الرئيسية / Uncategorized / رواية ليالي كرداسة الحلقة-الأولى المهندس أنور رياض

رواية ليالي كرداسة الحلقة-الأولى المهندس أنور رياض

ليست مقدمة

هل هذه رواية ؟

نعم .

هل هي تاريخ ؟

نعم … مع بعض الخيال .

والتاريخ لا تكتبه رواية واحدة … وإنما عشرات … وربما مئات .

هذه الرواية تروي بعضا من محنة الإخوان سنة 1965 .

هذه ليست مقدمة … لأن تاريخ الإخوان المسلمين ملحمة … روايات متتابعة … ما أن تنتهي رواية حتى تبدأ الأخرى .

لذا …

فإن المقدمة تقرأ في آخرها .

ولنبدأ الرواية …

يحكي أن طاغية … مثله … مثل أي طاغية … عاش زماننا … مثل … أي زمن مضي … كان عنده أخدود مثل أي أخدود مضي … ولكنه أخدود عظيم … سماه السجن الحربي … أوقد فيه نارًا هائلة … وكان يلقي فيه آلاف المؤمنين … ( من إخوان ) الأخدود(وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8))

(1) 1957 زينب الغزالي

رئيسة جماعة السيدات المسلمات … تقف علي رصيف السويس … تشرف علي بعثة حج السيدات . تقدم منها شقيقها بصحبته شاب علي وجهه علامات الطيبة والصلاح … وجه مريح منبسط … إذا نظر إليه الإنسان لا يملك إلا أن يألفه … قدمه إليها .

– الأخعبد الفتاح إسماعيل … من أحب الشباب إلي الإمام الشهيد حسن البنا … كان فضيلة المرشد يحبه ، ويؤثره … وله فيه ثقة مطلقة . أطرقت … وقد فهمت الرسالة . قال عبد الفتاح .

– سنكون معًا … إن شاء الله علي ظهر الباخرة .

في فترة الراحة بعد الغذاء … سمعت طرقاً خفيفًا علي باب حجرتها … تكرر ثلاث مرات … وعندما أذنت … وجدته يتقدم في حياء .

– لو لم تفتحي … لانصرفت … إنها السُّنة …واعتذر لأنه وقت راحتك … لم أجد أكثر منه مناسبة حيث تخف فيه الرجل والحركة

قالت تشجعه :

– لا بأس .

دخل في الموضوع مباشرة :

– اعلم أن بينك وبين الإمام بيعة قبل استشهاده بعد طول خلاف بينكما علي أسلوب العمل الإسلامي .

قالت في دهشة :

– وكيف عرفت ذلك .

رد في ثقة … وطيبة :

– من الإمام نفسه ، طيب الله ثراه .

سكتت برهة :

– وماذا تريد مني ؟

قال بسرعة لينهي المقابلة :

– نلتقي إن شاء الله في مكان أفضل … لقاء لا نبتغي به إلا وجه الله .

في الحرم المكي … ترصّدها … تقدم خلفها بعد الطواف … همس :

– لا تلتفتي خلفك … هناك بالقرب من مكان الإذاعة … يقف أحد ضباط المباحث المصريين … نلتقي عند مقام إبراهيم .

قامت تصلي … وهو أيضًا … قالت بعد أن جلست إلي جواره :

– كيف عرفته ؟

– شاهدته في السجن الحربي … واحد من أشدهم إجرامًا

– سبحان الله … وجاء ليحج

– أنت أعلم مني بالأعمال المطلوبة لكل من يريد الحج … من توبة ورد المظالم … هؤلاء مبعوثون للمراقبة والرصد … ولا يتوبون حتى ولو تاب حمار الخطاب … دعينا منهم

سكت لحظة يستجمع فيها فكره … سأل :

– ما رأيك في حل الجماعة ؟

– القرار باطل شرعًا لأن عبد الناصر ليس له أي ولاء … ولا تجب له طاعة علي المسلمين … فهو يحارب الإسلام … ولا يحكم بكتاب الله

قال في اطمئنان :

– كان هذا رأيي فيك … أخت كريمة … ولا يظهر المعدن الأصيل إلا عند الشدائد

استطرد في حماس :

– يجب إعادة تنظيم الجماعة … ولكن قبل ذلك لابد من استئذان المرشد الإمام الهضيبي … أنا أعلم أنك تترددين علي منزله … وله صداقة مع الأسرة

أطرقت بالموافقة … قال قبل أن ينصرفا

– هذا بيت الله … نحن نجلس في مكان جلي فيه رسول الله صلي الله عليه وسلم وصحابته والتابعون … والصالحون من أمته … وتطأ فيه أقدامنا مواطئ أقدامهم … وتلامس أجسادنا مكان جلوسهم … هيا بنا نرتبط مع الله علي أن نجاهد في سبيله ، ونمضي في تجميع الإخوان لا يردنا عن ذلك إلا الاستشهاد في سبيله …

منذ اعتقاله عام 1954 … وهو في نار السجن الحربي … كان السؤال يأز في رأسه … هل انتهت جماعة الإخوان المسلمين بالضربة القاضية … نهاية لا عودة بعدها ؟؟ رأي قادة الجماعة يتساقطون في قبضة الاعتقال … كأنهم أوراق شجرة توت في فصل الخريف … امتلأت بهم زنازين السجون الحربية في أيام معدودات … كان يشاهدهم في طوابير التعذيب … المرشد … أعضاء مكتب الإرشاد … رؤساء المكاتب الإدارية والشعب … الهيكل التنظيمي – الذي كان حديديًا – تداعي كله … تقوض وكأنه قفص من جريد … جمعهم زبانية عبد الناصر … وكأن آلة حصاد مجنونة اكتسحت حقلاً من نبات القمح … فاقتلعت أعواده … وفصلت عنها سنابلها فانفرطت حياتها … انفرطت الجماعة … صارت أفرادًا … يسحبونهم الواحد تلو الآخر تحت لدغ السياط … وكافة أنواع العذاب التي تجرف طاقة البشر وتهرس إرادتهم تحت وطأتها . نجحوا في ذلك … هكذا بدا كل شيء … من مظاهر الإذلال … ودهس الكبرياء تحت أقدام مجموعة من الجنود تم اختيارهم علي أساس الأشد جهلاً وانغلاقًا … والأغبى نشأة وتحجرًا … والأقرب حيوانية إلي الثيران … والجاموس … دربوهم تدريب الكلاب علي الشراسة للفتك بالضحية بمجرد الإشارة .

عزلوهم عن العالم … في جدب وسط الصحراء … لا حول … ولا … حياتهم معلقة في طرف كرباج … والموت ينتظر رفسة من الحذاء الميرى … والفضاء حولهم يتسع مقابرًا للجميع … الأنفس العزيزة … المنيعة … هتكوا سترها … حرموها من أبسط حقوق البشر … الطعام … الماء … الكساء … حتى قضاء الحاجة صارت تتم في جو من الفزع … هذا إذا سمح لها حضرة العسكري … الحاكم يأمره … أن تتم … الشواهد كلها تقول أن المحنة هذه المرة … ماحقة … مدمرة … والشواهد أيضًا – كما يراها – وسط هذه العتمة … تقول أن الروح المعنوية للغالبية – رغم كل شيء – لا زالت بخير .

الأخ الذي يسحبونه حافي القدمين جريًا سيل لاهب من الكرابيج إلي حيث يجري التحقيق أو الاستنطاق … يظل أخوانه في الزنزانة في حالة سهر وترقب … حتى يعود … يضمونه في حنان ومواساة … يحاولون تضميد جراحه … يؤثرونه بنصيبهم القليل من الطعام طلبًا لسرعة شفائه … ودعمًا ومساندة . الأخ الذي ساعدته الظروف لتجهيز حقيبة ملابس عند اعتقاله يقوم بتوزيعها علي من تمزقت ثيابه من الكرابيج أو بليت … ولمن خُطف من سريره وهو بملابس النوم . في أحيان كثيرة كان العسكري – الشيطان يأمره – يلمح أحدهم وهو ينظر من خلال نظارة الباب … أو عند تلصصه للتنصت عليهم فيسمع كلامًا … وهي في حكمه جرائم تستوجب عشرين كرباجًا علي الأقل … عندئذ يتقدم من يجد في نفسه القدرة علي التحمل مفتديًا إخوانه من العقاب الجماعي إذا لم يعرف الفاعل . عند أي تجمع … أو لقاء … في طوابير العذاب … أو التوجه إلي دورات المياه … يتبادل الإخوان الإشارات باليد والعيون … تدعو إلي الثبات … والصبر . المصحف كان من الممنوعات … ولكن الصدور كانت عامرة بآيات القرآن … فكان الإخوان يحفظونها بعضهم البعض .

كل هذه يا عبد الفتاح … مظاهر صمود ؟؟ .. أم أنها من باب المصائب التي تجمعن المصابينا … هو … وعن نفسه … والله لو وضعوا المنشار في مفرق رأسه … ما تخلي عن الجماعة أبدًا … فكم ( واحد ) من هذه الآلاف … مثله ؟ .. وكم ( مائة ) من هذا الجمع … سقط … وتداعي … وجرت عليه سنة الله في المحن … والشدائد .

المهم :

بعد عامين … وبعد ترحيل – كل من نال نصيبه في سيرك المحاكمة … وصدر ضده حكم – إلي السجون المدنية … بدأ الإفراج عمن تبقي في السجن الحربي قالوا له

– عليك بمراجعة فرع المباحث بالمنصورة … في اليوم التالي

في الصباح كان هناك … علي الباب قابله جثة يلبس جلبابًا .. أشار المخبر إلي حجرة بجوار الباب

– انتظر

الحجرة بلا نوافذ … وكأنها زنزانة في المبني … مضت ساعة … من فتحة الباب يري المخبر – كلما رن التليفون – يهمس فيه … ثم يضعه … ساعة أخري … وساعة ثالثة … ثم رابعة … منظر المخبر لا يسلي … ولا يسر … هم أن يستعجله … عندما التفت إليه وقال

– حسن بك في مأمورية … احضر غدًا في نفس الموعد

لا مأمورية … ولا يحزنون … القصد واضح … استعراض القوة … تكبر … إذلال … وشد أذن … لا … ليس شدًا … وإنما خلع وتمليص للأذن . عاد في اليوم التالي … ثم إلي زنزانة الاحتجاز … في هذه المرة … كانوا أكثر لطفاً … وخفة دم … بعد ساعتين فقط … نال حظوة المقابلة !!

قال له حسن بك :

– أهلاً … حمد الله بالسلامة

الوجه لا يوحي بالترحيب :

– شكرًا

تفرس في وجهه … ثم صدمه بالسؤال :

– هل كنت من الإخوان فعلاً

في محاولة لتلطيف الحوار قال :

– هكذا … قالوا

لم تعجبه الإجابة … نظر إليه في حدة :

– أنا أسأل … و … أنت تجيب … و … بالتفضيل … مفهوم ؟؟

– السؤال لم يكن واضحًا

– ذلك لأني لم أجد لك ملفًا عندنًا … ولا نشاط ملحوظ

قال متماشيًا معه :

– نشاطي كان محدود … مجرد الذهاب إلي الشعبة وحضور صلاة الجماعة

ازدادت قسماته حدة قال في تهديد واضح :

– ما علينا … لا تظن أنك خرجت من المعتقل وانتهي الأمر … يمكن أن نعيدك إلي ما هو أسوأ … الجماعة انتهت … ونحن نراقبك … لا نريد منك السفر إلي أي مكان … إلا بعد الإذن

– ولكنني رجل أتاجر في الحبوب … بيع وشراء … وهذا يتطلب منى التنقل الدائم انفرج قناع وجهه قليلاً

– يبقي الاتصال من المكان الموجود فيه

– سيادتك أدري بمشاكل التليفونات

قال منهيًا الحديث :

– حاول … وعلي أي حال … أراك مرة كل أسبوع علي الأقل …

وضعوك يا عبد الفتاح في زنزانة … صرت فيها المعتقل … وأنت أيضًا … عليها … السجان … علي كل حال زنازين الشوارع أفضل من زنازين السجن الحربي … علي الأقل يمكنك قضاء الحاجة … كلما أردت … وعلي راحتك … وهذه نعمة – لو تعلمون – عظيمة … أصبح السؤال يأز في رأسه … أكثر شدة … كيف ستعود الجماعة في ظل هذه الملاحقات … وكيف يمكن النفاذ من ظلمات بعضها فوق بعض … تواري فيها الأمل … واندثر خلالها الرجاء .

أما أنا :

فوالله لو وضعوا الشمس في يميني … والقمر في يساري … ما تركت هذه الأمر … حتى يظهره الله … أو أهلك دونه … و … صدقت يا سيدي … يا رسول الله .

في الأسبوع التالي … وحسب الموعد … ذهب إلي مقر المباحث … بعد ساعتين من الاحتجاز … قالوا له نفس العبارة .

– حسن بك في مأمورية … احضر الأسبوع القادم .

اللعبة أصبحت بايخة … هه يا عبد الفتاح … لا … لن أخضع لها … ولنري ماذا في جراب الحاوي

عن adminis

شاهد أيضاً

 مواقف حيّة من حياة الشيخ الشهيد يوسف السُّركْجي

عرض كتاب “خفقات رغم الرحيل .. مواقف حيّة من حياة الشيخ الشهيد يوسف السُّركْجي” عوني …

رائد السعدي: أمّي «مريم الفلسطينية»

رائد السعدي، حكاية الصبر الفلسطيني الذي تجلّى في حكاية لا تزال تنسج فصولها على وقع …

كتاب الحافلات تحترق

بكتابه “الحافلات تحترق” الأسير حسن سلامة 48 مؤبدًا يكشِف أسرار عمليات “الثأر المُقدّس” لاغتيال المُهندس …

التسريب الأول | قيادات الإخوان داخل سجون مصر… لأول مرة نشر ڤيديوهات الزنازين الإنفرادية داخل سجن بدر

التسريب الأول | قيادات الإخوان داخل سجون مصر… لأول مرة نشر ڤيديوهات الزنازين الإنفرادية داخل …

تصنيف السجناء وفق النموذج الأمريكي أحد وسائل التنكيل بالمعتقلين الإسلاميين داخل السجون المغربية مول البركي نموذجا

قياما منا نحن اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين بواجب النصرة و العمل على فكاك …

فصول من ذاكرة الاعتقال والممارسة السجنية بالمغرب في سنوات الرصاص في متن كتاب «عائد من المشرحة

مغربنا 1 المغرب «عائد من المشرحة «عنوان كتاب للأستاذ أحمد حو، صدر عن دار الوطن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *