطع أوّل الأمر تصوّر حصول هذا، ولكن مع الوقت اعتدت عليه، فكان قضاء الحاجة عقوبة بحدّ ذاته، في مكان قضاء الحاجة صنبور ماء، هو المصدر الوحيد لكلّ وجوه استعمالات الماء، منه نشرب، ومنه ننظّف أنفسنا، ومنه ننظّف الزنزانة، كانت المياه مقطوعة أغلب الوقت، وفي بعض الحالات حين تأتي لا نكاد نجد الوقت الكافي لنملأ كلّ القوارير القذرة المركونة بين القذارات (زجاجات بلاستيكيّة قديمة لمشروبات غازيّة أو مياه معدنيّة) وهي حوالي عشرة موجودة في طرف المرحاض، ولا أدري كيف وصلت إلى هنا، اختار نزلاء الزنزانة اثنتين منها، كانتا الأقلّ قذارة ليخصّصوهما للشرب، في كلّ مرّة يتمّ غسلهما بشكل جيّد.

لم أستطع في الأيام الأولى أن أكره نفسي على قبول ما يقدّم لنا على أنّه طعام، وهو عبارة عن وجبتين واحدة في الصباح والأخرى في المساء، القاسم المشترك بينهما ما شكله كشكل الخبز، ولكنّ رائحة عفونته وحموضته تسبق إلى أنف الإنسان.

الحمام مليء بالأوساخ وبقايا الأطعمة القديمة، وهو مرتع للصراصير والحشرات التي دخلت أشكالها قاموس معارفنا حديثاً، في أعلاه ربط ما يشبه الحبل -لا أدري كيف ربط- ولكنّه عبارة عن قميص قديم ملفوف على شكل حبل، وضعت عليه بعض الثياب البالية القذرة، أظنّ أنّها لمساجين سابقين، في بعض الأوقات الحرجة عندما اكتظّت الزنزانة بالنزلاء، حاول أحدهم أن ينام فيه -مكان قضاء الحاجة- وضع رأسه خارجها ومدّ رجليه داخلها ومع ذلك لم يستطع النوم.

لم أستطع في الأيام الأولى أن أكره نفسي على قبول ما يقدّم لنا على أنّه طعام، وهو عبارة عن وجبتين واحدة في الصباح والأخرى في المساء، القاسم المشترك بينهما ما شكله كشكل الخبز، ولكنّ رائحة عفونته وحموضته تسبق إلى أنف الإنسان، يخصّص لكلّ معتقل رغيف في الصباح ومثله في المساء، ويقدّم معه كطعام لوجبة الصباح -على الغالب- لبن شديد الحموضة هو أقرب إلى السائل، قدموا لنا نوعاً من أنواع المربّى مرّة أو مرّتين، ومثلهما بضع حبّات زيتون أخضر شديد المرارة، خلال فترة إقامتي في الفرع، وهي ما يقارب الشهر، ما يقدّم لا يكاد يكفي شخصين، يتمّ توزيعه على العدد الموجود في الزنزانة، وأمّا وجبة المساء فغالباً هي أرز أو برغل، يقدّم لنا في كيس نايلون – كيس خبز قديم- هو كخلطة (الإسمنت) تكاد تتّحد حبات الرز أو البرغل فيه لتكون حبّة واحدة كبيرة، ولا يقدّمون معه شيئاً أبداً، وأذكر أنّهم عندما قدموا لنا مرّة -بعد انتقالي إلى الجماعيّة- بضع حبات من الفجل كان كأنّه يوم عيد.

ومع ذلك كنّا نحمد الله تعالى على هذه النعمة، فقد مرت أيام على أهل حمص القديمة أيام حصار عصابات الأسد لهم أكلوا الحشائش وأوراق الشجر، كما أنّنا سمعنا وقرأنا عن معتقلين بالمئات بل بالآلاف قضوْا جوعاً، بل أقسم لي أحد الأطباء من معتقلي الثمانينيّات- مكث في سجن تدمر أكثر من عشر سنين- أنّ البيضة الواحدة كانت مخصّصة لثمانية معتقلين، وكانوا يقطّعونها بالخيط إلى ثمانية أقسام.

شاء الله تعالى أن نولد في عهد حكم حزب البعث لسوريّة الذي تحوّل بعد انقلاب حافظ أسد إلى حكم الطائفة النصيرية ثمّ إلى حكم أسرة الأسد، يا الله هل يعيش أولادنا ما عشناه من الظلم والقهر؟

أمّا النوم فكأنّما قد حلف أيماناً مغلّظة بأن يجافيني فلم يقربني أيّاماً، وكانت أقسى اللحظات تلك التي ينام فيها جميع من في الزنزانة وأبقى يقظاً وحيداً. تغدو بي الفِكر وتروح، وتعصف بيَ الذكريات وتسكن، أعود إلى طفولتي، إلى أصدقاء الطفولة، إلى اللحظات الجميلة، إلى الأعياد والأفراح، إلى المآسي والأتراح، إلى أيام المدرسة إلى بعض أساتذتنا المميزين الذين فقدناهم في سجون الطاغية الأب، إلى أيام الجامعة وتسلّط الموالين على مفاصل الإدارة فيها، إلى خدمة العلم والقهر والذل والابتزاز الذي يعيشه المجندون، إلى العمل في تدريس التربية الإسلامية والخوف الدائم من التقارير، إلى السفر وابتزاز الراغبين فيه بجواز السفر والموافقات الأمنيّة، إلى أمور تكاد لا تنتهي من القهر والظلم والإذلال.

هكذا قدرنا، شاء الله تعالى أن نولد في عهد حكم حزب البعث لسوريّة الذي تحوّل بعد انقلاب حافظ أسد إلى حكم الطائفة النصيرية ثمّ إلى حكم أسرة الأسد، يا الله هل يعيش أولادنا ما عشناه من الظلم والقهر؟
ها أنا هنا الآن عاجز مقهور محروم من أبسط حقوقي الإنسانية في هذه الزنزانة القذرة بين إخوة لي، مصابهم كمصابي، ولكن لا أدري كيف ينامون؟!

عبدالكافي عرابي النجار

قصة السجين مع الصراصير

صراصير الزنزانة.. كيف يسعى المصاب برهاب الصراصير الى تقبّل وجود هذه الحشرات الدائم والمفاجئ والمتمدد على وجهه وفي فراشه: الحياة “العادية” في السجن. يستعيد الكاتب هنا بعض ما عاشه بين سجن الحضرة وسجن برج العرب.

ترحيل لسجن الحضرة”. أظن أنه كان يوم 18 كانون الأوّل/ ديسمبر 2013… نادى مخبر على اسمي من “النضّارة” (فتحة مستطيلة صغيرة في الباب الحديدي)، بمديرية أمن الإسكندرية. في سجن الحضرة، مكثت أياماً في زنزانة الإيراد، ثم وُزّعتُ على زنزانة سُكني. كانت باردة كثلاجة. فكرت أن الميزة الكبرى لتلك الثلاجة هي خلوّها من أية حشرات. لم يكن لي تاريخ مع الصراصير في الأسبوعين اللذين قضيتهما بمديرية الأمن، حيث الحياة أقرب للملكي من الميري.
في سجن الحضرة اختلف كل شيء. حتى المقشّة الصغيرة أو “اللمامة” البلاستيك ممنوعة. لا منطق أبداً في الحياة الميري. كل شيء ممنوع باستثناء الملابس الميري والطعام (ليس كله) وبعض الأدوية (ليس دائماً). حتى مطهر “الديتول” السائل كان ممنوعاً وقتها. كلما طلب أحدنا إدخال شيء من ذلك، جاءه الردّ غاضباً: “إنت فاكر نفسك في فندق ولا إيه؟!” كأن مستلزمات النظافة من شروط سُكنى الفنادق!
ثمّة نظام محكم في السجون، يتلقاه السجين من زملائه الأقدم مثلما يتعلم الصنايعي أصول المهنة من معلّمه. السجين الأحدث لا يختار مكانه في الزنزانة، بل يذهب إلى المكان المتاح.. الذي يكون الأسوأ. ومع ترحيل زملاء أقدم أو انتهاء عقوبتهم، تُتاح أماكنهم الجيدة للأقدم بعدهم، وبالتالي أماكن هؤلاء للسجناء الأحدث، الذين صارت لهم الآن بعض الأقدمية، فيتركون مواقعهم السيئة للوافدين الجدد. هكذا يتحقق نوع من “العدالة الاجتماعية”.
كان الموقع المتاح لي أول موقع في أحد أضلاع الزنزانة. عن يميني باب الزنزانة الحديدي، كلما انفتح في الصباح الباكر هاجمني تيار هواء بارد محمل بالروائح الكريهة. هناك أيضاً الرائحة الدائمة لبرميل “الزبالة” المجاور للباب من الناحية الأخرى. كان عرض الباب متراً واحداً يفصلني عن البرميل الذي لا يمكن غسله. كان وطناً للعفن والحشرات. أول ما صدمني في الأمر أن الصراصير هنا لا تعرف البيات الشتوي، ربما لأن الصراصير كالسجناء: تضطر للتكيف مع الظروف القاتلة للحياة حتى لا تفنى. كان جيراني من سكان برميل الزبالة وركن الزنزانة الذي يحتضنه متنوعين عرقياً. صراصير صغيرة جداً وكبيرة ومتوسطة. الصغيرة والمتوسطة فاتحة اللون دائماً، والكبيرة بنية غامقة كما نعرفها خارج السجن.
بدأ تاريخي مع الصراصير تدريجياً. هذا أيسر. في صباح من صباحات كانون الأول/ ديسمبر، صحوت منتعشاً بحلم لطيف بطلته إمرأة أحببتها من قبل، وانتهى حبنا نهاية بائسة. فتحت عيني فرأيت صرصاراً صغيراً فاتحاً يمشي مبتعداً عن وسادتي التي كانت حقيبة يد صغيرة. كان اتجاه الصرصار يدلّ على أنه مر غالباً على رأسي في مساره. فزعت فضربتُه بطرف البطانية ثم أمسكته بمنديل ورقي وأطبقتُ عليه جيداً، ثم احترتُ: كيف أنظف طرف البطانية؟

ذه الصراصير الصغيرة كانت هائلة العدد، لكنها تثير الشفقة لهشاشتها. مرة رأى زميل صرصاراً من هؤلاء فامتنع عن قتله رأفة بحاله! في مساء آخر، جلس صديقي إسلام حسنين بجواري وبدأ يحكي لي عن الكتاكيت التي كان يربيها في منزلهم الريفي، وظلت صراصير صغيرة تسقط علينا من أعلى حيث أغراضنا المعلقة فوق رؤوسنا: أكياس ملابسنا وطعامنا.. نعم طعامنا، لكننا لا ندري كيف تعلمنا الكثير من التسامح في السجن.
ظللت أهيّئ نفسي لأول مواجهة مباشرة مع صرصار، حيث أصحو على وقع دغدغة سريعة على وجهي مثلًا. هيأتُ نفسي كي لا يصيبني مس من الهيستيريا لأن خوفي من الصراصير تحديداً بلا حدود. لكن الحياة كانت طيبة معي، أو لنقل: لكن الصراصير كانت طيبة معي، فترفّقت بي. في صباح تالٍ أخبرني زميل أنه صحا باكراً فوجد صرصاراً على فرشته، فحاول اصطياده بمنديل، لكنه أفلت وجرى مختبئاً خلف مخدتي (حقيبتي). تسمّرتُ.. هل مشى على رأسي؟ لم أجرؤ على سؤال زميلي، ثم بدأت أطوي بطانيتي وأرفع المخدة بحذر، فلم أجد أثراً. المتسلل هرب بسلام. قلت لزميلي بأنني قد لا أجده لأنه صغير. “كان قد كده”. أوضح مشيراً بإصبعه كاملًا! ماشي يا حاج.
لا أذكر لقاءات أخرى مع صراصير سجن الحضرة.
لكن في سجن برج العرب، سمعت زميلاً قديماً يحكي لزميل جديد مثلي أن صراصير السجن هنا “عفية” لأننا في سجن صحراوي. بدا رأياً حكيماً حقًا، لكنني الآن أقوى مراساً مع الصراصير. مع قدوم الربيع، سمعت زميلاً آخر يحكي عن صرصار كبير رآه يتجول طائراً في الزنزانة قبل الفجر، ولم يرَ في الظلام أين هبط.
في إحدى ليالي ربيع 2014، قررت النوم فجراً وغطيت رأسي بالبطانية جيداً (كان الجو بارداً) لكنني شعرت بصديقي وجاري لؤي القهوجي يتحرك حركة مفاجئة غريبة، فرفعت البطانية متوجساً فرأيته يجلس ويفتش مخدته (التي كانت جزءاً من البطانية مطبقاً طبقات عدة). سألته فطمأنني أنه يرتب الفرشة فقط.
بعد قليل رفعت البطانية عن وجهي لأن زميلًا تحرك في الزنزانة لصلاة الفجر، فلمحتُ صرصاراً هائلاً يتمشى على بطانية لؤي التي كان يغطي بها وجهه. تبخّرت استعداداتي النفسية، أمسكت بطانيتي وهجمت بها على الصرصار الذي كان إزاء صدر لؤي (فوق بطانيته) فنهض صامتاً. طبعاً لم أقتل الصرصار بهذه الهجمة المذعورة، بل سمحت له بالاختباء بين البطاطين ثم قمت ونظرت إلى جسدي فلم أجده، ثم رفعت البطاطين بحذر حتى وجدته على فرشتي فدهستُه بقدمي دهساً مجنوناً، بلا تفكير أيضاً.
هنا كان لؤي يقهقه لأنه فهم كل شيء منذ شعر بالصرصار يمشي على ذراعه تحت البطانية في الظلام، فقام يبحث عنه ولم يخبرني حين سألته، لعلمه برعبي من الصراصير. ظل لؤي يتندر على هجمتي المجنونة عليه، كلما صادق زميلاً جديداً. لا أذكر كيف نظفت قدمي وفرشتي لأنها كانت ليلة صعبة. لم أنمْ حتى الصباح.
إنها بشارة بقدوم “ربيعنا”.

في ربيع 2014، اعتدتُ في المعتقل على النوم أوّل المساء لأصحو عند منتصف الليل، حين ينام الزملاء، فأضيء لمبتي الصغيرة، ملفوفة في علبة كرتون فوق رأسي، لتقتصر إضاءتها الصغيرة على كرّاستي التي كنت أكتب فيها روايتي “الحياة باللون الأبيض”.

في ربيع 2014، اعتدتُ في المعتقل على النوم أوّل المساء لأصحو عند منتصف الليل، حين ينام الزملاء، فأضيء لمبتي الصغيرة، ملفوفة في علبة كرتون فوق رأسي، لتقتصر إضاءتها الصغيرة على كرّاستي التي كنت أكتب فيها روايتي “الحياة باللون الأبيض”. صحوت يوماً كعادتي.. كل شيء هادئ، غير أن جاري الخمسيني اللئيم، كانت لديه حكاية صغيرة لي، عن مطاردة مثيرة لصرصار عظيم تسلل من باب الزنزانة، وظلّ الزملاء يطاردونه حتى أمسكوه فوق قدمي. هكذا تمّ لقائي المرتقب مع الصراصير. كان لطفاً منها أن تلاقيني وأنا نائم. حين فكرت لاحظت كم كان ذلك يسيراً، بسيطاً، لا يخلو من إثارة.
بعدها بأيام تجدّد لقاؤنا. كنت صاحياً ورأيت المطاردة تقترب مني. لا شعورياً أمسكت علبة المناديل، وفور وصول الصرصار إلى مخدتي (وهي طبقات متعددة من بطانية) هويت بعلبة المناديل فوقه. لاحظت أنها أصابتْه فلم أرفعها، بل ضغطتُها فوقه بكل قوتي. لم أحتمل فكرة هروبه من تحت العلبة واستمرار المطاردة على فرشتي. كنت حاسماً تماماً. حين رفعت العلبة كانت أمامي عجينة صرصار. المشكلة الوحيدة أنها كانت فوق مخدتي!
الذي استغربته أنني كنت قد ألصقت قطعاً من عجينة دواءٍ طارد للصراصير على الحائط فوق رأسي، فلماذا تأتيني هذه الصراصير كلها؟ أخرجت علبة العجينة لأتأكد من صلاحيتها، فقرأت مذهولًا آلية عملها: تجذب الصراصير برائحتها لتأكل منها فتقتلها مسمومة خلال 24 ساعة! العجينة تجذبها إذاً! وأنا الذي ألصقتها فوق رأسي.
في تشرين الأول/ أكتوبر 2014، صحا بعض الزملاء للسحور. كنت نائماً ليلتها. ثمّة جلسة استشكال لنا في الصباح. صحوتُ على أصوات الزملاء والنوم يغالبني. غطيت وجهي جيداً بقطعة ملابس نظيفة اعتدت لفّها على وجهي اتقاء للأصوات والإضاءة والصراصير. ظللت أقترب من النوم ببطء حتى سمعت زميلًا ريفياً طيباً: “الحق يا أحمد الصرصار اللي ماشي على الأستاذ عمر هناك ده”. أصبحت الآن أكثر دراية وحكمة: لا يصحّ أن أنتفض مذعوراً كعادتي: سيهرب الصرصار في ثنايا فرشتي.
لم أتحرّك. فقط أغلقت فمي وعينيَّ جيداً. لم أكن أعرف مدى مهارة أحمد في اصطياد الصراصير. ركزتُ طاقتي الإيجابية كلها مع أحمد ليُنهي المعركة بأقل الخسائر. شعرت بخطواته، ثم بلمسة خفيفة فوق ركبتي، ثم صوت أحمد العظيم “خلاص مسكته”. يا فرج الله.. تحركتُ، كشفت وجهي، فاعتذر أحمد الطيب، ظانًّا أنه أيقظني. شرح لي خجلاً أن صرصاراً كبيراً كان يمشي عليّ وأنه اصطاده، مادّاً يده تجاهي بالمنديل الملفوف دليلًا على صدقه!
أشرت له بإصبعي إشارة “اللايك” المشهورة، فانصرف مطمئناً. حين غطيت وجهي ثانية خطر لي أن ذلك الصرصار ربما كان بشارة بخروجنا من السجن. كانت الجميلة ماهينور قد خرجت باستشكال قبلنا في القضية ذاتها، وكانت المرة الأولى التي يمشي فيها صرصار كبير على جسدي وأنا صاحٍ. لابد أن لذلك دلالة على شيء ما. في الصباح رفض المستشار محمد الطنّيخي استشكالنا، ثم قُبِض عليه بعدها بشهور متلبساً برشوة من أحد رموز الحزب الوطني، وفقاً لتقارير صحافية كثيرة. لكنه استقال من القضاء فأخليَ سبيله وغادر البلاد. لعلها هي تلك البشارة التي لم أفهمها ليلتها.
مع ذلك، كانت لصراصير أخرى مغامرات لطيفة، إذ لم تكن تكتفي بمطاردة سريعة. لنتفق على أن الصراصير كالبشر، تتكيّف مع قسوة الظروف. وهي ترى نفسها صاحبة البيت هنا، هذا مسكنها ونحن المتطفّلون عليه، لابد من اللعب إذاً..
بعضها كنا نجده في أواني الطبيخ الميري (“التعيين”) اليومي. هذه كانت تقهرنا حقاً. في مغامرات أخرى، يهرب صرصار من مطاردة ليلية، يختفي، ثم يُطفأ النور، ونظلّ نترقبه لأننا نعلم أنه هنا، بيننا، سيظهر حين يقرّر. ما زلت أذكر مغامرتين على هذا النحو. في أولاهما أخفى الزملاء عني الخبر. ظهر الصرصار صباحاً وقُتل. لكن ما الذي فعله تحت “جنح الظلام” مثلما يقول الأدباء؟ سأترك ذلك لخيالك.
في المغامرة الأخرى انتبهت للأمر، فلم أنَم. كان الصرصار قد اختفى في الصفّ المواجه لي. كان أحدهم صاحياً أيضاً. فجأة انتفض زميلي مفزوعاً وهو يضرب قفاه بكفه، حيث أحسّ بالصرصار يتمشّى.. نعم ضرب الرجل نفسه “بالقفا”، لكن اللعين أفلت. هذه المرة شاركتُ في المطاردة. رفعنا كل شيء قطعة قطعة فلم نجده. ظللت صاحياً حتى طلع الصباح. ثم أخبرنا زميل آخر أنه رأى في الظلام بقعة سوداء كبيرة تجري نحو حمام الزنزانة. اطمأننت بعض اطمئنان: سيكون بعيداً عني إذاً. مع ذلك لم أنَم إلا صباحاً.
في ربيع 2015، قامت الصراصير بغزوة كبرى، هذه المرة في السجن كله: مرة واحدة! ألم أقل إنها مغامرات؟ حدث سدد في مواسير الصرف، فارتفع منسوب مياه المجاري في المواسير الكبيرة التي لا تمتلئ أبداً. لم تصل إلينا المياه لأن السدد كان بسيطاً، لكن منسوب المياه طرد جيوش الصراصير التي كانت تستعد لموسم الربيع في أعالي المواسير التي تكون جافة دائماً. لذلك هربتْ إلينا من جميع المنافذ حتى لا يغرقها الماء.. من فتحة المرحاض البلدي و”البلاليع” في ممرات التريّض.
.. هكذا تفتّحت الصراصير وليس الزهور في الربيع.

عمر حاذق

شاعر من مصر أمضى سنتين في الاعتقال وخرج بعفو رئاسي في أيلول/ سبتمبر 2015 شمل 100 معتقل

تحميل(ينام الليل وابقى انا) زكرياء بوغرارة

تحميل نثر فني من قصائد السجون المغربية كتبت في رحلة العتمة الطويلة

وصف الكتاب

نثر فني من رحلة سجون كتبها زكرياء بوغرارة وقال عنها
{{ينام الليل وأبقى أنا
كل النصوص كتبت في مرحلة السجن … ونشرت وأنا في المعتقلات… إرتأيت ان أجمعها بين دفتي كتاب… تحت عنوان… من العتمة {{ ينام الليل وأبقى أنا…}}
انها بعض نبضاتي عندما غابت عنا الشمس}}
تضم بين جوانحها عدة نصوص ترصد مشاعر الطهر في كل مراحل السجن وتقلباتها… وترسم ملامح القهر بريشة فنان.. ومشرط طبيب .. لترتفع فوق الجراحات كلها

تعتبر اضافة أخرى ل{{ أدب السجون }} في المغرب

تحميل كتاب الرواية السجنية العربية

وصف الكتاب :-

الرواية السجنية العربية رواية الاسترجاع بامتياز…هذا الاسترجاع يكون مؤلما… داميا.. موقظا للمواجع والآلام. إنه استرجاع يشبه خلع الضرس… ويركب هذا الاسترجاع زمن السبعينيات والثمانينيات من هذا القرن… لنقف من خلاله على نوازع الألم، والمعاناة.. ونقف فيه على صور التنكيل والقهر، والتسلط… هل الرواية السجنية ،رواية أم سيرة ذاتية؟.. هي كل شيء… اجتمع فيها السيري بالروائي… وبالتالي حصلنا على تجربة إنسانية غنية ومحفزة على المتابعة، والتمحيص.. والاستقراء والاستنباط… عشرون رواية سجنية وهي:(الآن..هنا- مذكرات امرأة في سجون السعودية- كان وأخواتها- ذاكرة الجراح- أفول الليل- تلك العتمة الباهرة- القوقعة- معذبتي- الكرنك- درب مولاي الشريف- السجن- الخماسين- نيغاتيف- خمس دقائق وحسب- الوشم- عمارة يعقوبيان- تحت ظلال للا شافية- شرف- الكراديب- مسارات حادة..) كلها تتحدث عن التجربة السجنية ،وصور الاعتقال والتعذيب…وهي استرجاعات متعددة ومتنوعة غطت حقبة زمنية امتدت من هزيمة حزيران(يونيو)1967 إلى الهجوم الامريكي على العراق(بداية التسعينيات).وهي ذاكرة عربية تميزت بالصدق والواقعية. لمَ كتبت هذه الاسترجاعات، أو على الأصح هذه الذاكرة؟.. لِمَ عنونت بهذه العناوين؟… هل يمكن وضع هذه الكتابة في سياقها العام؟.. إن هذه الكتابة الروائية هي ذاكرة جمعية، تحتاج إلى التوثيق.. والتثبيت.. كي لا تضيع بين زحامات النسيان، والمحو المتعمد…والتهميش والإقصاء الممنهج. ما إن نلجها حتى نقف على مشاهد مؤلمة… اعتقالات، تعذيبات…استنطاقات لا إنسانية،يقشعر لها جلدنا.. تجعلنا ندين وبشدة التعامل البوليسي العنيف مع مجموعة من القضايا التي لم تكن تتطلب سوى العقل، وتجنب العنف والاتهامات الرخيصة… وبعيدا عن كل إيديولوجية… هذه الروايات حياة مرحلية، نقلب صفحاتها لنرى من خلالها السيرورة الحياتية بكل تجلياتها… والعمل الأدبي الذي ننطلق منه لاكتشاف العالم السردي الروائي للرواية السجنية العربية، الذي يعكس آلام الجسد، واصطخاب الوعي والوجدان… والتي تعطينا مجتمعة صورة ناضجة لوعي يكتنز بعدا إنسانيا، يرتقي بالذات المبدعة.. وحالاتها الإبداعية إلى أعلى درجاتها.. إن الرواية السجنية العربية، تصور هما إنسانيا.. وتقدم جرحا بشريا عميقا بدأ من الماضي ليصل إلى الحاضر مترعرعا، متضمنا لمأساة تعاين فيها مكابدة الاندماج، وصخب التمرد والثورة… وظلم الآخر،و التوق إلى مجتمع فاضل ، خال من أي حساسية سياسية أو إيديولوجية متعنتة.. وهذه الانعكاسات كلها حققت جمالية هذا العمل، وفنيته… والسؤال المطروح: هل ننظر إلى هذا العمل كرواية؟… أو سيرة ذاتية؟… أو كتابة سجنية تنتمي إلى أدب السجون والاعتقال؟… صحيح أنها كتابة تستند إلى الواقعية.. رغم توظيف للضمائر السردية الخاصة بالمتكلم و بالغائب والمخاطب، وهذا يدفع إلى دمج أنواع من الخطابات فيه

السردية الأدبية للتجربة السجنية في تونس: الذاتي والجمالي وسؤال الحقيقة

ينتهي السّجن في تعريفه الاصطلاحي إلى كونه “مؤسسة تنفيذ عقاب” بما يعني أنه إحدى الوسائل التي تعتمدها السلطة لممارسة جانب من العنف المنظم الذي تحتكر وحدها صلاحياته. بعيدا عن هذا التعريف، يظهر السجن في تصور علاقته بالسجين فضاء تثبيت على الأجساد حالات الانضباط والخضوع. تنتج السلطة به وداخله حكم القانون في سياق ممارسة قمعية. يستحيل هنا ما كان أداة الى سلطة أكبر من السلطة التي أنتجته كهيئة ليخدمها وتُحيلنا  المقاربة “المفهومية” للسّجن في بُعدها الإشكالي هذا إلى السؤال حول رسومه في ذّاكرة من كانوا داخله محكومين بقانونه.

تحضر سردية السّجن جانبا من حياتنا اليومية عبر بوابة أمثالنا الشعبية أو في التصنيفات الاجتماعية للسّجناء ولكنها سردية وصم اجتماعي لا تقدم صورة عن داخل السجن بقدر ما تحاكم من كان فيه. ويرسم الفن الشعبي صورا متعددة لذاكرة السّجن تكشف لحدّ ما عن نواميس الحياة اليومية لمساجين الحق العام داخله، ولكنها تخرج من محيط ذاكرته سريعا لحديث العاطفة. تكون في محامل أخرى نصوص السجناء السياسيين أكثر إلصاقا بذاكرة المكان تلازم في فصولها وقع أيامه على فكر وجسد من كتبها. تستحيل هنا الكتابة الإبداعية للسجناء السياسيين فعل رصد لارتدادات التّجربة السّجنية على نفس السّجين، كما هي إضاءة واعية على عوالم أخرى يحددها الزمان والمكان بكل ما فيهما من تفاصيل. فتكون في عمومها وثيقة تصلح أن تدرس في سياق مسارات العدالة الانتقالية للسؤال عن الحقيقة أولا وعن دور الذاكرة في علاجات جراح الماضي.

طوّرت الثورة وما ساد بفضلها من حريات عدد الأعمال الأدبية في شتى تنويعاتها الأجناسية من رواية ورواية سيرة ذاتية أو سيرة ذاتية روائية وسيرة ذاتية وتخييل ذاتي والتي تتخذ من السجن موضوعا لمتونها الحكائية. ويجيز هذا القول بكون “أدب السجون التونسي” بات يتميز بالثراء على حداثته وأن ثراءه يعود في جانب منه للحراك السياسي الذي يفرض دوما السؤال حول تاريخ الاستبداد.

يكون مدخل محاولتنا البحث عن الذاكرة كما العدالة في النص الأدبي تقديم قراءة خارجية للمشترك بين مختلف نصوصه لننتهي إلى قراءة خصوصية لنصوص نقدر أنها تصلح أن تكون عينة ممثلة لتنوعه سواء في بعده الإبداعي أو التاريخي.

1- المشترك في كتابات أدب السجون:

يظهر هذا المشترك في زمن النص كما يعاود الظهور في علاقة النص بالكاتب كما يفرض الوعاء الأدبي أن تكون التقنيات الإبداعية المتمثلة في التخيل مشتركا يقفز على الحاضر ليصل الماضي بالمستقبل.

الزمن في النص:

ترصد التّجربة السّجنية في النّص الروائي ثلاث محطات زمنية تبدو ظاهريا مستقلة عن بعضها البعض إلا أنّها في الحقيقة تتصل فيما بينها وهي:

أولا: فترة ما قبل الاعتقال، وتحوي ممارسات المناضل السياسي في معارضة السلطة الحاكمة.

ثانيا: فترة الاعتقال، وهي عمق التجربة السجنية إذ تكشف عن الوجه القمعي للنظام الاستبدادي وتعري ممارساته تحقيقا مع السّجناء وتعذيبا لهم معنويا وماديا.

ثالثا: فترة ما بعد الاعتقال وتمثل ظاهرا مرحلة استعادة السجين لحريته التي سلبها منه السجن واكتشافه أنه يحمل السجن داخله حيثما انتقل في الزمان والمكان. إذ يكتشف الراوي بمناسبته أنه خرج من سجن ضيق إلى سجن أوسع تتضخم فيه صور معاناته النفسية والجسدية.

العلاقة بالذات:

تستذكر النصوص على تعددها باعتبار ما توثق من أحداث، “التجربة” بتفاصيلها ويكون فيها انتماء الكاتب لنصه والبعد المتشنج لعلاقته بذاكرته سببا في طغيان سيرة الأنا على فهم الآخر وبما يجوز معه الحديث عن كونها نصوص ذاكرة سجنية نضالية توثّق لأشكال نضال السجين السياسي في مواجهة المستبدّ وفعل بحث عن ذاته في علاقتها بأبعادها الوجودية المتباينة. فالذّات هي صاحبة التّجربة وهي الأنا المتعددة فهي مدار الحكي وهي بؤرة السّرد والأحداث.

المحمل الإبداعي: التخيل أو التقنية الطاغية

يظهر التخيل والاستذكار من العلامات المميزة لمختلف نصوص أدب السجون. وتستجيب تلك التقنية السردية للانزياح في معناه اللغوي والجمالي والدلالي لتسم النّص بسمة الأدبية فضلا عن اقترانه بالمحسّنات اللغوية والبلاغية التي تجعل المتلقي يتأثّر لنفسية الكاتب وحالته. فالخيال المتولد يمارس تأثيره على الواقع المعطى فيتمثّله وينقله من دلالة إلى أخرى. ونلاحظ هنا أن جدلية التّعالق بين الميثاقين المرجعي والتخيلي تصنع تزاوجا متميزا بين صدقية الرواية وفعل المخيال الأدبي ثمرته وثيقة إبداعية فيها تسجيلات للحياة المنقضية في الزمان والمكان حرره الإبداع كما الذات من سطوة التاريخ وقوانينه. وتظهر هنا محاولة استكشاف لنصوص من هذه التجارب المناسبة الممكنة لبحث هذه الخصوصية.

2- سجن واحد ورواريات متعددة: الكتابة تحرر والتحرر إبداع والإبداع عدالة

يعدّ “نص برج الرومي أبواب الموت” لسمير ساسي الذي نشر سنة 2003 من النصوص المؤسسة لأدب السجون التونسي الناطق باللغة العربية، بما يفرض أن يكون ضمن العينة التي نقترح الوقوف عندها. فيما يظهر نص “الحبس كذّاب والحي يروّح: ورقات من دفاتر اليسار في الزّمن البورقيبي” لكاتبه فتحي بلحاج يحيي ونشر في 2011 من النصوص المتميزة لجهة أنه من النصوص القليلة التي توثق لتجربة “اليسار” في السجون واعتبارا لكونه من أول النصوص التي عملت على تجاوز الذاتي في الحديث عن المعاناة بحثا عن القيمة الإنسانية  الجامعة. ونقدر أيضا أن نص الثقب الأسود للشاعر عبد اللطيف العلوي الذي نشر سنة 2017 لا يمكن أن يغيب عن الرصد بالنظر لكون من صاغه يعرف كأديب قبل أن يكون سجينا سياسيا.

تمثل هذه النّصوص في المقام الأول الهوية السردية لكتّابها الذين ارتأوا أن يتقاسموا تجاربهم مع الآخر في عملية تطهّر من عبئها على ذواتهم ، وهي بالتالي  نوع من “العدالة الإبداعية  ” التّي تتحقّق داخل النّص بجعل هذه المعركة التي طرفاها الضحية والسّجان تنتصر سرديا.

بعيدا عن هذه السمة المشتركة يطرح السؤال كيف وقع تمثّل عدد من كتّاب الرواية التّونسية المعاصرة للتجربة السّجنية؟ كيف تمّت إعادة تشكيل التجربة السّجنية وتحويلها من تجربة نفس إلى تجربة نص؟ ما هي دوافع اختيارهم للكتابة الروائية السير ذاتية أو كتابة التّخييل الذّاتي؟

لا يسمح المجال لتعميق البحث عن جواب للتساؤل، لكن أهمية البحث تغري بتقديم ملاحظات حول النصوص على النحو الآتي:

فيما تعلق برواية “برج الرومي” لسمير ساسي:

كُتِبت برج الرومي زمن محنة السّجن حيث وظف كاتبها كل التّقنيات الأدبية والفنية معتمدا أسلوب التعمية كي لا يفقهها الجلاد فيصادرها. وقد أرادها منجزا أدبيا فنيّا في المقام الأول فضلا عن توظيفه للتعريف بقضية المحنة وتفاصيلها وتحسين القبيح وفظاعة التّعذيب في السّجون التّونسية. ووظف الكاتب في صياغته جملة من الإحالات الممكنة التي يؤشر انخراطها ضمن مشروع تنديدي بحجم المعاناة. وقد مثّلت مقاربة سردية سير ذاتية تعالق فيها المرجعان الواقعي والتّخييلي.

فيما تعلق برواية “الثّقب الأسود” لعبد اللطيف العلوي:

هي مقاربة روائية على قدر من الاختلاف عن نصّ المدونة الأول. فهذه السّردية منخرطة في حوارية داخلية تتخذ من مرجعية السّجن وسياقاته تعبيرا فنيا عن محنة التسعينات. وتشكّل السير الذاتية عوالم متباينة تجعل من الأنا مدارا ومدى في قوتها وهشاشتها وانتصاراتها وانكساراتها. يتجاوز الكاتب الكتابات التي اتّخذت من بيبلوغرافيا التعذيب ومراكمة الشهادات حول الذّات المعتقلة إلى مقاربة تتجاوز السجن إلى تجربة إنسانية أرحب تتوازى فيها التيمات وتتعالق فنجد حكاية عن الحب وأخرى عن الصداقة وثالثة عن المرأة ورابعة عن السجن وقمع السلطة وقتلها لمواطنيها واقعا ورمزا.

فيما تعلق بنص “الحبس كذّاب والحي يروح” لفتحي بلحاج يحيي:

هو مقاربة سير ذاتية أخرى منخرطة في حساسية إيديولوجية مختلفة ضمن مشروع تنديدي يشهر بممارسات النظام السياسي البورقيبي ضد المعارضة السياسية وتحديدا اليسار التونسي في ثمانينات القرن الماضي. فهي حوارية ذاتية أيضا تتجاوز مجال الذّات وفردانية تجربتها ومرجعيتها الفكرية إلى تجربة جماعية بمعناها المادي والفكري. وتكمن أهمية هذه الحوارية في انفتاحها على عالم السّجن من خلال ثقافته السّجنية وكيفية تمثّلها من الفرد ومعايشتها والتكيّف معها. حيث يبرز هذا النسق الثقافي الجديد بين وجوب التكيّف معه واختيارات الفرد التي يعيشها بين واقعه المرجعي وتوجهاته النضالية التي يدافع عنها.

تكشف هذه الإطلالة على أدب السجون أنه توثيق من نوع خاص “لتجربة الاستبداد”، فيها تجاوز للألم في منحى إبداعي، كما تبين أنه يصلح أن يكون عنوانا للمصالحة بين أنا الضحية وماضيها وبين القارئ الحر ومن كان سجينا. ويستدعي استثمار هذه النصوص في التأسيس لعدالة انتقالية لا ينتهي مسارها بفعل نهاية عهدة المؤسسات فعل حفر معرفي عليها يرصد الإبداع في ذات محاولته استقراء التاريخ. ويبحث في ذاكرة سلبية أليمة عن فكرة  إيجابية تحول دون تكرار الانتهاكات وترفع كل أشكال الرقابة على الكتابة لتحقيق “العدالة الإبداعية” التي يجب أن تتواصل وتتقدم في هذا الإطار. وقد تحقق الكتابة في ثناياها المساءلة والمصالحة فتقع معاقبة الجلاد داخل النص ويكون البحث عن الذات والهوية عبر مسار الكتابة لتحقيق التّطهر.

  • نشر هذا المقال في العدد 16 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |.


 جيل دلوز المعرفة والسلطة مدخل لقراءة فوكو ترجمة سالم يفوت( ضمن الفصل الثاني) (راجع القسم الرابع الفصلان الاول والثاني للوقوف على الكيفية التي يفرض السّجن نفسه  مرحلة ثانية مرتبطة أوثق الارتباط بالقانون الجنائي من اجل انتاج الجنوح او تشكيل الجنوح موضوعا “

ص 223/249/251

يعد  نص ” كريستال”  أول ما كتب بأدب السجون التونسي عموما .  ويعد بالتالي  كاتبه جلبار النقاش  الأب المؤسس لتلك الكتابة .ذاك التأسيس الذي بين أنه لم يكن سبب قمعه بل كان قمعه وسجنه من دفعه له .  كتب جلبار حكايته  خلال محنة سجنة وكانت لفائف علب السجائر الورق الذي حفظ “النص”  الذي صاغه فسماه باسم علامتها التجارية . نشر كريستال ثمانينات القرن الماضي في صيغته الأصلية التي كانت باللغة الفرنسية ولكنه لم ينشر في ترجمة عربية إلا سنة 2018 .

       ساسي (سمير): رواية برج الرومي :أبواب الموت  ، منشورات كارم الشّريف، تونس ط1 2011   [3]

                العلوي (عبد اللطيف) : الثقب الاسود ، الثقافية للنشر و التوزيع ،تونس ط 1 2017  [4]

  بن الحاج يحيي (فتحي) : الحبس كذاب ….و الحي يروح “ورقات من دفاتر اليسار في الزمن البورقيبي ، تونس، كلمات عابرة  ،ط2 ،2009.

أدب السجون في فلسطين

الكتابة عن التجربة الإعتقالية ليست جديدة على الساحة الفلسطينية والعربية وحتى العالمية، وممن كتبوا بهذا الخصوص: خليل بيدس صاحب كتاب”أدب السجون” الذي صدر بدايات القرن العشرين، زمن الانتداب البريطاني، وكتب الشيخ سعيد الكرمي قصائد داخل السجون العثمانية في أواخر العهد العثماني، كما كتب ابراهيم طوقان قصيدته الشهيرة عام 1930تخليدا للشهداء عطا الزير، محمد جمجوم وفؤاد حجازي، وكتب الشاعر الشعبي عوض النابلسي بنعل حذائه على جدران زنزانته ليلة إعدامه في العام 1937 قصيدته الشهيرة” ظنيت النا ملوك تمشي وراها رجال”  وكتب الدكتور أسعد عبد الرحمن في بداية سبعينات القرن الماضي(يوميات سجين)كما صدرت مجموعة قصص(ساعات ما قبل الفجر) للأديب محمد خليل عليان في بداية ثمانينات القرن الماضي، و”أيام مشينة خلف القضبان” لمحمد احمد ابو لبن، و”ترانيم من خلف القضبان” لعبد الفتاح حمايل ، و”رسائل لم تصل بعد” لعزت الغزاوي ، وقبل”الأرض واستراح” لسامي الكيلاني، و”نداء من وراء القضبان، وعناق الأصابع لعادل وزوز”،

 و(الزنزانة رقم 706) لجبريل الرجوب، وروايتا(ستائر العتمة ومدفن الأحياء)وحكاية(العمّ عز الدين) لوليد الهودلي،و”رسائل لم تصل بعد” ومجموعة”سجينة”للراحل عزت الغزاوي و(تحت السماء الثامنه)لنمر شعبان ومحمود الصفدي، و”أحلام بالحرية”لعائشة عودة، وفي السنوات القليلة الماضية صدر كتابان لراسم عبيدات عن ذكرياته في الأسر، وفي العام 2005صدر للنائب حسام خضر كتاب”الاعتقال والمعتقلون بين الإعتراف والصمود” وفي العام 2007 صدرت رواية “قيثارة الرمل” لنافذ الرفاعي،  ورواية”المسكوبية” لأسامة العيسة، وفي العام 2011 صدر”الأبواب المنسية” للمتوكل طه، ورواية “سجن السجن” لعصمت منصور، كما صدر أكثر من كتاب لحسن عبدالله عن السجون ايضا. ومجموعة روايات لفاضل يونس، وأعمال أخرى لفلسطينيين ذاقوا مرارة السجن.

وأدب السجون فرض نفسه كظاهرة أدبية في الأدب الفلسطيني الحديث، أفرزتها خصوصية الوضع الفلسطيني، مع التذكير أنها بدأت قبل احتلال حزيران 1967، فالشعراء الفلسطينيون الكبار محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وغيرهم تعرضوا للاعتقال قبل ذلك وكتبوا أشعارهم داخل السجون أيضا، والشاعر معين بسيسو كتب”دفاتر فلسطينية” عن تجربته الاعتقالية في سجن الواحات في مصر أيضا.

كما أن أدب السجون والكتابة عنها وعن عذاباتها معروفة منذ القدم عربيا وعالميا أيضا، فقد كتب الروائي عبد الرحمن منيف روايتي”شرق المتوسط” والآن هنا” عن الاعتقال والتعذيب في سجون دول شرق البحر المتوسط. وكتب فاضل الغزاوي روايته” القلعة الخامسة” وديوان الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم”الفاجوجي”.ومنها ما أورده الأستاذ محمد الحسناوي في دراسته المنشورة في مجلة”أخبار الثقافة الجزائرية” والمعنونة بـ”أدب السجون في رواية”ما لاترونه”للشاعر والروائي السوري سليم عبد القادر

وهي (تجربة السجن في الأدب الأندلسي- لرشا عبد الله الخطيب ) و ( السجون وأثرها في شعر العرب.. –لأحمد ممتاز البزرة ) و( السجون وأثرها في الآداب العربية من الجاهلية حتى العصر الأموي- لواضح الصمد )  وهي مؤلفات تهتم بأدب العصور الماضية ، أما ما يهتم  بأدب العصر الحديث ، فنذكر منها : ( أدب السجون والمنافي في فترة الاحتلال الفرنسي – ليحيى الشيخ صالح ) و( شعر السجون في الأدب العربي الحديث والمعاصر – لسالم معروف المعوش ) وأحدث دراسة في ذلك كتاب(القبض على الجمر – للدكتور محمد حُوَّر)

أما النصوص الأدبية التي عكست تجربة السجن شعراَ أو نثراً فهي ليست قليلة ، لا في أدبنا القديم ولا في الأدب الحديث : نذكر منها ( روميات أبي فراس الحمداني ) وقصائد الحطيئة وعلي ابن الجهم وأمثالهم في الأدب القديم . أما في الأدب الحديث فنذكر : ( حصاد السجن – لأحمد الصافي النجفي ) و (شاعر في النظارة : شاعر بين الجدران- لسليمان العيسى ) و ديوان (في غيابة الجب – لمحمد بهار : محمد الحسناوي) وديوان (تراتيل على أسوار تدمر – ليحيى البشيري) وكتاب (عندما غابت الشمس – لعبد الحليم خفاجي) ورواية (خطوات في الليل – لمحمد الحسناوي).

كما يجدر التنويه أن أدب السجون ليس حكرا على الفلسطينيين والعرب فقط ، بل هناك آخرون مثل شاعر تركيا العظيم ناظم حكمت، وشاعر تشيلي العظيم بابلونيرودا، والروائي الروسي ديستوفسكي في روايته”منزل الأموات” فالسجون موجودة والتعذيب موجود في كل الدول منذ القديم وحتى أيامنا هذه، ولن يتوقف الى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.

جميل السلحوت

المصدر رابطة ادباء الشام

تحميل كتاب -تازمامارت -الزنزانة رقم 10

يعتبر كتاب «تازمامارت: الزنزانة رقم 10» أحد أبرز المؤلفات المغربية التي حققت رواجا قل نظيره في تاريخ المنشورات المغربية، إن لم يكن أولها من حيث المبيعات. لقد استطاع هذا الكتاب أن يحطم الرقم القياسي من حيث المبيعات، حيث بلغت مبيعاته 45 ألف نسخة خلال سنتين فقط، منذ صدوره سنة 2001، في نسخته الفرنسية، كما أكد ذلك ناشره بشر بناني، صاحب منشورات طارق، في حوارات صحافية سابقة.

ويعود الفضل في تحقيق هذا الرقم القياسي إلى موضوع الكتاب. ذلك أن الكتاب يحكي مسار أحد المعتقلين على خلفية الانقلاب الشهير، الذي قاده ضباط مدرسة أهرمومو العسكرية ضد الملك الحسن الثاني في الصخيرات في يوليوز 1971. وليس هذا المعتقل سوى الكاتب نفسه: أحمد المرزوقي، إذ يعتبر شهادة عن تجربة اعتقاله، التي استمرت لمدة 18 سنة داخل أقبية سجن تازمامارات، وتحديدا في زنزانته العاشرة، التي اختارها الكاتب عنوانا لكتابه المثير.

في هذا السياق، يقول مؤلف الكتاب أحمد المرزوقي، إن رواج الكتاب الواسع بين القراء المغاربة مرده إلى حب المعرفة لدى هؤلاء، وفضولهم لمعرفة الحقيقة، حيث يشير إلى أنهم رغبوا في معرفة ما كان يخفيه النظام عبر التعتيم الكبير الذي مارسه نظام الحكم وما أعقب ذلك من تداعيات سنوات الجمر، خاصة داخل معتقل تازمامارت الرهيب، الذي يفوق واقع أي خيال، حسب تعبير المرزوقي.

يعود المرزوقي هنا، إلى ذكر بعض الحيثيات التي دفعته إلى تأليف الكتاب، حيث يشير إلى أن الإشاعات التي أطلقها جهاز النظام المخزني عبر قنواته الخاصة، كانت تروم ترهيب الناس، وخاصة مسؤولي الجيش الذي انقلب على الملك. كما يشير إلى أن القناة الثانية رفضت أن تبث، ضمن برنامجها «زاوية كبرى»، بعض اللقطات الصادمة، التي تصف رحلة مصورة إلى تازمامارت رفقة مجموعة من ضحايا هذا السجن الرهيب.

هكذا عندما صدر كتابه «تازمامارت: الزنزانة رقم 10»، وكذا كتاب محمد الرايس «من الصخيرات إلى تازمامارت»، بالإضافة إلى كتب أخرى، تبين أن المغاربة متعطشون إلى معرفة تاريخ بلادهم الحقيقي. إذ يشير المرزوقي أن هذا الإقبال تلقائي وغريزي، لأن القراء عبروا عن رغبة في معرفة ما حدث، وفي كشف المغالطات، التي تكتنف هذه المرحلة من تاريخ المغرب، وكذا في إظهار الحقيقة المغيبة حتى الآن.

من جانب آخر، يكشف المرزوقي أن أسلوب الكتاب البسيط ساهم أيضا في انتشاره، حيث يقول إنه ألف الكتاب بلغة واضحة في متناول الجميع. كما يعتبر أن موضوعيته شكلت سببا آخر في رواجه، حينما جعل من موضوع الكتاب حكاية لمحنة جميع من عاشوا عذابات تازمامارت، لا حكايته وحده. يقول: «لم أتحدث عن نفسي، ولم أقدم نفسي كمركز للعالم، بل حاولت أن أكون صحافيا داخل السجن. لم أتحدث عن نفسي إلا عند الضرورة. لقد تناولت محنة الجميع». وحاول أيضا التدقيق في تفاصيل هذه المحنة حتى يقدم رؤية شمولية إلى تجربة الاعتقال التعسفي.

ويشرح الناشر بشر بناني، إقبال القراء المغاربة على هذا الكتاب في اقتباس أوردته جريدة «أوجوردوي لوماروك» بالقول: «يتعلق الأمر بتجربة استثنائية. إنها تجربة شخص يمضي حوالي عشرين سنة داخل زنزانة للموت البطيء، لكنه يخرج منها حيا. إذ يحكي هذا الشخص واقع معيشه داخل هذه الزنزانة.» ويزيد بناني في شرح هذا الإقبال بالقول إن «المغاربة يبحثون عن الحقيقة».

كما نقرأ من خلال التقديم، الذي يورده موقع «مكتبة العالم»، أن الكاتب يحكي الواقع المزري، الذي عاشه أحمد المرزوقي داخل تازمامارت، ويروي بتفصيل دقيق سنواته الثمانية عشرة في هذا المعتقل، وكذا أوضاعه المرعبة. كما يشير هذا التقديم إلى أن الكتاب يروي أيضا وفاة زملائه السجناء، الواحد تلو الآخر، ويصف الكتاب بأنه صادم في وصفه، لكنه يعتبر أنه حقق بذلك رقما قياسيا في تاريخ مبيعات الكتب في المغرب.

من جهة أخرى، كتبت الكاتبة والصحافية الفرنسية «نانسي دوليم»، في صحيفة «لوموند دبلوماتيك» الفرنسية/ عدد فبراير 2001، أن الكتاب يصف الحياة داخل سجن رهيب ضم بين أسواره «58 عسكريا شاركوا في هجومين على الملك الحسن الثاني- بطريقة ثانوية، لأن المسؤولين الأساسيين قتلوا». وتضيف أن أحمد المرزوقي، صاحب الكتاب الذائع الصيت الذي قضى أزيد من 6550 ليلة في قبو مظلم، كان واحدا من الناجين الثمانية والعشرين.

لكل هذه العوامل، استطاع كتاب «تازمامارت: الزنزانة رقم 10» أن يسجل اسم مؤلفه كصاحب أعلى المبيعات في تاريخ الكتب في المغرب إلى حد الساعة، وأن يلقى تعاطفا منقطع النظير في المغرب وأوربا على الخصوص. فرغم أن المرزوقي لم يكن يتوقع هذا الإقبال غير المسبوق، إلا أنه كان متيقنا من أنه سيُقرأ، «لأني كتبته بحرارة». ورغم أن مبيعاته تراجعت خلال السنوات القليلة الماضية، إلا أن ترجمته إلى العربية أحيته من جديد. كما لعبت إعادة نشره في لبنان السنة الماضية في إثارة النقاش ثانية حول قضيته الأساسية: الاعتقال التعسفي.

لأسد الله في كوبا – معتقل غوانتانامو

لأُســدِ الله

لأسد الغاب في كوبا السلام *** وإن عز التزاور والكلام
ليوث حينما وثبوا تنادت *** كلاب الغاب و انجفل النعام
تطوف بها الغداة بكل ذعر *** وتحرسها الرواح فلا تنام
تخاف تواثبا منها فتدني *** مشاعلها إذا جن الظلام
وما ضر الكريم إذا علاه *** لحسن صنيعة منه اللئام
ألا أيها الأحباب عذراً *** فقد طاشت بجعبتي السهام
نرى للمسلمين بكل أرض *** مجازر مالهم فيها قوام
نرى في قدسنا قرداً دعياً *** يئن بثقله الحرم الحرام
يغني بالسلام وإن منه *** ومن غلوائه يشكو السلام
نرى مالا يطاق إذا تمطي *** بأعراض القوارير الطغام
وسالت دمعة في خد طفل *** جريح لم يجاوزه الفطام
وشيخ مبعد تعبت خطاه *** ويطويه مع الألم الحمام
هنا قدم وذاك دم مراق *** وتلك يد تحيط بها عظام
وشيء من بقايا شبه دار *** وأنقاض وأبيات حطام
أخي إن لم تقم لله فيهم *** فحسبك فتية لله قاموا
فقالوا : ربنا إنا برئنا *** وقد خذلتهم العرب الكرام
وإنا ربنا لما سمعنا *** صريخ الدين حق الانتقام
سل الأفغان والشيشان عنهم *** سل البوشناق كيف بها أقاموا
وسل يوم الكريهة كيف كانت *** بسالتهم وقد ثار الرغام
وجلل صارخاً للحرب فيهم *** صبيٌ لم يناهزه احتلام
وسلها عن عدوهم المفدى *** وقد لاقتهم الأسد العظام
على أعقابهم نكصت وولت *** جحافلهم يعرقلها الزحام
أيا أحبابنا عذراً فإنا *** ليرهبنا الشباب إذا استقاموا
أيا أحبابنا عذراً فإنا *** يهدهدنا التغزل والغرام
يلفعنا إذا نصحوا انخذال *** ويصفعنا إذا نمسي انهزام
تعلمنا المذلة كيف ننسى *** وكيف نجيب إن وقع الملام
أيا آسادنا في القلب نارٌ *** يزيد لحبكم فيها الضرام
لكم منا الدعاء بظهر غيب *** من الأبرار ما صلوا وصاموا
لكم منا اللسان وكل حبر *** إذا ما لف في الغمد الحسام
لأسد الله في كوبا السلام *** وقل لهم إذا عثر السلام
بكم نشدوا فحيوا كل شدو *** مع الأسراب تنقله الحمام
بكم نسموا فحيو كل قطر *** على الوجنات ينزله الغمام

مبارك بن عبد الله المحيميد
2 – 8 – 1423هـ

أدب السجون في رواية (ما لا ترونه) محمد الحسناوي

أدب السجون مظلوم ، كما أن سجناء الرأي أنفسهم مظلومون ، فهل يأتي يوم ، ترفع فيه كل الظلامات عن البشر والأدب ؟ وهل ظلم أدب السجون من ظلم الإنسان لأخيه الإنسان أو لنفسه التي لا ترتاح لحديث السجن – ولو كان عن الأبرياء والمظلومين – كما ترتاح لحديث الحب والغزل ؟ وهل من العدالة أو الكياسة والذوق الرفيع الارتياح للغزل وشعر الغزل ، والإعراض عن السجون وأدب السجون ؟ وإلى متى ينساق الإنسان وراء الغرائز ، انسياقاً أعمى ، مما يصرفه عن الأخلاق والمُثُل والعواطف الشريفة النظيفة ؟
أدب السجون موجود منذ وجد الأدب ووجدت السجون ، ويمكن أن نعدّ منها كتاب (تجربة السجن في الأدب الأندلسي- لرشا عبد الله الخطيب )(1) و ( السجون وأثرها في شعر العرب –لأحمد ممتاز البزرة )(2) و( السجون وأثرها في الآداب العربية من الجاهلية حتى العصر الأموي- لواضح الصمد ) (3) وهي مؤلفات تهتم بأدب العصور الماضية ، أما ما يهتم  بأدب العصر الحديث ، فنذكر منها : ( أدب السجون والمنافي في فترة الاحتلال الفرنسي – ليحيى الشيخ صالح )(4) و( شعر السجون في الأدب العربي الحديث والمعاصر – لسالم معروف المعوش )(5) وأحدث دراسة في ذلك كتاب ( القبض على الجمر – للدكتور محمد حُوَّر) (6)..
أما النصوص الأدبية التي عكست تجربة السجن شعراَ أو نثراً فهي ليست قليلة ، لا في أدبنا القديم ولا في الأدب الحديث : نذكر منها ( روميات أبي فراس الحمداني ) وقصائد الحطيئة وعلي ابن الجهم وأمثالهم في الأدب القديم . أما في الأدب الحديث فنذكر : ( حصاد السجن – لأحمد الصافي النجفي )(7) و (شاعر في النظارة : شاعر بين الجدران- لسليمان العيسى ) (8) و ديوان (في غيابة الجب – لمحمد بهار : محمد الحسناوي)(9) وديوان ( تراتيل على أسوار تدمر – ليحيى البشيري )(10) وكتاب ( عندما غابت الشمس – لعبد الحليم خفاجي )(11)  ورواية (خطوات في الليل – لمحمد الحسناوي )(12)  وقد يكون آخر إصدار هو رواية (ما لا ترونه – لسليم عبد القادر ) وهي موضوع دراستنا في هذه المقالة .
عُرف سليم عبد القادر شاعراً سوريأ في ديوانيه ( القادمون الخضر )(13) و ( نعيم الروح )(14) وبأناشيده للأطفال التي أخرجتها (دار سنا) في أشرطة كاسيت وأشرطة فيديو ، فطبقت الآفاق . وأما (ما لا ترونه – الناشر بلا حدود – 2005م ) فهي روايته الثالثة بعد روايتيه (الأصدقاء الثلاثة ) ( و( ذبيح القدس )  ، وهي تحكي تجربة المؤلف نفسه بضمير الغائب من خلال الشخصية الأولى ( محمود النعيمي ) : طالب جامعي في كلية الهندسة من جامعة حلب في الثمانينيات من القرن المنصرم ، اعتقل من حرم الجامعة أمام زملائه وزميلاته في وضح النهار ، على حين اعتقل معظم زملائه من بيوتهم في جنح الظلام ، ولم تعرف أماكن اعتقالهم أو زيارتهم إلا بعد شهور من اختطافهم ، وتعذيبهم واستشهاد بعضهم تحت التعذيب ، من غير ذنب ارتكبوه إلا مخالفة الرأي للذين اغتصبوا السلطة .
أول درس سياسي في هذه الرواية – ولعله الهدف الأول منها – أن بطل الرواية محموداً كان قبل الاعتقال ضد العنف في معارضة النظام ، يؤمن بالحوار وبالعمل السلمي ، لكن طريقة الاعتقال ، بلا مذكرة قضائية ، وأشكال التحقيق المصحوبة بالتعذيب الرهيب ، نفسياً وجسمانياً ، مما وقع عليه وعلى إخوانه .. جعله ذلك كله يتحول إلى طلب العنف ، والتخلي عن النهج السلمي الذي كان يعتقده . فبعد شهور تستطيع أمه الوالهة أن تظفر بالموافقة على زيارته عن طريق أحد الأقارب الذي يعمل في أجهزة القمع ، بشرط أن تقنع ابنها المعتقل محموداً بالضغط على أخيه فخر الدين المتواري عن الأنظار ، بأن يسلم نفسه ويعترف على (إخوانه ) ثم يتم الإفراج عنه ، يقول الكاتب : ( نظر محمود في الوجوه التي ترقب ردّ فعله باهتمام ، وكان رئيس الفرع يجلس بعيداً في صدر المكتب يتشاغل ببعض الأوراق أمامه ، فسأل محمود : وأخي ؟ ما رأيه ؟
قالت الأم : إنه يرفض الاستسلام ؟
فأخذ نفساً عميقاً ، وقال : الحمد لله ..ثم التفت إلى  ذلك الرجل ليطلب منه طلباً استفزازياً مستحيلاً ، فقال: أخرجوني من هنا لأسلمكم أخي .
ولم يكترث فيما يكون لسخريته الغضوب من أثر ، وتابع الكلام وهو ينظر إلى أمه : إنهم كذابون ، مراوغون ، واحذروا أن يخدعوكم .. لقد عانيت من جراحهم أربعة شهور بلا علاج ، إنهم ألعن من الشياطين ألف مرة ..
فقالت : حتى المقدم علي ؟!
أجابها بغيظ : إنه أكذب من مسيلمة الكذاب … قولي لأخي وللشباب جميعاً ، ألا يستسلموا مهما تكن الظروف … أن يقاتلوا بالرصاص ، بالسكاكين ، بالعصي ، بالحجارة ، بالأظافر … بأي شيء … والذي يعجز عن ذلك فليرحل خارج البلاد لينجو من هذا الجحيم الكافر ، ولو كنت أعلم بأني سألقى هنا معشار ما لقيت ، لما تركتهم يستلمونني إلا جثة هامدة .
فقال الرجل : إذا كان الأمر كما تقول ، فأنا أنسحب ، وأنتم أحرار .
قال الرائد : انتهت الزيارة .
فقالت الأم : يا له من لقاء قصير ، بعد فراق طويل ) ( ما لا ترونه – ص 91- 92 ) ويبدو أن أخاه الشاب فخري سمع نصيحة أخيه ، فقاوم وقاتل حتى استشهد ( وحملت له الأخبار نبأ استشهاد أخيه فخر الدين ابن الثمانية عشر ربيعاً ، فتلقى أكبر صدمة في حياته بالصبر والتسليم ، واستشهد صديقه أيمن ، وهو أمر كان يتوقعه ، أما أبو اليسر فقد اعتقل بعد إصابات بالغة فقد فيها عينه وذراعيه ، وقضى في المنفردة بضعة شهور ، ثم حكم بالإعدام ونال ما يتمناه : الشهادة في سبيل الله ) ( ص 97 ) ..وبالمناسبة هذه الأسماء حقيقية ، وبقية الأسماء التي وردت في الرواية كاملة أو بالاسم الأول ، وفي ديوانه الأول ( القادمون الخضر ) قصيدة خاصة برثاء أخيه الشهيد فخر الدين ، وقصائد متعددة في رثاء الآخرين ، لكن المؤلف لما اتخذ اسم محمود في  الرواية ، تحدث عن بعده الأدبي من خلال شاعر اسمه (عبد القادر ) يطرب المعتقلين بأناشيده وبمزاحه الطريف للتخفيف من وطأة السجن ، والترويح عن النفوس المكدودة وبعث الأمل .
الدرس الثاني في هذه الرواية الجانب التوثيقي فيها لجانب من أحداث سورية في ثمانينيات القرن الماضي : أنواع التعذيب وأدواته .. أماكن الاعتقال ..أسماء الجلادين .. بذاءة التحقيق .. نتن النوايا المنكشفة .. حجم المأساة والضحايا ولا سيما جيل الشياب الجامعي المثقف .. المحاكم الأمنية الصورية ..  التجديف بالله تعالى وبالأنبياء والرسل .. الافتراء على العلماء  لتخذيل الشباب عن أساتذتهم والإيقاع بهم ..
الدرس الثالث هو تحليل نفسيات الجلادين الكبار والصغار ، الصغار منهم يتنافسون في الإيذاء الجسدي والنفسي ويتفنون في إرضاء الكبار ، ومن خلال رسم صورهم الجسدية وبذاءة لسانهم وقساوة نفوسهم وخلوهم من أي إحساس إنساني ، فهم وحوش في لبوس بشر أو عبيد ، وأما الكبار فيتفنون في حبك الاستدراج من خلال حبائل الترغيب والترهيب من جهة ، ومن خلال الافتراء أو الإيقاع بين المعتقلين من جهة ثانية  .
ومن قاع المأساة ، من صلب القساوة والوحشية والبذاءة والاستعباد تشرق نفوس إنسانية تعيد الثقة بأن الإنسان ليس وحشاَ محضاً ، بل هو من مادة وروح ، يظهر ذلك حتى في بعض الجلادين ، مثل الرقيب طاهر( بدءاً من الصفحات 104 ) ،  الذي تعاطف مع المعتقلين ، فأخذ يسهل لهم الانتفاع من دورات المياه ، ومن التواصل فيما بينهم ، ومن إحضار بعض الكتب والأوراق والأقلام والأخبار والرسائل ، وكل ذلك   ممنوع ، يعرّض صاحبه للمهالك ، فكيف إذا بلغ به الأمر أن يتواطأ مع المعتقلين على ترتيب عملية هرب جماعية من السجن ، ثم تأمين مخابيء لهم خارج السجن ؟ وقد حصل ذلك في الرواية ( ص109)  وفي الواقع على حدّ سواء .
أما الأطرف من ذلك فهو انقسام المعتقلين في البداية حول (نظافة ) الرقيب طاهر ، أي هناك من يشك بتصرفاته على احتمال أن يكون جاسوساً عليهم ، يستدرجهم للإيقاع بهم ، أو إنساناً موثوقاً يتعاطف   معهم ، وهذه واقعة مألوفة في صناعة القمع ، وفي تحطيم الثقة بين البشر المعتقلين لدرجة الشك ، فيمن يتعاطف معهم أو يريد تقديم خدمة لهم . فما أعظم جريمة القمع وسجون الرأي بحق الإنسان والبشرية جمعاء ، وهي جريمة ترتكب في السجن الصغير، كما ترتكب في الوطن كله حين يصبح سجناً كبيراً ، وقد صارت سورية للأسف كذلك ، فما من إنسان سوري أو أسرة سورية أو حزب سوري إلا انشق على نفسه طولاً أوعرضاً أو الاثنين معاً ، وكم يلزم من الجهود والأزمان للإصلاح الحقيقي ؟!
ومقابل شخصيات الجلادين تظهر شخصيات المعتقلين صغاراً وكباراً في الأعمار والمدارك والنفوس ، أفراداً وجماعات ، لم يظهر فيهم جاسوس واحد ، لكن سقط عدد منهم في الاعتراف على أنفسهم أو على إخوانهم من شدة التعذيب ، ومنهم محمود النعيمي (أي المؤلف نفسه )، وكان ذلك عبئاً آخر من آلام السجن أن يضطر السجين إلى أن يخون أخاه أو صديقه أو جاره أو زميله ، وأن يسلمه مضطراً لكابل الحديد ، والصعق الكهربائي ، والانحشار في الدولاب للضرب على الأرجل أو على القفا بالعصي ، أو حمل الدولاب ساعات طوالاً ، أو لإطفاء السكاير في المواضع الحساسة من الجسم ولا سيما الأعضاء التناسلية ، أو ما شابه مما يعف القلم عن ذكره .
وهذا غير السباب والشتائم من العيار الثقيل ، وغير الهواء المتعفن وضيق النفس ، والتناوب على شم الهواء من ثقب في أسفل الباب من قبو محروم من النوافذ والتهوية ، لدرجة التعرض للإغماء. ولقد تمنى محمود النعيمي الموت أكثر من مرة للخلاص من هذا الجحيم الذي لا يُطاق ، وتوسل للمحققين أن يريحوه بالموت فرفضوا ذلك (ص32و 35و 40 و43و ) ، لأن الغرض إيقاد الألم ، وتفريغ   الحقد ، وليس راحة الإنسان .  كانت المعادلة ( عدوّ مع عدو) لا (محقق مع متهم ) ، فتصور الثمار التي أنتجتها هذه الصناعة /العلاقة يقول : ( لقد انتهى كل شيء .. لقد اعترفت ، انتهيت .. سيأتون بإخوانك إلى هنا ، يقاسون العذاب والمرارة مثلما قاسيت أنت … أصحابك الذين يظنون بك خيراً ، يحسبون أنك لن تعترف .. وأنت في نظرهم شيء كبير ، وأنت الآن  شيء تافه .. لاشيء …. لكن ماذا أصنع ؟ لكل شيء حدود ، ولكل إنسان طاقة .. حتى الفولاذ ينكسر ويذوب ، كان الموت أسهل عليَّ . ولكن الموت لم يأتِ ، والرحمة كلمة لا وجود لها هنا ، وقد صبرت كما لم يصبر إنسان ، وقد أخَّرت اعترافاتي سبعة أيام ، وعلى أصحابي أن يدبروا أمورهم .. أن يهربوا .. أو يختفوا ، أو يغادروا البلد …و ليس من المعقول أن أذوب قطعة قطعة وهم يجلسون بلا حركة … ولكنهم يظنون بأني أموت ولا أعترف ) ( ص45) .
إن طبيعة التحقيق (جلاد .. معتقل ) تقتضي وفرة في الحوار وتنوعاً  بشكل مسّوغ ، والعزلة أو الانقطاع عن الآخرين تؤدي إلى النجوى أو (المنولوج) ، وذلك كله يعين على تحليل نفوس الشخصيات الظالمة والمظلومة على حد سواء ، وعلى الأخص الشخصية  الأولى ( ص 22 و25 و29و 31 و 37 و38 و 41 و 42 و 45 ).
محمود النعيمي شخصية مواطن مثالي أو عاشق للمثل العليا ، يظن الناس كلهم مثله ، ولم يخطر في باله أن يدخل سجناً ، وإذا دخل ، فهو يظن في نفسه المقدرة على إقناع الجلادين ببراءته ، وبعدالة الأفكار التي يؤمن بها ، وبقدسية ما هو مقدس عند البشر من دين أو خلق أو صدق أو رحمة ، فإذا هو يكتشف الجانب القذر من إنسان الغابة في الكبار والصغار ، بل في مؤسسات كاملة ، وهي خبرة نافعة للمواطنين العاديين ، ولكل مجتمع مبتلى بالطغيان ، حتى يكتسبوا المناعة ، وحتى تزول عن أعينهم الأغشية ، ولكي يأخذوا دورهم في الهم العام وفي عملية الإصلاح ، وبذلك يكون الطغيان جلب لنفسه الخطر ، وأسس لمحاربة نفسه وحشد من لم يحشد من المواطنين ضده وضد وجوده .
وهنا تجدر الإشارة إلى أن صمت الشارع أو الرأي العام طوال أربعة عقود من الانحرافات لا يعني إخراج المجتمع من السياسة ، بل يعني أن هناك تراكمات من المعاناة المضاعفة المحتقنة كالبركان الذي ينتظر لحظة الانفجار ، كما أن تطاول الزمن لا يعني النسيان بحال من الأحوال ، بل التخمر والتفاقم والمزيد من الغليان وتلاحم الآلام . فالثورة الفرنسية لم توجد أسبابها قبل يوم أو شهر أو سنة من انفجارها ، وكذلك ثورة العبيد في روما ، لكن وعي الجماهير المضطهدة فعل فعله حين اكتشف المواطن الفرد أن ألمه ألم جماعي ، وأن النقمة جماعية ، وأن الحراك الجماعي قابل للتحرك والتفجير ثم التغيير . وهذا قانون أو سنة من قوانين الاجتماع البشري ، لكن هل يقيم الجلادون أو الطغاة شأناً للقوانين أيّاً كانت ؟
يفسر هذا القانونَ العبثُ ولحظات الضحك التي يمرُّ بها مجتمع المعتقلين حين يأوون إلى النوم الساعة العاشرة مساء ، فلا ينضبطون بقرار اتخذوه في أحد المهاجع الجماعية ، يخرقه أحدهم بهمس أو نكتة ، فينفجر المهجع بصيحات التأييد أو المعارضة تنفيسا عما فيه من بلاء .
كما يفسره جانب السخرية اللاذعة في شخصية محمود النعيمي أيضاً ، يقول : ( القاضي : – هل من أقوال أخرى ؟
– نعم يا سيدي ، فإن كلامي لم ينتهِ بعد ، وكنت أودّ أن أقول ، بأنك أنت نفسك لو وضعوك في الفلق أو تحت لسع الكهرباء ، لاعترفت بأنك أخ لموشيه ديان .
– ضحك الجميع إلا القاضي ، فقد كان هو الآخر أعور …) (ص100) . وما السخرية إلا ضحك هادف يخفي وجعاً عميقاً .
              ويفسره أيضا الضحك غير الهادف إلا طلباً للترويح عن النفس ، والضحك للضحك في قاع الجحيم ، يقول : ( كان للشيخ مريد طريف طيب ، يدعى عبد السلام ، كان كلما شعر بدبيب الملل و احتدام الجدل ينقذ الموقف بقوله : إذاعة القرآن الكريم من سجن<السادات> تقدم لكم ما تيسر من كتاب الله من تلاوة شيخي محمد خير .. فيقرأ الشيخ ما تيسر ، حتى يجد الهدوء والراحة والسكينة مرتسمة في الوجوه . وقال عبد الكريم : عندي كنز لا ينفد من حكايات جدتي ، سأقص عليكم قصتين كل يوم ، نستعين بذلك على طرد الملل ، وجلب شيء من البهجة ) ( ص 76) والصفحات ( 66 و 74 و 75 و 1079 ) .
أما الروسم أي (الثيمة ) التي قام عليها بناء الرواية ، فهو التسلسل الزمني للأحداث والوقائع من البداية إلى النهاية ، وهو أخلق بالرواية التسجيلية . والذي بعث الحيوية في هذا البناء ثلاثة عوامل :
الأول تعدد الأمكنة والانتقال من سجن إلى سجن ومن تحقيق إلى آخر .
العامل الثاني شبيه بالأول وهو تنوع الشخصيات في الجلادين والمعتقلين .
العامل الثالث ، وهو أهمها ، ختام الرواية بترتيب عملية هرب جماعية ، يخطط لها وينفذها المعتقلون بتعاون مع السجان الرقيب (طاهر) ، وهي خاتمة تذكرنا بالقصص البوليسي وبروايات أغاثا غريستي ، خاتمة ملائمة لطبيعة الأحداث ، وللغة السجون القائمة على أحد الخيارات الثلاثة : دوام السجن لمعتقلي الرأي ، أو الموت صبراً ، أو الهرب لمن يتاح له الهرب ، وما أندر ذلك !! وحصول الهرب مؤشر على التفاؤل ، و على انتصار الخير على الشر بعد صراع مرّ ، وإعمال للفكر ، وتصميم  على النصر . وما ضاع حقّ وراءه  مطالب !!
                                                                               * كاتب سوري وعضو رابطة أدباء الشام
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
(1) – المجمع الثقافي – أبو ظبي1999م .
(2) – مؤسسة علوم القرآن – بيروت 1985 .
(3) – المؤسسة الجامعية – بيروت . 1995م .
(4) – رسالة دكتوراة – جامعة الجزائر 1413هـ = 1993م – محفوظة بمكتبة الأسد – دمشق .
(5) – رسالة دكتوراة – الجامعة اللبنانية 1997م .
(6) – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – وزارة الثقافة الأردنية – عمان – الأردن – ط1 = 2004م .
(7) – مكتبة المعارف – بيروت .
(8) – الأعمال الشعرية – المؤسسة العربية للدراسات – بيروت 1992م .
(9) – مكتبة الأقصى – عمان – الأردن 1968م .
(10) –  دار المنار – الزرقاء – الأردن – ط2 : 1405 = 1993م .
(11) – مكتبة الفلاح – الكويت 1998م .
(12) – دار الشفق – للطبع والنشر –بيروت – ط1 : 1994م .
(13) – مكتبة بيت المقدس .
(14) – مركز الراية للتنمية الفكرية – المملكة العربية السعودية – جدة – – ط1 : 1424هـ = 2003م.

قصيدة رائعةللاديبة المسلمة امينة قطب لزوجها السجين

لها ديوان باسم ( رسائل إلى شهيد ) نتمنى أن نراه في المكتبات قريباً

تلمس في شعرها تجسيد بكل صدق و إحساس و وصف للحركة الجهادية في الأمة في القرن الحالي و السابق و الآلام والصعوبات التي مرت بالأمة و التضحيات التي قدمت في سبيل هذا الدين

تقول لزوجها كمال :

هل تـــــــرانا نلتقـــــي أم أنهــــــــا كانت اللقيا على أرض السراب؟!

ثم ولَّت وتلاشــــــــــــى ظلُّهــــــــا واستحالت ذكــــــــــرياتٍ للعذاب

هكذا يســــــــــــــأل قلبي كلمـــــــا طالت الأيام من بعــــــــــد الغياب

فإذا طيفــــــك يرنــــــو باســـــــمًا وكأني في استماع للجـــــــــــواب

هل تـــــــرانا نلتقـــــي أم أنهــــــــا كانت اللقيا على أرض السراب؟!

ثم ولَّت وتلاشــــــــــــى ظلُّهــــــــا واستحالت ذكــــــــــرياتٍ للعذاب

هكذا يســــــــــــــأل قلبي كلمـــــــا طالت الأيام من بعــــــــــد الغياب

فإذا طيفــــــك يرنــــــو باســـــــمًا وكأني في استماع للجـــــــــــواب

أولــــــم نمــــضِ على الدرب مـعًا كي يعــــود الخـير للأرض اليباب

فمضينا فـــــــــــي طريــــق شائك نتخلى فيـــــــــــه عن كل الرغاب

ودفنَّا الشــــــــــوق فـــــي أعماقنا ومضينا في رضــــــــاء واحتساب

قد تعاهـــــــــــدنا على الســير معًا ثم عاجلت مُجيبًا للذهــــــــــــــاب

حين نـــــــــــاداك ربٌّ منعـــــــــمٌ لحياة في جنـــــــــان ورحـــــــاب

ولقــــــــــــاء فـــي نعيــــم دائــــم بجنود الله مرحى بالصحــــــــــاب

قدَّموا الأرواح والعمـــــــر فـــــدا مستجيبين على غــير ارتيــــــــاب

فليعُد قلبك مـــــــن غفلاتـــــــــــه فلقاء الخلد في تلك الرحـــــــــــاب

أيها الراحل عذرًا في شكــــــــاتي فإلى طيفك أنَّات عتـــــــــــــــــاب

قد تركــــــت القلب يــــدمي مثقلاً تائهًا في الليل في عمق الضبــاب

وإذ أطـــــــــوي وحيدًا حائــــــرًا أقطع الدرب طويلاً في اكتئـــــاب

فإذ الليل خضـــــــــــمٌّ مـــــوحِشٌ تتلاقى فيه أمواج العـــــــــــــذاب

لم يعُــــــــد يبــق فـــــي ليلي سنًا قد توارت كـــــل أنــــوار الشهاب

غير أني سوف أمضي مثلمـــــــا كنت تلقـــاني في وجــــه الصعاب

سوف يمضي الرأس مرفوعًا فلا يرتضي ضعفًا بقـــول أو جــــواب

سوف تحذوني دماء عابقـــــــات قـــــــد أنارت كل فــــــجٍ للذهــــاب

وقالت :

شاقني صوتك الحبيبُ على الهاتف يدعو ألاّ يطول غـــــيابي

شاقني أن تقول لي: طال شوقي قد غدا البيتُ موحشاً كاليباب

شاقــني ذلك النـــــداء حـــــنوناً فلتعـــــــودي لعالم الأحــــباب

شاقــــني أن تقــــول: حُبك بعداً لا تعــيـــدي بواعث الأســباب