لحسن اوزين: مقاربة روائية لسردية أدب السجون

تمهيد

حاولنا في هذه القراءة لأدب السجون أن نسلط الضوء على رواية الآن هنا لعبد الرحمن منيف، من خلال مجموعة من الروايات، في نوع من التفاعل الخلاق بين النصوص الإبداعية المؤسسة  لتشكل القارئ في النص كمُفعل لمتخيل الكتابة، انطلاقا مما تتيحه خلفيته الثقافية في إدراك حضوره النصي والتاريخي الاجتماعي، خلال سيرورة التدليل، وهو يحاول انتاج الدلالة وبناء المعنى. النصوص السردية الراقية فنيا وجماليا هي التي تورط القارئ في متخيل الكتابة وتجعله معنيا بتشكله الجمالي، حيث هو ملزم بتعبئة الكثير من الشقوق والفجوات، بشكل محايث يجعله متمفصلا مع البناء الفني للرواية. حسب هذا الفهم حاولنا مقاربة الرواية بعيدا عن سلطة النقد في فرض تصوراته النظرية وجهازه المفاهيمي بشكل إجرائي حارما نفسه كقارئ من لذة ومتعة النص، وهو يحاول فهم نفسه أكثر مما يسعى الى فهم شيء آخر مغيب في النص.

فخلال قراءتنا للرواية كانت تحضر بشكل عفوي وتلقائي تجربة محنة السجن من خلال بعض الروايات التي ترسبت بشكل أو بآخر في سجلنا الثقافي الواعي وغير الواعي. وكانت لنا تلك الروايات لكل من عبد اللطيف اللعبي وعبد القادر الشاوي وعبد الرحمن منيف بمثابة موجه إرشادي لتحقق عملية التفعيل لما قرأناه حول أدب السجون من أعمال إبداعية.

أولا * القارئ و تفاعل النصوص الروائية

(شردت أسر وخربت آمال ودمرت أحلام ومرت طاحونة القهر على طموحات أجيال كاملة بدون موجب حق . اقرأ صفحة الماضي قبل أن تطوي أيها اللبيب. اقرأ هي شاهدة على كل شيء اقرأ فلا شيء يضيع مهما أوهمتنا لحظة الجبروت …لا شيء يبقى إلا الحقيقة العارية)1

 لا أذكر كيف ومتى وجدت نفسي أدخل في علاقة نادرة وموجعة مع مجموعة من الكتابات حتى صارت جزءا مني . نصوص تسكنني كقوة غريبة تتحكم في تفكيري وحياتي. هل هي معاناة الجوع والعري والقهر، أو ربما الصدفة هي التي دفعت بمثل هذه الكتابات في طريقي . بما أنني أكره لغة الصدفة والظروف كما يتداولها الأذكياء فإنني لا أستطيع أن أجزم في سر هذه العلاقة. إذا كنت واثقا من شيء فلعل الحياة هي التي علمتني كيف ألتقط تفاصيلها الحية حتى في ثنايا الكتب. لا تستطيع أن تفلت مني لحظة، موقف، سلوك…، لها تفاعلاتها الخصبة مع ذاتي كلها . ربما تلك الأشياء التي تشكل الناس في مساراتهم على اختلافها هي التي ربطتني بكل القراءات التي عشتها ولا أزال كجزء من كياني ووجودي. الكتابة حرفة ومسؤولية، أو مهنة صعبة كما يقول ناظم حكمت. ليس بإمكاني أن أدعي القدرة على ذلك. وإذا كنت أكتب اليوم فليس لأني أعشقها عشقا جنونيا. إنما أدركت ببساطة أن لي الحق في الكلام، والأكثر من ذلك الحق في الحياة ( وقد زادت دهشتي حين قرأت الورقة الأولى. وها قد عرفت ولا يمكنني أن أعيش اليوم كما لو أنني لم أعرف )2.  لا أعرف كم مرة قرأت الرواية وفي كل مرة، أو أثناء كل قراءة كانت تنتابني الشكوك حول المعاني التي أعطيتها لشقوق النص، لفجواته كما يقول النقاد .كانت تعصف بي التأويلات الخيالية بين قوة النص الفنية وبين الشكل الروائي الجدير بالدراسة والتنظير. الشيء الأساسي من هذا كله هو أنني كنت أعتقد ومقتنع الى درجة كبيرة بضرورة الكتابة. هي المرات الكثيرة التي كتبت فيها حو ل الرواية لكن سرعان ما كنت أمزق ما كتبته بدعوى أنه لا يرقى الى مستوى الكتابة النقدية. وفي الوقت نفسه أحس بضرورة الكلام ( كيف أستطيع أن أبقى بعد ذلك صامتا كشيطان أخرس أو أن أبقى عاقلا كما لو أني أقرأ كتابا أصفر أو أستعيد حلما قديما خابيا)3.  أريد أن أقول للناس بأن هذه الرواية سكنتني وأنها لا  يمكن أن تقبل بالصمت والقراءة المترفة ( إذا تحول الانسان الى شاهد أخرس الى شاهدة قبر الى شيء عقيم فعندئذ يفقد مبرراته كلها)4.  قرأت لكتاب كبار كما يقول النقاد لكن وأنا أقرأ ” الآن..هنا” انفجرت ذاكرتي ووقفت جميع النصوص التي كنت أظنها قابعة في ذاكرة النسيان، في ذلك الجزء المهمل والمهمش القريب الى مستودع الأشياء التافهة، إلا أن جدلية القمع والكتابة كان لها رأي آخر في استحضار ما تم ادماجه بطريقة التآزر التدريجي لتطور سيرورة معرفتنا. هكذا فُتحت ذاكرتي على كل السجون، في اللغة، العادات، الثقافة، وفي المأكل و المسكن …

أتوقف أثناء قراءتي . أعرج بعيدا بحثا عن الجلاد في تفاصيل الحياة. في كل قراءة أزداد قناعة بضرورة الكلام وقهر الصمت ( وهل أقوى على ابتلاع هذا الكم الهائل ليس من الأوراق وإنما من العذاب وحدي )5. وحدي لا أقوى على تحمل هذه الرواية لابد أن يقرأها الجميع، أو على الاقل أن أكتب ما بدا لي ضرورة للحوار والقراءة. كمتلقي اقتنعت بهذا الحق في القراءة والكلام دون أن أدعي الحقيقة فيما أقول. النصوص التي قرأتها سابقا كانت تقطع قراءتي، تمارس شغبها، تقفز من منطقة مجهولة في الذاكرة فتقتحم بنزق سيرورة القراءة.  وهي كتب تتداخل فيها نصوص الرواية والنقد، وتفاصيل الحياة والمعيش اليومي. إن شيئا قريبا من لذة النص الذي تناوله بارت بمتعته الخاصة يحدث الآن وأنا أقلب جمر صفحات رواية ” الآن ..هنا”  ( أن أكون مع من أحب وأفكر في ذات الوقت في شيء آخر هكذا أتوصل الى أحسن الأفكار وأخترع بصورة أفضل ما هو ضروري لعملي . كذلك شأن النص يبعث في لذة أحسن إذا ما تمكن من أن يجعلني أنصت إليه بكيفية غير مباشرة إذا ما دفعني وأنا أقرؤه الى أن أرفع رأسي عاليا وأن أسمع شيئا آخر. فلست بالضرورة مأسورا بنص اللذة قد يكون فعله خفيفا معقدا دقيقا شاردا على وجه التقريب،  كحركة رأس طائر لا يسمع شيئا مما ننصت إليه،  ينصت الى ما لا نسمعه)6. وما علاقة قراءتي بالتصور النقدي لجمالية التلقي؟ أقرأ الرواية لكنها تحيلني على روايات أخرى بين السطور، نوع من حوار النصوص، مستوى فني أخر للرواية كان يرتسم في ذاكرتي، معاني ثانية مضاعفة و كثيرة تقفز وتفرض نفسها. أسئلة لا حصر لها تنفجر، ( هل أستطيع أن أغادر وأترك جميع هؤلاء دفعة واحدة، ولكي لا أراهم مرة أخرى أي قلب يحتمل، وهل أملك من القوة ما يجعلني قادرا على البقاء ولا أتبدد الى آلاف القطع)7 . ربما هذا المقطع يقصدني، يبلورني كقارئ ضمني في الرواية، يقحمني في التجربة، دون أن أنتبه الى متخيل الرواية في قدرته الرهيبة على أن يورطني في محنة السجن، حيث لم يعد بإمكاني أن أقول نجوت، لأن وجها واحدا على أقل من وجوه السجن العديدة يلفني، ويجعلني واهما بحرية العبيد التي أنا في خدعتها مجرد سجان بئيس على نفسي.  هكذا كانت صفحات الكتابة تستوقفني بطريقة لا تخلو من الاستفزاز على قبول وضعية مقايضة حريتي برضا الخوف الذي يدثرني. فأكتشف أنا هذا أو ذلك الموقف يستهدفني . هذا الترتيب للوقائع هو تسلسل منطقي فني يختفي حين أكتشف متخيل الكتابة الذي يجعل الشخصية المضمرة ظلا لي.  يقحمني النص في لعبة فنية نادرة بين كوني قارئا، وشخصية داخل المحكي، ومواجهة المصير نفسه. كنت أكتشف منطق القراءة في شكل الكتابة. وبذلك أتحول الى قيمة أدبية أو قل الى تفاعل بين فنية الكتابة وجمالية القراءة،  لا أستطيع أن أضع الكلمات التي تعنيني، ربما علاقتي باللغة سيئة جدا، حيث ما أحسه وأعيشه لا يمكن أن يختزل في عبارات متداولة. لم أعد أملك الخيار نفسه قبل أن أقرأ الرواية. فمع قراءتي الخطية كانت نصوص تخترقني لتتلاحم بالرواية. تضيء الكتابات الصادقة قراءتي، وأكتشف بفرح عارم طفولي لا يخلو من معاناة هذا التفاعل الخصب بين القراءة والكتابة ( تكتب أو تقتل احذر أن تفهم أن هذا الانذار موجه إليك من جلاد ما. إذا تجاوزت سطحية الرمز ستعرف أن صوت التاريخ هو الذي يتكلم. وهو يعبر عن أحد أعنف قوانينه. كل صمت تقصير في حق الحياة. كل يوم يمر دون أن تكون على موعد مع الكلمة يمثل انكسار فرع من شجرة الحياة. وبعبارة بسيطة كل كلمة تضيع هي صوت يخنق، صرخة يائسة لا تجد لها صدى. فضيحة تسقط في مستنقع الأحداث التافهة)8. كلما أنهيت قراءة الرواية أجدني مرة أخرى أعيد قراءتها. لم يكن من السهل علي أن أتخلص منها وأرمي بها كما أقدف بأي كتاب آخر، شعور ما كان يلازمني وإذا كان لي أن أعترف بهذا الشعور فربما القراءة فجرت الأسئلة ولم تعد تقبل بالصمت لغة مألوفة. وربما أيضا لم يعد بإمكاني أن أنسى طالع، عادل، سلوى والآخرين، لا أستطيع أن أخون الأشياء الجميلة التي فجروها في داخلي. ( ليس الخروج من الحمام مثل الدخول إليه عندما يكون المرء قد تحمل مسؤولية أرواح وآمال وتاريخ و هلمجرا،  لا يمكنه أن يقول بين عشية وضحاها لكم طريقكم ولي طريقي)9. لم أستطع أن أفعل ذلك حتى لو أردت. وبصراحة كلمة أردت ليست سهلة كما كنت أعتقد. أشعر عند كل قراءة للرواية أنني مطالب بفعل ما ( الانسان لا يمكن أن يترك يده أو أي جزء منه ويمضي دون أمل، دون عودة. هل نقوى على ترك هؤلاء الخمسة ومادا نستطيع الآن؟ كيف يجب ان نتصرف؟)10.  تقف كل السجون التي أعرفها في وجهي، ويعرفها الآخرون أيضا. يمر عشرات الرجال قربها دون أن يفكروا بمداهمتها وإخراج المعذبين منها حتى يلامسوا الشمس والهواء والأشياء والناس. أسأل نفسي لماذا تسكننا البرودة كما تسكن الرطوبة زنازن شرق المتوسط كلما وضعت الرواية إلا وأشعر ( أني تركت قلبي، جزءا منه)11.  كانت الأسئلة المحرقة .. الوجوه واللحظات العنيفة للحرية، والحياة الحقيقية تلاحقني. لم تكن لتخيفني مراحل التعذيب، لم يمسسني الخوف، طوال الطريق كنت معنيا بالصمود بالقيء والدم وسوط الجلاد، وبصلابة وقوة الانسان وأرادته العظيمة. لم تكن قراءتي مسلية ولا مجانية، بل هي كما يقول الناس الملح والطعام الذي نتقاسمه مع الذين نحبهم.  كنت أشعر أن أجمل شيء أقدمه لأحبائي ولطالع وعادل اللذين ساعداني على الكلام هو أن أواصل القراءة وأنا في وضعية ( تلزمني السيطرة على تنفسي وجعله يتطابق مع ايقاع الضربات الشهيق عند ارتفاع اليد بالسوط والزفير عندما تهوي. الشهيق والزفير بهدوء دون أن يتبين الجلاد ذلك. لكن يلزمني في نفس الوقت الانفصال عن تنفسي نسيانه لأتمكن من تخيل صور أخرى أمكنة أخرى أزمنة أخرى)12.

هكذا هي الرواية تحكي أشياء كثيرة، لكنها في الوقت نفسه تحيلني على عوالم أخرى، طفولتي المستعادة، والقهر الذي عشناه في حي فقير. وضعت نفسي في الذكرى حتى أرى الجلاد أين كان يختبئ،  و ما هو القناع الذي كان يلبسه يومئذ؟ والآن كيف غير مساحيقه؟ تمثلت موقف طالع حين ضربت سلوى، فماذا أفعل وأنا شاهد على كل هذا العنف الدموي ولم أتكلم ( سوف تمر ألف سنة والسؤال الذي لا يبرح خيالي والذي يجعلني حائرا ومملوءا بالذنب الى آخر الأيام هو كيف استطعت أن أرقب كل هذا الذي جرى أمامي ولم أنبس بكلمة، لم أبك كيف؟)13 وعيت هذا الموقف، خفت أن ينطلي علي، كانت القراءة تدعوني للفعل ولم أجد أمامي غير الكتابة ( ما يستعصي على التعبير هي ذي معضلتك هذه المهنة الصعبة التي تجترها في رأسك ويديك مند بواكير شبابك دون أن تستطيع أبدا النفاد الى سرها )14.  لم يكن بإمكاني أن أصمت كما أنني خفت أن أسيء الى حياة الآخرين، الى أجمل ما قدموه من تضحيات ( لست مهرج أحد ما على الذي أو التي تلتمس الهزل وحده إلا أن تمضي لحال سبيلها، لست بائع كلمات أتسمعني، أكتب بحياتي بمجازفاتي ومخاطري وبمجازفات ومخاطر ذاك أو تلك التي يمكن لهذا الأمر أن يسليها أو يثير اهتمامها للحظة )15. أعتقد أنه ليس من حقي أن أصمت أو أرفع صوتي ناكرا دور هؤلاء الذين أيقظوا في قلبي الانسان. وضعوني في وسط الحلبة، صارعت أعزلا من أي سلاح إلا من حريتي وجسدي، كنت لا أريد أن ( أظل كسلحفاة خائفة أحاول أن أتقي نظرات الشهيري وإذا تجرأت فأوجه إليه الشتائم بصوت لا يخرج من اللهاة وأدعو الله أن يحل المشكلة نيابة عني وعن جميع البشر وأشارك بالقلب وحده سلوى وهي تتلوى ثم وهي تسحب، وحين قال الشهيري كإله سومري أعيدوه شعرت بالفرح لأني نجوت)16 لا أستطيع أن أضع الرواية وأقول نجوت. فهمت أن كلام طالع يعنيني ويقصدني في دلالاته الواضحة، وهو يؤسس وجودي النصي والتاريخي الاجتماعي كفرد ينتمي الى أحد سجون شرق المتوسط بشكل أو بآخر. وفي هذا الحضور في عمق التجربة أكتشف ذاتي، وأختار طريقي الذي يحررني من الخوف الذي لوى لساني، فالدرب لايزال محفورا في خلايا جسمي: ( تلك الظروف التي تنعدم فيها أبسط الحقوق الانسانية والقانونية. فالعصابة موضوعة على العينين باستمرار والقيد لا يفارق اليدين والكلام ممنوع بين المعتقلين زيادة على رداءة التغذية وعدم كفايتها مع غياب النظافة وانعدام أدنى رعاية طبية. وقد كان مفروضا على المعتقلين أثناء المدة التي قضوها في المعتقل السري أن يظلوا منبطحين على جنوبهم أو ظهورهم ولا يسمح لهم بالجلوس إلا أثناء فترة الأكل القصيرة. وكل مخالفة لما ذكر تعرض مرتكبها للعقاب القاسي والجلد بالسياط)17.  هي المرات الكثيرة التي كنت أشتم فيها، فبعد كل صفحة أمتلئ بالحقد والغضب، والثقة في النفس.  كانت تسافر بي خيالاتي وأفكاري بعيدا في البحث عن السبل الممكنة لتقوية الانسان داخل الإنسان، من أجل القضاء على السجن. هذا هو الأفق الذي ترسمه الكتابة وهي تحاول تفكيك السجن، أي هدمه نهائيا. أحيانا يبدو لي أن أخطر سجن هو شكل الحياة الذي نعيشه، أي ما تراكم عبر التاريخ الطويل. الكتابة في الآن هنا هي امتداد لصمود الجسد، الكتابة أداة للمواجهة بين السجن والحرية، الكتابة كما هو الجسد: ( جسد الانسان صخرة طاقة لا تنضب ولا تعرف الانتهاء والإرادة رغم أنها تبدت وخبت. إلا أن ذلك الفتيل الباقي يجعل كل شيء قابلا للاشتعال من جديد)18 الكتابة متخيل لا تعكس، لا تمثل واقعا حقيقيا، ليست رؤية ثابتة خارج الزمن التاريخي. إنها لحظة في السيرورة، فعل له آلياته الخاصة. إذا كان الجلاد ينظر الى الذات في سقفها الجسدي فرؤيته ضيقة، وعاجزة عن كسر إرادة الانسان. ما أفهمه أن الكتابة أفق الذات، أو بتعبير آخر يمكن للكتابة أن تشتغل كممارسة لها منطقها الخاص، لا تستطيع أدوات الجلاد أن تقف في وجهها. “الان هنا”  تستحضر الواقع والقارئ من خلال منطق وآليات الكتابة في تمفصل رائع. الكتابة هي هذا العمق الذي يجعل من الذات قادرة على الصمود والاستمرار. إذا كان الجسد يخضع للقهر والتعذيب، للتهميش والالغاء من دائرة الحياة فإن للجسد منطقه الخاص، له آلياته وارتباطاته المتبادلة التأثير والتأثر، يعني يمتلك جدله المميز. إن ما يميز الجسد في الرواية هو المتخيل وليس الروح، أو النفس. هل أحسنت الفهم والتأويل. لم يكن ذلك ليهمني إلا بدرجة فهمي للرواية على أنها امتداد لتجربة السجن، وليست تصويرا أو توثيقا للتجربة. السجن كما تطرحه الرواية هو المتخيل الثقافي، أو شفرة اللاشعور الثقافي الاجتماعي الجمعي الذي يصوغ حياة الناس، ويحدد نمط إدراك الناس ومستوى وعيهم. يتحول الى قوة مادية متحكمة وضابطة للمعيش اليومي ونمط التفكير والسلوك. جسدان في حالة صراع الى حد الاستنزاف. الجلاد يصيبه التعب والارهاق والمرض، بينما جسد المعتقل يدخل في مرحلة أرقى مطورا آليات المقاومة متشبثا بالحياة رافضا للموت. الكتابة كمتخيل فني هي إحدى تجليات إرادة الحياة، هي جزء عضوي تتبلور  في صراع مع امتدادات تجربة القهر والتعذيب وزرع الخوف في الناس ليرضوا بالعيش في ذل السجن العام، الكتابة بهذا المعنى مرحلة متقدمة من السيرورة الاجتماعية الثقافية والإبداعية. لهذا يتضح لنا بأن الكتابة في الآن هنا قناعة متجذرة في عمق الذات ( يجب أن أتحول الى صخرة )19. لا مجال للتردد أمام ( معجزة الحياة أن تكون إنسانا ما هو إن لم يكن الشعور بهذه المعجزة الدفاع عن هذا النبض الذي يجعلنا نظراء متزامنين للبشرية جمعاء، رفض اختناق هذا النبض. الالتحاق بنبض العالم،  هذه المغامرة الفريدة للحياة التي تسري فيه)20.

 شيء ما كان في داخلي يتكسر يضعف ويتلاشى الى أن يمحي، في وقت كانت نواتي تتصلب تزداد قوة وثقة. ولكي أكون إنسانا كان علي أن أدفع من لحمي الحي. هل كنت أقرأ أم كنت طرفا في الصراع. الكتابة شكل آخر لهدم الدهليز، لانبعاث الانسان النائم والمخدر في عمق الجلاد( فالإنسان مخلوق جبار قوي وذكي لأنه قادر على تحمل المصاعب وتجاوزها)21. فكل شيء يتوقف على ( نقض منطق الجلاد وقلب معادلة قواميسه. الانسان معلق مند ساعات. يداه ورجلاه المقيدة قد تورمتا الآن بشكل كبير رأسه يتدلى في الفراغ، لقد بلغ الألم الذي يسحق جسده تلك الدرجة التي تتجاوز كل تصور أوإدراك. الصفراء تبقبق في فمه، يؤمر للمرة الألف بأن يتكلم، يفقد وعيه، يفيق من جديد. الضربات تنهال من جديد بلا هوادة. الحشد يواصل رقصته الوحشية )22 أية مقاربة نقدية تستطيع أن تموقعني خارج القيء والألم والضربات التي لا تهدأ؟ أية ادبية أو جمالية أكثر من حفلة التلقي هذه التي أنا في زحمتها؟ .شيء ما في داخلي يوترني ليس السبب في ذلك أنني تماهيت الى درجة الاختفاء أو أني لم أستطيع أن آخد موقعي النقدي. اختلفت مع طالع وعادل في أشياء كثيرة، لكن ( هدم السجون الداخلية التي نحملها في أعماقنا، وبالتالي هدم سجون كثيرة بما فيها العالية الأسوار والموجودة تحت الأرض لابد ان نهدمها بالكلام والجرأة في خرق الصمت )23 لا يدعي عبد الرحمن منيف، وكل أدب السجون عمل الانبياء لكن بإمكاننا أن نفعل الكثير دون أن نخلق أوثانا جديدة. هكذا اقتنعت( بأن الحياد في أي شيء أكذوبة كبيرة . فالإنسان يحب ويكره يفرح ويحزن ولأنه تعلم النظر الى الأشياء بطريقة معينة فإنه يقيم هذه الأشياء وفقا لتلك الطريقة والذين قضوا الشهور والسنين شهرا وراء آخر سنة بعد أخرى في ذلك المكان العاتي الرجيم في سجن العبيد ولا تزال على جدرانه بقع من دمائهم وأجزاء من لحومهم إضافة الى صرخات الألم وآهات الأحزان. إن هؤلاء الناس لا يمكن ان يكتبوا عن سجن العبيد بحياد أو بدم بارد ) 24.

لا أستطيع أن أمزق صرخات وأحزان الناس، وأنا المعني بسجون شرق المتوسط ، لا يمكن أن أتحول الى بائع كلمات، ولست واحدا من تجار الصمت ( إنني بمجرد الاقتراب من هذا الجو استعادته أشعر أن كل شيء داخلي يتغير يتوتر جسدي وأصاب بحالة من الشراسة قد أرتكب معها الحماقات كلها، بل وأصبح مستعدا للحرب حتى ولو كنت وحدي)25. أستحضر تلك الليالي العنيفة وأنا أقرأ الرواية، ( وأتذكر تلك الليالي الطويلة كنت أحشد إرادتي وأنا أرى عيونهم المحتقنة تطل مثل فوهات النار وأسمع أصواتهم تهدر من كل مكان، يجب أن تعترف فأقول لنفسي الفرق بين الحياة والموت لحظة والفرق بين الصمود والسقوط لحظة)26. سر الصمود هو تلك الاشياء الجميلة الغامضة، إنها أشبه بنداء قوي يشبه الطوفان( أنت الآن في مواجهة التحدي الكبير إما أن تصمد أو أن تسقط ويشمخ في داخلي نداء عات. صوت كانه الطوفان الإنسان لحظة قوة وقفة عز فاحذر. تتقوى ثقة الانسان بنفسه بقواه الظاهرة والكامنة التي يعرفها أو التي يدركها في لحظة المواجهة. يكتشفها بفرح عارم الله .. كم في الانسان من قوى غير قابلة للكسر والالغاء)27. خلال لحظات التعذيب التي أنا في مرجلها بين صفحة وأخرى تتشكل الكتابة كآلية إنسانية، تتحرك تلك الأشياء الغامضة التي تجعل الانسان صامدا ( كنت أمتلئ بشيء غامض لكن طاغ وكثيف وقد افترضت أن أية تضحية في سبيل هذا الشيء ليست مقبولة فقط بل وضرورية الى أقصى الحدود)28.  الانسان لا يستطيع أن يحدد حقيقة هذه الاشياء التي تجعله صلبا كالصخرة أثناء لحظة التعذيب لكنه لا يملك  موقفا آخر غير مواصلة الصمود والعناد.( الى وقت متأخر، وربما الى الآن لم أستطع أن أحدد طبيعة هذا الشيء الذي أدافع عنه هل هو الكرامة الشخصية الإنسانية، هل هو اليأس أو الاستقالة الكاملة من الحياة )29 إن هذه الاشياء التي كانت غامضة ومتمثلة في العناد سرعان ما يتضح أنها قناعة قوية بحق الانسان في الحياة والحرية، و لا مساومة في ذلك، خصوص بعد هذا الخراب الذي نشرته آلة التعذيب والقمع الرهيبة .( من العار بعد هذا الإذلال والعذاب، أن أقدم لهم لحمي عشاء شهيا يتمتعون به. ثم إني أدافع عن قضية عادلة وبسيطة. حقي وحق الآخرين في الحياة والحرية، وهم يدافعون عن امتيازاتهم وعن السلاطين والشيوخ الفاسدين ولذلك يجب أن أكون أقوى منهم، لأن قضيتي هي المشروعة)30. تلك الأشياء الغامضة والإرادة الصلبة والقناعة بحق الحرية والحياة، هي التي تواصل فعلها من خلال الكتابة كشكل من أشكال الصمود. الكتابة تضعني عند لمسها والحفر فيها وجها لوجه مع الجلاد، مع السجن في حقيقته السياسية الاجتماعية والثقافية. تقحمني الكتابة في عالم الكتابة الذي هو عالمي المعيش. تصبح الكتابة مرجعا واقعيا، يتحول الوقائعي الواقعي فآخذ موقعي الذي هو موقع الرفض والفضح والتعرية. ما أبشعنا ونحن ننام على إيقاع صرخات المعذبين. متى تأتي الرياح التي تخرج القلوب من أقفاصها. تصير قراءتي كتابة. أحاور، أبحث أحتج( وجدت نفسي أغرق في تلك الأوراق، كنت وأنا أتوغل في ذلك العالم المجنون أزداد مرارة وحقدا وأزداد اقتناعا أيضا أن هذا العار الذي حملناه معنا فترة طويلة. يجب أن ينتهي وأن يزول)31. أهدأ وأفكر بجدية وأقول مع نفسي كيف يمكن أن يزول السجن؟ أبحث وجهة نظر عادل حول أهمية الكلمة كسلاح شجاع. أتأمل حالة الانهيار الشامل التي أصابت المجتمع، خصوص بعد التحولات العربية والعالمية الأخيرة. أنظر لمحاولة الدولة التقليدية معاودة انتاج الاشكال السياسية لمعاودة إنتاج نفسها كاستبداد مستحدث، وهي تغرق الصراع السياسي في الصراع ضد الإرهاب والأسلمة، مما يحررها من طرح المشكلة الحقيقية على أنها مشكلة سياسية.

كتابة لا تتركني ألتقط أنفاسي، لا تمنحني لحظة راحة. أقرأ الأوراق وأعيد قراءتها. كتبتني بقدر ما قرأتها( كانت أوراق طالع موجعة، نازفة، قلت لنفسي لا بد من نشرها)32. لو لا قناعة عادل بقوة الكلمة لما عرفت أوراق طالع طريقها الى النشر. أنه يرفض استمرار تجارب الناس وفق أسلوب الذاكرة الشفوية التي أنتجها الخوف والصمت ( ألا تعتقد أن الجبن يكتسي كل يوم وجها جديدا، قناعا جديدا وإلا كيف نفسر هذا الفرق الهائل بين ما يقع كل يوم وعلى مرأى من الآلاف ولا نجد ما وازيه من وقائع مكتوبة ؟ ولماذا يكتفي الناس في بلدي بهذه الذاكرة الشفوية وحدها طريقة للتعلم والتواصل ثم التاريخ؟)33. كانت الأسئلة تتلاحق ، أو بالأحرى تطاردني كما لو أني في حالة طوارئ قصوى. تستفزني بقدر ما تكشف عن حقيقة السجن ( ما أفكر فيه السجن الداخلي وهو أن يرضى جميع الناس بالبقاء في هذا السجن، عدا مجموعة صغيرة للحراسة، وهذه المجموعة ذاتها دائمة الخوف لأنها لا تعرف متى ستلتحق بالآخرين وتدخل السجن أيضا. لو كان شعور الناس بالحرية حقيقيا لتقلص السجن الى حدوده الجغرافية وربما انتهى. لكن مادام الناس هكذا فإن السجن لن يبقى أحد خارجه)34.

تبدو لي الكتابة في الآن هنا كصمت الذات أمام المحقق والجلاد، لها المفعول نفسه، تعمل على كسر الخوف والرعب الذب لوى اللسان وغلف القلب بالصمت. كتابة تحررني من الصمت وتهزم الخوف، تولد الغضب وتعري ليل الصمت ونهاره الذي يسربل الانسان في شرق المتوسط بكفن خوف الموت قبل أن يأتي الردى. هاجس الكتابة هو الكتابة التي تحث على خلق ذاكرة إضافية لدى الناس، أي على الأقل ما يمكن اعتباره مساميرا للذاكرة. وحدها الكتابة تفضحني، إذ تفضح واقع الصمت وتضع حدا لأوثاني، وللغة السرية التي تجثم على صدري. لا أحد يستطيع أن يصرخ بالحقيقة في بلديغير المجنون. إني أبارك وأعتز بهذا الجنون الذي ولدته سرديات أدب السجون. ( اللغة السرية في بلادنا وحدها اللغة المتداولة، وهي نتيجة السجن الطويل، سجن الآباء والأديان والأقوياء. ولا أحد يعرف متى يمكن أن تترجم هذه اللغة الى كلمات فوقائع يقرأها جميع الناس ويعرفون في أي مستنقع يعيشون)35

“الآن.. هنا”  ليست رواية عادية، أقذف بها الى متحف الذاكرة. كلما أغلقت الرواية أجد سعد الله ونوس يعيد على مسمعي كلامه الشفاف الجميل النافذ، وهو يحثني كالعادة على أن رحلة الألف ميل تبدأ بالخطوة الأولى( إنها تتعمد أن تظل قولا ناقصا، قولا لا يكتمل إلا إذا أضاف القارئ عليه موقفا أو فعلا)36.

الهوامش

اعتمدنا في كتابة هذا النص على الروايات التالية وهي تندرج الى حدما فيما يعرف بأدب السجون

المصدر الرّأي اليوم

  • عبد الرحمن منيف الآن هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى
  • عبد اللطيف اللعبي مجنون الأمل
  • عبد اللطيف اللعبي تجاعيد الأسد
  • عبد القادر الشاوي كان وأخواتها

عن adminis

شاهد أيضاً

في الذكرى العاشرة لرحيله: قدور اليوسفي واعتقال والدي الحاج الجيلالي لعماري بقلم عبد الله لعماري

الحلقة الثالثة اعتقال والدي الحاج الجيلالي بأمر من قدور اليوسفي. الطريقة التي دخل بها البوليس …

من دروس السّجن-الدكتور خميس الماجري

لستُ ممّن يشاهد المسلسلات لأنّها تسلسلك عن طاعة الله عز وجل، غير أنّه ـ بحكم …

مناقشة هادئة مع من بيده الملفات الخاصة مجموعة أطلس إسني نموذجا ؟؟؟؟ الجزء الأول بقلم زكرياء بوغرارة

مناقشة هادئة مع من بيده الملفات الخاصة مجموعة أطلس إسني نموذجا 28 سنة سجنا … …

جدران العزلة مع سن قلم”.. لماذا يجب أن نقرأ في أدب السجون؟

لا نعرف تحديدا متى ظهر مفهوم السجن في تاريخ البشر، لكن يبدو وكأنه أينما ظهرت …

كلمة في تأبين المعتقل الإسلامي السابق احمد شهيد بعد رحيله بقلم عبد الله العماري

كلمة في تأبين المعتقل الإسلامي السابق أحمد شهيد بعد رحيله بقلم الأستاذ :عبد الله العماري …

ربح البيع يا شيخ شعيب ربح البيع

ربح البيع يا شيخ شعيب ربح البيع  بقلم زكرياء بوغرارة  مشرف موقع ادب السجون إنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *