أرشيف شهر: مارس 2021

أدب السجون في جنوب إفريقيا

ترجمة: د. عمر عبد الفتاح (*)

عندما نطالع عبارة «أدب السجون» (**) فإننا نستشعر نوعاً من الألفة والاعتياد تجاهها، فنحن نستوعب ما تشير إليه العبارة، وما تتضمنه من معنى؛ بشكل ربما يفوق إدراكنا لما تشير إليه كثير من المسمّيات الأخرى التي تُوصف بها بعض «الأنواع الأدبية» المتعارف عليها كـ «شعر الحب» أو «الرواية التكوينية»Bildungsroman  .

وبمجرد مطالعة هذه العبارة (أدب السجون)؛ فإن المرء يكون مهيئاً تماماً لما هو آت، فعقولنا تختزن مجموعة من التفاصيل والصور المركبة المستقاة من قصائد «فيلون» و «فيرلاين» و «أوسكار وايلد»، ومن روايات «كوستلر» و «سولزهنيتزين»، مع بعض التغيرات في الشكل النابعة من أعمال «ستندال» و «كافكا» و «نابوكوف».

إنني أعتقد أن أدب السجون يحظى بتجانس يفوق غالبية الأنواع الأخرى، حتى مع الأخذ في الحسبان التباينات غير المحدودة، في الشكل والأسلوب والفترة الزمنية والوضع الجغرافي، التي نعيها وندركها تماماً.

وهذا التجانس في الجوهر والطابع والحالة، بصرف النظر عن الشكل، يحدث نتيجة للظروف المادية المتقاربة التي ينتج عنها أدب السجون، وهو ما يضفي عليه في الغالب نوعاً من التشابه، وربما يكون هناك فارق بسيط إذا كان الكاتب أو بطل العمل الأدبي سجيناً جنائياً أو معارضاً سياسياً، أو كان كجوزيف ك(1)، ولكن في نهاية الأمر السجن هو السجن، وبطبيعة الحال؛ فإن الخط الفاصل بين المجرم وبين المعارض يمكن أن يشوبه نوع من الضبابية وعدم الوضوح في أي بلد في أوقات الاضطراب وعدم الاستقرار السياسي، وتتضح هذه الضبابية بشدة في رواية «سفر دانيال The Book of Daniel» للكاتب ي. ل. دوكتورو E. L. Doctorow ، والتي استوحى أحداثها من قضية إعدام الزوجين روزنبرج في الولايات المتحدة الأمريكية(2).

ولا يمكن تبرئة دولة جنوب إفريقيا من معاملة السجناء السياسيين بوحشية، كما لا يمكن تبرئتها كذلك من تشجيع إدارة السجن والمواطنين العاديين على النظر إلى السجناء السياسيين بوصفهم نفاية أو حثالة أقل شأناً من السجناء عتيدي الإجرام.

وسواء كان السجين سفّاحاً أو مخرباً أو  قاتلاً أو حتى مثقفاً مشتبهاً به؛ فإن تجربته في التوقيف والاحتجاز سوف تتشابه وتسير وفقاً للنمط المعتاد، فدائماً ما يكون هناك الخوف من رجال القانون السفلة القساة المخالفين للقانون، والإحساس بصدمة الحبس، والشعور المستمر والمركّب بالحرمان، ويأس وإحباط ما بعد المحاكمة، والانطواء، والانزلاق المؤقت أو المستمر نحو الجنون، والإحساس بضيق المكان، وامتداد الزمان، وكذلك حدوث تداخل وتشوّه في أشكال الذاكرة وألوانها، ومن ثمّ يبرز الإحساس بالذنب الذي يؤرّق ويزعج السجين الذي يعاني الضيق من الأساس.

ويختلف نوع الضيق ودرجته من كاتب لآخر، والذي يتأرجح ما بين الإحساس بالذنب ومحاولات التسويغ للذات؛ كما في شعر فيلون Villon، على سبيل المثال، وبين الإحساس التام بالذنب كما في كافكا، والذي يصل إلى شدة المعاناة والتعذيب التي تُخلّص وتُعتق من الذنب؛ كما عند روباشوف Rubashov في «ظلمة منتصف النهار» Darkness at noon ، ومع ذلك فإن الإحساس بالذنب يشبه الحرباء القبيحة التي تغيّر لونها على الدوام؛ فهو يعمل على إخفاء نفسه دائماً في وعي السجين.

ويتبع أدب السجون في جنوب إفريقيا نظيره الأوروبي بشكل كبير، وفي حدود معلوماتي؛ فإن أول عمل صدر عن تجربة سجن حقيقية (وليس سجناً خيالياً كما في رواية «ابكِ يا وطني الحبيب»Cry, the Beloved Country)؛ هو رواية «سجن الحجر البارد» Cold Stone Jug لـ هـ. س. بوسمان H.C.Bosman ، التي نُشرت لأول مرة عام 1969م على الرغم من أن الأحداث التي تصوّرها تمت قبل عشرين عاما ً(3) من تاريخ نشرها.

وكان بوسمان قد قام بقتل أخيه غير الشقيق في مشاجرة، وحُكم عليه في البداية بالإعدام شنقاً، وتم تخيف الحكم فيما بعد إلى السجن لمدة أربع سنوات، ولكن تخفيف الحكم جاء بعد أن عاش بوسمان تجربة الوقوف في طابور الموت طوال فترة المحاكمة، وقد كتب بوسمان بالتفصيل حول هذه الفترة المُرَوِّعة، وهذا التفصيل تكرر بعد ذلك مرات ومرات في أعمال أدب السجون في جنوب إفريقيا خلال الخمسة عشر عاماً التالية، يقول بوسمان:

«… خيّم ظلّ هذا الشنق كحجاب قاتم فوق نزلاء السجن جميعاً، الحراس والمدانين… فهناك شيء ما يقبع داخل أكثر الحراس قسوة أو داخل ذلك المدان، عدوّ المجتمع، يجعله يرتعد لمجرد التفكير في الموت، ذلك الموت القاسي، أو لمجرد تخيّل ذلك الطقس الرهيب الذي يتم فيه تقديم الإنسان للموت فوق حفرة مظلمة، في وقت محدّد، ضمن إجراء قانوني لا يمتد فيما وراء الأغلال التي تقيّد يديه، والقيود التي تكبّل قدميه، والكيس الذي يغطّي رأس الرجل المدان، وقطعة الحبل الخشن التي تُعقد حول رقبته»(4).

ويضيف بوسمان أنه عند فتح باب منصّة الإعدام الأفقي الذي يعلو الحفرة المظلمة «يدوي صوت ارتطام مروّع يهز المبنى بكامله، ويتدحرج الكوب المعدني على أرضية الزنزانة… مؤذناً بانتهاء الأمر»(5).

وترد هذه التفاصيل بشكل كبير ومؤرّق في رواية «سجن الحجر البارد»، وذلك بالرغم من الراحة التي يمكن أن تتملك البعض لأن المجتمع يخلّص نفسه من القتلة عبر هذه الطريقة، ولكن عندما نطالع هذه التفاصيل نفسها في أعمال السجناء السياسيين السابقين، والتي ترد أحياناً بشكل أكثر تفصيلاً وأكثر عمقاً، فإنها تصبح صعبة الاحتمال، فعقولنا تنحو، كما يشير بريتنباتش  Breytenbach في الفقرة التالية، نحو استيعاب الرعب وتفهمه ولكن بنوع من التحفظ، ومن ثم تتعثر وتتراجع بارتياب:

«يجب أن يكون كالجدار… إنني أحاول أن أتخيل، كما تخيلت بقلبي آنذاك حين توقف عن التنفس، ماذا يجب أن يكون عليه من يُعدم؟ ماذا يجب أن يكون عليه المدان بالإعدام؟ مشنوقاً ومعلقاً من ممر التنفس والكلمات… وزنزانة المدانين بالإعدام تطبع أقدامهم، وتعكس صوت جلبة قيودهم، وترفع أصواتهم، في إيقاع ممزوج ومتلازم للحياة والحزن… إنني أحاول أن أتخيّل امتهان الإنسان للإنسان باستخدامه الأغلال وغطاء الرأس والحبل وباب منصّة الإعدام الأفقي ــ تنهار الأرض مبتعدة للأبد، لنصبح نحن الريح والطيور والغناء، غناء الأحبال المثقلة…

أغلق عيني، ولكنني لا أستطيع مواجهة الظلام، لا أستطيع الخلود للنوم إلا إذا تهاويت خلف أغشية جفوني، كجدار يتداعى وينهار في صمت قبل العدم، إنني أتخيل.. إنني أذهب…»(6).

(ولو توقفنا للحظة: سيجد المرء نفسه متردداً في الكتابة عن تلك الأمور، فالناقد يشعر بالوضاعة لانشغاله بتقييم أنماط اللغة، والمقاطع الشعرية، وسط تلك التفاصيل القاتمة المروعة، بينما يجلس هو أو تجلس هي في أمان يدرسون الاتجاهات والتقاليد الأدبية).

وأحد المظاهر المؤثرة للغاية في طقس ما قبل الشنق في جنوب إفريقيا؛ هو الطريقة التي يغني بها السود في السجن احتفاءً بعضهم ببعض، ويجب على المساجين البيض المدانين بالإعدام استئجار مغنّيين إذا ما أرادوا أن يغني أحد لهم في ليلة الإعدام، أما السجين المدان بالإعدام من السود فيقوم رفاقه في السجن بالغناء له طوال الليل، وتتوافق أصواتهم وتتناغم منتقلة من زنزانة لأخرى.

وقد ضمَّن الشاعر جيرمي كرونين Jeremy Cronin في ديوانه «في الداخل Inside» قصيدة بعنوان «طابور الموت Death Row»، والتي يحاول في جزء منها أن ينقل صوت ذلك الانسجام والتناغم وصداه، وفي هذه القصيدة يرد الغناء احتفاءً بثلاثة من المساجين الجنائيين السود، وهم: مويس، وتسوتسوبي، وشابانجو:

«صوت يقود المجموعة:

انهضوا، انهضوا عاليا

كل ليلة،

ويردّ اثنين من الكُورَس بصوت خفيض:

انهضوا أيها السجناء من سباتكم

لتتحمسوا

ردّدوا وأنشدوا مثل

تموّجوا مثل

تمايلوا مثل

   أوكوهلا بيليلا

تحمّسوا مثل

دمدموا مثل

تحمّسوا مثل

فوروا مثل حساء الفاصوليا الذي يشبه

تموّجوا مثل رتل حافلات يتمايل الذي يشبه

تحرّكوا مثل

تهادوا بشموخ مثل

تحرّكوا مثل

المحارب

   أوكوهلا بيليلا

ثلاثة أصوات تنادي

مويس انضم إلينا

 أو ردّد يا تسوتسوبي

وتمايل يا شابانجو

وأصوات الآخرين من حول الثلاثة

تتلاشى في نهاية كل ليلة

إنهم ثلاثة الآن

الكل يردّد في صوت واحد: تا… تا … تا

تحيا الوحدة العالمية

يحيا الإنسان

يحيا مانديلا

يردّد الجميع يحيا… يحيا!!!

إن أصواتكم، أيها الأخوة

تزلزل أروقة القوة الصماء هذه»(7).

وإذا كان كرونين يركز في إيقاعات الأغنية، وعناصر التجديد فيها، وتأصُّل الأغنية في الحياة اليومية للسود؛ نجد أن بريتنباتش يؤكد في أثناء القصيدة الرابعة عشرة من ديوان Voetskrif على معاني الضياع والحزن وفقدان العون والخوف:

   «للمنشدين

لكم أنتم يا من تُنشدون من وسط الظلمة

كالنحل في أرض لا تتفتح فيها الزهور

لكم أنتم يا من تبحثون عن الراحة حيث لا توجد راحة

يا من تنادون المخلّص ليخلّصكم حيث لا يوجد خلاص

يمكنه إنقاذكم

يا من تُنشدون كما لو كانت حياتكم معلّقة عليه

وأنتم تعلمون أن حياتكم ستظل معلّقة»(8).

ولا تنتهي قصيدة بريتنباتش بصور «الحياة التي تتراوح ما بين المتعة والألم»، وبكلمة «سبّحوا الرب» Halleluja، بل يظهر معنى الموت والعدمية بقوة في القصيدة؛ ربما لأنه يكتب تعليقاً على غناء السجناء للترانيم وليس تعليقاً على أناشيدهم السياسية، وكلا النوعين يظهران في أعمالهما.

وقد سجّل عدد من الكتّاب غناء ما قبل الإعدام في أعمالهم، ومنهم روز موس Rose Moss في روايتها «الإرهابي The Terrorist»، وبريتنباتش في رواية Mouroir(9)، ورواية «الاعترافات الحقيقية للإرهابي الأبيض The True Confessions of an Albino Terrorist».

وليس هناك شك في أن وصف غناء رفاق السجن للمحكوم عليه بالإعدام وتصويره يُظهر قدرة الكاتب على إشعار القارئ بالشجن والحزن، حتى لو تكرر ذكر الأمر، فتأكيد معاناة الإنسان في تلك اللحظات، وتأكيد الجمال والغضب في ذلك الغناء، يحول دون تحوّل هذا التكرار إلى أكلشيهات وقوالب معهودة، فبعض الأمور تحتمل بل تستحق – في الواقع – التكرار، ولكن هناك عدد من العناصر التي يمكن توقّعها في أي تجربة للسجن، وهذه العناصر معرضة بشكل كبير لتكون مستهلكة ومبتذلة لكثرة تكرار الكتابة عنها.

ويبدو لي أن أدب السجون ربما يكون أكثر عرضة للقولبة من غيره من الأنواع الأدبية نظراً للنطاق المقيّد لبيئة السجن، فعلى سبيل المثال، هناك عدد لا يحصى من نماذج تصوير الطيور كرموز للحرية، وهناك الإشارات المتوقعة حول ضيق المكان وامتداد الزمن، والتحويل المعتاد للمرأة، الأم أو الزوجة أو الحبيبة، لشخصيات أخروية خيالية، أو لشخصيات شديدة الطهر، بالإضافة إلى التمجيد الدائم للحياة خارج السجن.

وتعبّر قصائد جيرمي كرونين في ديوانه «في الداخل Inside» عن صحافي متمكن صاحب مشاعر رقيقة، ولكنها بشكل عام لا تندرج تحت الاتجاه العاطفي، وهو يبدأ قصيدة «للرفاق في الحبس الانفرادي» بسطور شديدة الرقة والعذوبة، يقول فيها:

«في كل مرة يحبسون طائراً

تنكمش السماء .. قليلاً

ويستمر كرونين لكن نحو مكان يظهر فيه «العدل» المروع، حيث يُشاهَد طائر أبي منجل عبر قفص معدني، وكأن

المرئي، المخفي، الظاهر

عبر السماء

هو علامة الاستفهام ــــــ»(10).

وقد كتب كرونين كذلك عن صوت صياح طائر الغِرغِر: «ملء جيب من الرخام / بكاء عميق في حلقها»(11)، وكتب بريتنباتش في رواية «الاعترافات الحقيقية للإرهابي الأبيض» عن امتلاك الطيور البرّية كما لو كانت حيوانات أليفة: «طيور أبو فصادة… الشباب الوقح في بدلهم الصباحية الرمادية، يشبهون خدم الطبقة الراقية في حفل زفاف، أو ربما يشبهون مصابيح الزيت زورقية الشكل في المزارات القديمة»(12)، ومن المتوقع أن يركز في عودة طيور السنونو، ودورة فصول السنة، ومحاولة السجين تأسيس إيقاعه الخاص لمتابعة الحياة.

وعلى الرغم من ذلك؛ نجده في القصيدة الثالثة من ديوان Voetskrif يقوم بعمل متقن، يتمثل في استخدام صور الطائر لتشكيل تلك الومضات المعبّرة عن الرؤية الداخلية التي تشتعل في قصيدة شديدة التعقيد، وسيلاحظ القارئ في المقطع التالي كيف أن الأصوات الخارجية تُظهر الحسّ المتزامن عند الشاعر، الذي يستجمع كلّ أحاسيسه، بينما تكون صورة الطائر بمثابة المحور الذي تتجمع حوله الأحاسيس:

«كل شيء خارج الأبواب يحلّق

والريح ينقض على فريسته كنسر مقاتل

لذا تبحث السحب عن الظل والملاذ

والأشجار فراشات

والصرير ينبعث من القطار

وانظر كيف أن التلال الصخرية

والمنازل طائرات ورقية

وأصوات الناس

هي أصوات آثار الطيران في الضوء

والشمس طائر آلي مصنوع من معدن صلب

ذات العيون البيضاء في الأجنحة هي الأكثر عنفاً

ولأنها التهمت الجَمال وأدمت الشمس

وامتصت الثدي حتى جف، لا يمكنها أن تظهر هنا ولا هناك

إنها فوق المزراب، وفي الشقوق، داخل الزنازين، تحت الأظافر

إنها من جسد بارد، ومن أصوات الناس

إنها نتيجة ثقوب في السماء

كل هذا وأنا لا أستطيع أن أرى الذباب

(هنا تكمن الرسالة) حتى القلب

سوف ينطلق من عش القفص الصدري

ويشعر بالراحة مع تساقط الحماقة واللعاب مع

كلماتي الفقيرة المنمقة

حلّق يا طائري الدامي الصغير، حلّق!!»(13).

وما ذهب إليه بريتنباتش آنفاً ليس أمراً عرضياً: ففي القصيدة الخامسة يُشير إلى رسالة أُرسلت لزوجته وكأنها «طائر محلق / مع أول ضوء للنهار عندما فتحت السماء…»، أو عندما يتخيل في القصيدة التاسعة أن الطائر الذي يسمع صوته من فوق الإفريز يمثّل رسالة من زوجته، وفي القصيدة السابعة عشرة في ديوان «خطابات لمارثا Letters to Martha»، يخشى دينيس بروتوس من أن ينجرف إلى قالب أو نمط الطيور الرمزية؛ فيلجأ للصنعة والإسهاب حين يقول:

«فن الطيران المعقد

عند الطيور

والحيل البهلوانية العديدة

تصبح مثاراً للتكهنات المثيرة

وللدهشة»(14).

ويواصل بروتوس حتي يصل للقول إن: «القوالب الثابتة للحديث عن حرية الطيور / وحريتها الحتمية والمطلقة من الأسر / تصبح أموراً ذات أهمية»، ولكن من يقرأ هذه القصيدة لا يصبح متأكداً مما يعنيه هذا الكلام(15).

وهناك ملمح آخر يمكن رصده في بعض أعمال أدب السجون يتعلق بالمكان والزمان، فروباشوف يقوم بقياس مساحة زنزاته، وهو نفس ما فعله سينسيناتوس في عمل نابوكوف «دعوة إلى قطع الرؤس Invitation to a Beheading».

وقد قرّر بريتنباتش في رواية «الاعترافات الحقيقية للإرهابي الأبيض» أن يخبر الجميع؛ فكتب أن زنزانته «لا يمكن أن تزيد بأي حال من الأحوال عن ستة أقدام: إنني أستطيع بسهولة أن ألمس الجدران إذا مددت ذراعي، أما عن طولها فلا يتجاوز تسعة أقدام، ولكن ما افتقدته الزنزانة في مساحتها تم تعويضه في ارتفاعها، الذي ربما يصل إلى خمسة أمتار، مع مساحة مفتوحة في المترين الأخيرين من فوق، وهي مغلقة بشبكة سلكية من أعلى…»(16).

ويحلّل كرونين المكان الذي حاصره، وقيّده بالقوة، ويقترح ردّ فعل تجاهه، فيقول:

«شبكة من أعلى

مشرحة الجثث من هذا الجانب

ومنطقة المشانق من الجانب الآخر، حيث

توجد ساحتنا

التي سقطت فيها فراشة بالمصادفة

إنها ترفرف بشدة

في منتصف الطريق للفزع

في منتصف الطريق لإطلاق اللعنات…»(17).

والدافع الذي يكمن وراء قياس المكان وتحليله يجب أن يكون من أجل إدراك الحدود المكانية للشخص، ومن ثم يقوم بالسيطرة عليها، وبناء عليه؛ فإن استيعاب المساحة ذهنياً أكثر يسراً من استيعاب الزمن، وهناك عدد من السجناء تحدثوا عن شعورهم بالارتياح عقب تسليمهم بحالتهم، واستسلامهم للروتين الصارم للسجن، ولوضعهم في السجن المبني على التدرّج والهيراركية.

وقد كتب بريتنباتش عن الانزعاج العام للسجناء من أي شيء يمكن أن يخلّ بالروتين أو يخالف التوقعات، ويخبرنا عن أحد المدانين بالإعدام الذي أخذ يصرخ ويضرب رأسه بالجدار؛ لأنه استلم عن طريق الخطأ عدداً من الكتب غير التي كان قد طلبها من مكتبة السجن(18).

وتعد مسألة مواجهة انقضاء الوقت ومروره، والطريقة التي يبدو فيها، كما لو كان يمتد من تلقاء نفسه بشكل لا يمكن قياسه من الأمور شديدة الصعوبة، فقبيل إنهاء بوسمان لفترة عقوبته، صار مشوشاً فيما يخص الوقت، وبدأ في توقيت مبكر للغاية في تعجّل إطلاق سراحه، كما بدأ يخشى من التردي نحو الجنون، وبدأت فكرة قضاء الوقت أو العمر في السجن تتخذ أبعاداً مادية:

«بدأت أفكر في الحياة المروّعة التي يمكن أن أقضيها في القسم الجنائي، وبعد ذلك في كل قسم من أقسام السجن، وتخيلت هذه الحياة كأفعى ضخمة سوداء تزحف في كافة أروقة السجن، عبر الجدران وعبر كل شيء؛ تملأ كل الفراغ ما بين الجدران والسقف، تملأ الردهة الداخلية، والسجن كله، وهذه الأفعى العملاقة تحيا وتتنفس، وهي لا تستطيع أن تلتقط أنفاسها؛ ربما لأنها محتجزة بين الجدران والسقف، هذه كانت الحياة في السجن، والسجن نفسه كائن حي، يتعرّق ويختنق داخل نطاق أسواره»(19).

ويصف كرونين كيف أنه كان في وقت ما يحصي الشهور المتبقية للإفراج عنه بفرح، ولكن مع استمرار الأمر بدأ يُدرك أن الوقت لا يمكن أن يُحصى هكذا ببساطة، لقد فهم أيضاً، أنه وزملاءه قسّموا الوقت طبقاً للانتصارات السياسية الخارجية، ولكن مثل هذه الطريقة في الإحصاء يمكن أن تؤدي ليأس من بالداخل وقنوطه:

«ولكن هناك تلك الأوقات الأخرى

          المقسّمة

إلى رزم ورقية بنية منفصلة

الوقت الذي يسير في دوائر

الوقت الذي يُسطح نفسه في نحُول غير معقول

          يختفي

خلف ظهر المرايا

أو يسيل من صنابير المياه

في بداية قدومي للسجن،

كان بعض رفاقي قد قضوا

ثلاثة عشر عاماً ـــــــ

وقطرة قطرة، صاروا بالداخل الآن

وذلك قبل أن تندلع النزاعات المسلحة

في موزمبيق وزيمبابوي»(20).

وهو يتحدث أيضاً عن الامتداد الكبير للوقت فيقول:

« بدون شهية ـــــــ

تلتهم خبز نفسك التافه،

تتحرك جيئة وذهابًا، لتجتنب

أي خطوة للأمام

لذلك المتحدث البارع الذي يتوارى داخل رأسك…»(21).

ويصف بروتوس الحالة نفسها فيقول:

«وسط كآبة الوقت المنعزل

التي تتسلل نحو العقل

تظهر الأشباح، وهمسات الرعب

التي تدفع الناس لمتاهات النفس»(22).

ويسمّي بريتنباتش هذه الحالة باسم «أكل الدماغ eating head»، ويقصد بها أن يتحدث المرء إلى نفسه أو معها بشكل مستمر، حتى يصل لدرجة الجنون، وهذه الحالة تعد بالنسبة له (على العكس من بوسمان) شديدة الخطورة، ونجده يشرح الأمر قائلاً:

«… دوران نفس الأحـداث مجـدداً، وتكـرار الإيقاعـات ذاتـها، واعتيـادك لوضـعك.. كل هذا يفقدك الإحساس بمرور الوقت، فأنت تنظر من أعلى الجسر إلى أسفل ولا تتذكر أن هناك أية مياه مرت من تحته، والماضي يبدو كما لو كان لا يشيخ، والسنوات فارغة، يأتي الناس ويذهبون، ويظل السؤال كما هو. ربما تكون قد نسيت أنك صرت شخصاً مختلفاً، وأنك أصبحت تلك الكينونة التي تسكن هذا الوقت، والتي تتكون من أنماط معروفة وواضحة، التكرارات ذاتها تحدث مرات ومرات، أنت نفسك ربما تتطهر أو تنحط لصالح شخصية أخرى»(23).

وتختلف تجربة بريتنباتش عن تجربة بوسمان، ربما بسبب طول الفترة التي قضاها بالسجن، فقد أمضى بوسمان أربع سنوات في السجن، بينما حُكم على بريتنباتش بتسع سنوات قضى منها سبع سنوات.

ويصر بريتنباتش أيضاً، بشكل أكثر بلاغة من بوسمان، على أنه لم «ينجُ» من تلك التجربة، وذلك لأن جزءاً جوهرياً وأساسياً من نفسه قد دُمر خلال فترة سجنه، ويجد القارئ نفسه مرغماً لأن يصدقه، وحتى في الكتاب الذي كتبه بريتنباتش بعد خروجه من السجن يواصل ذلك الإصرار.

وتعد رواية «الاعترافات الحقيقية للإرهابي الأبيض» وصف قهري مُسهب، مدوّن في شكل نثري أنيق، والذي عادة ما يرتفع ويعلو ليتحول لإيقاعات ومقاطع شعرية، وأحياناً ما يتدنى ويتحول لبذاءات وسباب فاحش للسجّان عندما يتفجر غضبه.

إن هذا العمل في الواقع عمل لا يستطيع القارئ أن يتجاهله، كتبه أديب عادة لا يكتب النثر، كما أنه لم يكن حتى وقت قريب يكتب بالإنجليزية؛ لذا فإنه ربما يكون بعيداً عن كامل موهبته الفنية المعروفة.

إن الرواية تعبّر بعمق وبدقة عن تأثيرات حياة السجن على العقل والجسد، وتناقش البنية السياسية لدولة جنوب إفريقيا بكل تشعباتها، كما توضح جزئياً إحساس بريتنباتش بنفسه بصفته شاعراً ورساماً.

ويود القارئ أن يصدق أن الرواية دليل على أن بريتنباتش لم ينج من السجن شخصياً فقط، ولكنه توسع وامتد عن طريقها فنياً، ولكن ما هي الخسائر الحقيقية التي يمكن رصدها (إنني لا أقصد هنا خسارة سنين العمر)، في الواقع، وبكل تواضع واحترام، يمكن القول أن القارئ هو الوحيد الذي يمكنه التكهّن بذلك.

ويقترح بوسمان بعض أنواع الضرر من هذا النوع؛ عندما يكتب قبيل نهاية رواية «سجن الحجر البارد» قائلاً:

«لم أكن أعلم أنني  لن أرتدي مرة أخرى وطوال حياتي بدلة ليس عليها أرقام!

لم أكن أعلم، حينذاك، كيف لرجل سجن ذات مرة أن يشعر بقية حياته بعد خروجه من السجن! لقد غادرت السجن منذ عشرين عاماً وما زلت أشعر في كل لحظة، منذ ذلك الوقت، أنني سجين سابق! وكل بدلة أرتديها مدون عليها أرقام السجن، وإذا كان العالم لا يستطيع رؤية هذه الأرقام؛ فإنني أراها!»(24).

إن هذا المقطع يضفي إحساساً باعتلال في الوعي بالذات، وافتقاداً لتقديرها، ربما نتيجة شعور بوسمان بالذنب، والنغمة السائدة في رواية «سجن الحجر البارد» هي المرح والهزل، وأحياناً الزهو والاختيال، وكل المحاولات الجدلية بالرواية ترد لإخفاء الشعور بالخزي والذنب اللذين يفرضان نفسيهما في بعض الأحيان عند بوسمان عبر الوعي بالذات.

ومن الطبيعي أن درجة الشعور بالذنب لدى السجين تختلف من شخص لآخر، وربما تزداد بشكل أكبر عند القاتل أو السارق؛ منها عند «السياسي» الذي يرى نفسه مدافعاً ومناضلاً عن رؤيته ومفهومه للعدالة.

والقارئ لرواية «الاعترافات الحقيقية للإرهابي الأبيض» يجد نفسه مفتوناً بالتعقيدات العاطفية التي تنعكس من خلال السرد، ومن تمازج السخط على الذات، والحنق على السجّانين، ومشاعر الخزي والجرأة والندم، والمشاعر الجياشة المتشابكة لتبرئة الذات، وبالتأكيد؛ فإن بريتنباتش يمثل حالة خاصة، فهو أحد الأفريكانر(25) الذين ينتمون لأسرة عريقة في منطقة الكاب Cape، وشقيق أحد قادة القوات الخاصة في جنوب إفريقيا.

ويصطبغ شِـعر بريتنباتش القديم بحبه لوطنه وخيبة أمله وإحباطه نحوه، وقد أثْرَت معالجته البارعة للغة الأفريكانز من إمكانيات تلك اللغة وعززتها، وفرضت الاعتراف به كأفضل شعرائها.

وعندما عاد بريتنباتش إلى جنوب إفريقيا متخفياً تحت اسم مستعار ليجند أعضاء جدد لمجموعته الشيوعية (الأمر الذي أوضحه في رواية «الاعترافات الحقيقية للإرهابي الأبيض»)؛ انكشف أمره سريعاً، وتم إلقاء القبض عليه بتهمة الخيانة، وعند التحقيق معه انهار وتعاون مع الشرطة، وفي أثناء محاكمته اعتذر بمذلة عن أفعاله.

ويظهر في الرواية إحساسه بالخزي لعدم كونه عميلاً جيداً، كما يبدو كذلك أن عاره الأكبر يتمثّل في ضعفه المفرط بين أيدي عناصر الشرطة السرية وأذنابها، ولكن في مقابل شعوره بالخزي تظهر كراهيته لنظام دولة جنوب إفريقيا، ولكلّ متاهات القمع التي تؤدي حتماً لمقر سجن بريتوريا المركزي بـ «حفرته المظلمة» التي تقبع في وسطه.

واستجواب بريتنباتش لذاته وبَوْحه واعترافه بضعفه وعدم تدبّره، ومخاطبته للقارئ بوصفه «السيد المحقق»، كلّ ذلك يمسّ مشاعرنا ويثيرنا، فنحن نتفهّم ونعفو حتى لو كنّا في بعض الأحيان نبتسم بسخرية، ونحرك رؤوسنا قائلين: نحن نريد أن نعرف المزيد، نحن نحبه!

ويقلّ حجم عمل جيرمي كرونين عن حجم عمل بريتنباتش في هذه النقطة، كما أن قصائده لا تعبّر بشكل كبير عن الغضب والخزي على الرغم من احتوائها على قدر أكبر من الكآبة والحزن عمّا في عمل بريتنباتش، وقد كانت محاكمة الاثنين مختلفة بشكل تام، وعندما أُطلق سراح كرونين استمر في العيش داخل جنوب إفريقيا، بينما سافر بريتنباتش إلى فرنسا بعد عدة أيام من إطلاق سراحه عقب تخفيف الحكم عليه.

ربما يكون من الصعوبة بمكان على وقت القارئ، أو على مدى فضوله، أن يبحث عن صور التعبير عن الشعور بالذنب في أعمال السجناء السياسيين السابقين، وبصرف النظر عن هذا؛ فإننا نعلم جميعاً، بشكل كاف، الأسباب العميقة التي تقف وراء الشعور الإنساني بالذنب، دون أن نظن أن وضع السجن سوف يدفع الإحساس بالذنب كي يتدفق ويظهر مثل الطَّعم السيئ في الفم، ويمكن رصد بعض مشاعر الإحساس بالذنب القليلة في أشعار بروتوس، بينما نجد في قصيدة «لا يجب أن يبكي أي طفل» لمونجاني سيروتى Mongane Serote ، التي كتبها بعد إطلاق سراحه، صوراً عديدة تعبّر عن الاشمئزاز من الذات، والغضب المحبط والمخيب للآمال، ونطالع مثلاً:

«إنني أجلس هنا

أفرك الكلمات بين أصابعي

كبثرات ملتهبة

إنني أتمدد هنا

بينما تسيل دموع جسدي المعذّب

لقد مشيت هنا

بينما كانت رجولتي تهتز، وعبء لعناتي لا يمكن احتماله»(26).

وبالرغم من ذلك؛ فإن هذه القصيدة السيمفونية الطويلة لسيروتي لا تُعد تعبيراً صريحاً عن تجاربه في السجن، ولكنها بالأحرى محاولة لإعادة بناء حياته في الفترة السابقة لسجنه، ولتصوراته الخاصة عن إفريقيا التي يحلم بها، وتسجيل لمشاعره المعقّدة لكونه رجلاً أسود في جنوب إفريقيا، إن الأمر يتطلب أكثر من قراءة متأنية كي نحدد أين يكمن تأثير تجربة السجن في القصيدة؟ وأين نرصد قوة الحظر والفقر والاضطهاد السياسي؟

وهناك عدد من الروايات والقصائد الأخرى لم أتطرق إليها، بالرغم من ارتباطها بأدب السجون، وبخاصة تلك التي تتناول الحبس الاحتياطي بالسجن، كما في روايات «مستودع الغضب» لإبيرسون Ebersohn، و «موسم الجفاف الأبيض» لبرينك Brink ، و «الموت جزء من العملية» لبيرنستين Bernstein ، بالإضافة إلى العديد من القصائد المنشورة في مجلة «ستافريدار»، والتي ترد بها قصص حول أشخاص تم توقيفهم وتعاملت معهم الشرطة بعنف، ولكنهم لم يودعوا السجن بشكل رسمي.

كذلك يستخدم السجن خلفية للأحداث في رواية «ابنة برجر» لنادين جورديمر(27) Nadine Gordimer، كما تحتوي رواية «في انتظار البرابرة» لجون كويتزي(28) John Coetzee على بعض الأحداث عن الاعتقال والتعذيب.

من المتوقع أن يواصل أدب السجون في جنوب إفريقيا ظهوره وتطوّره، وربما يحظى بإنتاج أكثر، وخصوصاً مع استخدام اللغات المحلية في كتابته، تلك اللغات التي لا يعرفها معظم البيض، بما فيهم أنا.

الإحالات والهوامش:

(*معهد البحوث والدراسات الإفريقية – جامعة القاهرة.

(**) العنوان الأصلي للدراسة:

العنوان: South African Prison Literature

المؤلف: Sheila Roberts

الجريدة: ARIEL: A Review of International English Literature, Volume 16, issue 2, 1985

(1) جوزيف ك: هو البطل الشهير لبعض أعمال فرانز كافكا الروائية، مثل «المحاكمة» و «القلعة». (المترجم)

(2) حُكم بالإعدام على الزوجين الأمريكيين اليهوديين (جوليوس وإيثيل روزنبرج) في الولايات المتحدة الأمريكية في 19 يونيو 1953م، وذلك بعد إدانتهما بالتجسس لصالح الاتحاد السوفييتي، ويعد الزوجان روزنبرج أول مدنيين أمريكيين يُنفَذ فيهما حُكم الإعدام بتهمة التجسس في التاريخ الأمريكي. (المترجم)

(3) الطبعة المستخدمة هنا طبعة: Human and Roussea, Cape Town, 1981..

(4) (p.15).

(5) (p.30).

(6) انظر:

 The True Confessions of an Albino Terrorist (Johannesburg: Taurus, 1984), p.194.

(7) انظر:

Johannesburg: Ravan, 1983, pp.29 – 30.  – ربما تعني كلمة ukuhlabelela : المدمر الأكبر.

(8) انظر:  Johannesburg: Perskor, 1976, p.29..

(9) كلمة “mouroir”: مركبة مزجياً من كلمتين فرنسيتين؛ كلمة “mourir” «أن يموت»، وكلمة”miroir”  «مرآة». (المترجم)

(10)p.25

(11) p.28

(12)  p.122 – 23

(13) p.3

(14)  p.18

(15) انظر: London: Heinemann, 1970..

(16)  p.123

(17)  p.4

(18) p.125

(19) p.176

(20) p.23

(21) p.25

(22) p.6

(23) p.126

(24) p.213

(25) الأفريكانز: مجموعة من سكان جنوب إفريقيا البيض، ينحدرون من أصول هولندية، قدموا لجنوب إفريقيا واستوطنوها منذ القرن السابع عشر، وهم يتحدثون لغة الأفريكانز  Afrikaansإحدى اللغات الرسمية الإحدى عشر بدولة جنوب إفريقيا، وهي لغة مشتقة من الهولندية ممزوجة بكلمات ألمانية وإنجليزية، تُستخدم في دولة جنوب إفريقيا ودولة ناميبيا، كما يوجد عدد أقل من المتحدثين بها في كل من بوتسوانا، وليسوتو، وسوازيلاند، وزيمبابوي، وزامبيا. (المترجم)

(26) انظر: Johannesburg: Ad. Donker, 1975. p.48.

(27) نادين جورديمير: كاتبة من جنوب إفريقيا، حصلت على جائزة نوبل للآداب في عام 1991م عن أعمالها المناهضة للتمييز العنصري في بلادها. أما رواية «ابنة برجر» فقد منعتها حكومة جنوب إفريقيا في يوليو 1979م  لمناهضتها للسياسات العنصرية التي تنتهجها الحكومة، ثم رُفع الحظر عن الرواية في أكتوبر من العام نفسه. (المترجم)

(28) جون ماكسويل: كويتزي روائي من جنوب إفريقيا، حصل على جائزة نوبل للآداب سنة 2003م؛ ليصبح ثاني كاتب جنوب إفريقي يفوز بالجائزة بعد نادين جورديمير. ولد كويتزي عام 1940م في كيب تاون، وبدأ حياته الروائية سنة 1974م، ونشأ في بيت يتحدث الإنجليزية بالرغم من أصوله الهولندية، وهو يتحدث اللغتين بطلاقة، وهو أول كاتب يفوز بجائزة بوكر الأدبية البريطانية المرموقة مرتين، درس في جامعة أديليد الأسترالية، ويدّرس الآن في جامعة شيكاغو. (المترجم)

 المصدر قراءات  إفريقية

المسرح السياسي

خطاب العرض والتأثير

بدءا يتجارب بيكاتور ومن ثم بريخت فبيتر فايس، رسخ مفهوم المسرح السياسي ليأخذ له شكلا مستقلا في اسلوب عروضه ومعالجاته، وشهدت حركة المسرح العربي في ما بعد هذا النوع من المسرح خصوصا في منتصف عقد الستينيات فكانت اعمال سعد الله ونوس وعلي سالم ويوسف العاني وقاسم محمد ودريد لحام جزءا من ذلك التوجه الذي اتخذ شكل موجة صاحبت احداثا سياسية كبيرة عرفها الشارع العربي.

 اتخذ اسلوب المسرح السياسي على صعيد التأليف الوثيقة والشواهد والشخوص الحقيقية مادة رئيسية لمجمل اعماله، متأثرا بالتجارب الغربية وخصوصا اعمال الكاتب (بير فايس) في اعماله التسجيلية والوثائقية وماراصاد، وموكنبوت قد وجدت طريقها للعرض على خشبات المسرح العربي، وبانت مؤثراتها على جيل كامل من المسرحيين، وحينما وجد المؤلف المسرحي نفسه بعيدا عن هذا النوع من المسرح، بدأت محاولاته الاولى بكتابة نصوص مسرحية تتخذ من الوثيقة ومجريات الاحداث السياسية مادة درامية لها، واحتفظت ذاكرة المسرح العراقي بأعمال سارت على ذلك الاسلوب، ابرز من يمثلها مسرحية (أي ـ بي ـ سي) للمؤلف الراحل معاذ يوسف، و(الخرابة) ليوسف العاني، و(فيت روك) لجعفر علي، وقد اتخذت تلك المسرحيات فضاءات جديدة للعرض لم تكن سائدة وقتذاك حيث عرضت في الهواء الطلق او في المجمعات السكانية المزدحمة او في مواقع اثرية وصاحبت العروض الاغاني والاناشيد والملصقات الجدارية، ومع توالي تلك العروض اكتسبت ملامح جديدة في شكل العرض الامر الذي آثره النقاد المسرحيون العرب واطلقوا عليه (مسرح السخط) كتعبير عن احتجاج واستنكار اشبه ما يكون على شكل تظاهرة تتخذ من المسرح ميدانا لها.

 اكتسب (المسرح السياسي) اهميته بكونه ارتبط كثيرا بالاحداث المحتدمة فكان صدى مدويا لها وانعكاسا حقيقيا لمجرياتها وحتى زمن قريب فقد ذلك المسرح فاعليته وتأثيره وسبب ذلك يعود بالدرجة الاولى الى انفتاح اذهان المسرحيين العرب نحو تجارب جديدة وادراك مهمة المسرح ليس بوصفه وسيلة اعلامية بقدر ما يحمل من خطاب يمكن ان يسخر لخدمة اهداف كبيرة فاختفى نتيجة ذلك شعار المسرح السياسي ليظهر من جديد شكل آخر يعتمد اساليب جديدة في طرح اية موضوعة يمكن ان تكون متنا حكائيا لعرض مسرحي ينشد التأثير في المتلقي.

علاء حسن

* كاتب عراقي

للنّساء فقط

أقاصيص من أدب السجون -زكرياء بوغرارة

إندفع مجموعة من زوار الفجر إلى غرفتي المزدحمة بالأوراق والجرائد القديمة وأكوام متكدسة من الكتب المترامية في كل مكان.. بحلق بعضهم في بعض, دامت لحظة الوجوم عدة ثوان..

ضرب كبيرهم كفا بكف وهو يقول برتابة وسأم

_ هل قرأت كل هذه الكتب؟؟

تسمرت في مكاني ولم أنبس ببنت شفة, سكنت ملابسي ولذت للصمت.. بينما الرجال أصحاب سنحة سوداء كفطير محترق يفتشون جنبات الغرفة.. ينهمكون في شغلهم بإخلاص منقطع النظير

في لمح البصر قلبوا غرفتي رأسا على عقب..لعلهم يبحثون في رزنامات الأوراق عن شيء ما بينما بعضهم ينبشون كلفئرن وينقبون ويلاحقون عناوين الكتب وفهارسها ويقلبون صفحات المجلات القديمة في دأب لايفتر

تساءلت بيني وبيني

_ عما يبحثون؟؟؟

ابتسم كبيرهم بمكر وكأنما قرأ ما يجول بخاطري قال وهو يهز رأسه

_ نبحث عن السلاح

مشاعر من أحاسيس شتى تناوبتني تلك اللحظة تمعر لها وجهي

كان سلاحي بين ملابسي.. إنه في جيبي بل بمعطفي الرمادي.. تحسسته أناملي في بطئ ورتابة الى أن وضعت يدي على …

قلمي… ثم أرسلت تنهيدة حرى وأنا أرتعش من البرد إنها أيام الشتاء الصقيعية ومخيالي يسافر بي الى المنفردة ترى كيف سأقضي أيام الشتاء في المعتقل؟؟

انتهى التفتيش تجمع أصحاب الوقت في حلقة دائرية وتبادلوا بينهم الحديث همسا بينما أحدهم يحمل عشرات الكتب.. يبدوأنهم سيأخذونها معهم , إنها لحظات صامتة بلا معنى تأملتهم في سكون وهم يغاذرون الغرفة السوداء.. لمحت أحدهم يتقدم بسرعة فأر نحو قائده وهو يقول بفخر واعتداد

( نعم سيدي.. لقد عثرنا على هذا الكتاب)

بعينين جاحظتين تفحصه القائد وهو يغمغم

_ سري للغاية

ثم هز رأسه وكأنه عثر على كنز ثمين يكفي ليزج بي في العتمة ردحا من الزمن

سحبوني خارج الغرفة وقد أحكموا الطوق حولي والأصفاد في يدي

التفت نحو كبيرهم بآلية وقلت ببرودة

_ سري وللنساء فقط

هذا هو العنوان

أشاح بوجهه عني وقد اضطرب لحظتها كأموج البحر المتلاطمة على صخرة منعزلة في شاطئ مهجور

( إنها مهمة فرق البحث والدراسات)

ثم إنطلق الموكب الصامت في رحلة العتمة والمتاهة والشتاء

انتهى

أنا وحذاء الطنبوري والإرهاب زكرياء بوغرارة

عندما كانت بعض الصحف في الداخل أو الخارج يكتبون عن قضايا المعتقلين الاسلاميين الموصومين بالارهاب عنوة رغم أنوفهم وأفواههم وأرجلهم وأيديهم.. اما العيون فكانت تحت حصار “العصابة السوداء” المانعة للضوء وللنسائم الطيبة حتى لا تتسلل للأنوف إلا نتنا كريها مقيتا … يحمل للنفوس غصصا حرارا حارقة.

كان هؤلاء الاعلاميون يكتبون في التعريف بشخص مثلي هو في الحقيقة واحد من الناس فيذكرون اسمي ويلصقون به “الناشط السلفي الذي أدين سابقا بالسجن 10 سنوات نافذة بتهمة صلته بتفجيرات 16 أيار مايو2003 “

وفي الحقيقة اصبح هذا التعريف سهلا للكثيرين ممن لايتحرون الدقة والمصداقية بعيدا عن تجنيات الأجهزة الأمنية ومحاضرها المطبوخة حتى الاحتراق.. احيانا تتحول بما فيها من تهاويل وترهات الى تشظيات.. وشظايا

ما أيسر ان يحاكم الانسان بتهم باطلة تصبح لاصقة فيه هي عبوته اللاصقة التي تفتك به آلالاف المرات.. كلما اختزل في تعريف سمج لا يمت الى الواقع او الحقيقة بصلة ولو بمقدار قلامة الظفر..

يكفي ان تنزل على “قلقولة ” رأسك أحكام القضاء بناء على محاضر لا تحمل من الحقيقة بالأدلة والبراهين إلا مقدار ما يعلق بالمخيط ان بلل بالماء

قلت “القلقولة” استعارة لمفردة عامية هي تعريف للرأس.. وكأن هذا الرأس ما هو الا مجموعة من القلاقل تحولت رويدا رويدا الى “قلقولة”

مع اول لحظة للدمغة القوية بالارهاب يصبح الانسان الذي يسمى فلان بن فلان مجرد معتقل سلفي في احسن الاحوال يرقونه لناشط سلفي مع الدمغة القوية بالارهاب …

تشتعل حرقة الأسئلة وهي منتفضة متأهبة للسؤال؟؟؟

متى كنت سلفيا ومتى ادعيت لنفسي انني سلفي…

لكن غيري صنفني بأني سلفي وصرت سلفيا رغماً عن أنفي ورجلي وقدمي وجسدي المنكل به غير أني لم اعترف انني سلفي ولم انطق بها… رغم كل الويلات والمعتقلات التي مررت بها في السر والعلانية..

ومتى كنت اذيل أي مقالة اكتبها بلفظة ناشط سلفي..؟؟

الناشط – اعزكم الله – عندنا وهو السكير…{{ في العامية المغربية}}

في زمن انقلاب الموازين صار شرب الخمر نشاطا وشاربه ناشطا…

ولا اذكر اني احتسيت من الجعة بأصنافها ولا قطرة طيلة حياتي ولن أفعل

فكيف صرت ناشطا؟؟ وانا لا اعترف بالنشاط الذي يحدثه الخمر في جسد وعقل محتسيه حتى يفقده صوابه؟؟

وكيف يستقيم ان اكون سلفيا وناشطا؟؟؟

ان كان السلفي والسلفية عند من يريدون قوقعتنا في ذلك المربع تعني لديهم أنها احدى علامات {{ التشدد}}

كيف تستقيم صفة السلفي مع الناشط {{ حسب تعريف العوام}}

وقديما قالوا {{كيف يستقيم العود والفرع مائل }}

بحثت في كتاب ربي وسنة النبي صلى الله عليه وسلم .. فلم اجد ولا مرة ذكرا للسلفي او السلفية لكنني وجدت في هذا القرآن وهو الوحي {{ هو سماكم المسلمين}} ووجدت فيه {{ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه}}

فبرئت من كل صفة إلا ما وجدته بمستند شرعي… في هذا الدين

فكيف تستقيم ادعاءات القوم بإعلام حر نزيه … مع اصرارهم على الكذب وجناياته…

متى كنا نتلهف على الالقاب ونفرح بها ونفرك ايدينا طربا لها..؟؟

في زمن كل من هب ودب يحمل اطنانا من الصفات.. هي {{القاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخا صولة الاسد}}

الاكذوبة الثانية وهي {{تهمة}} بناء على تهمة باطلة حتى القضاء نفسه لم ينطق بها في حقي ضمن احكامه التي طالتني وقد برئت ساحتي بالتأكيد على ان {{ ان لا لي صلة بتفجيرات 16 أيار مايو2003 }}

فمن أين جاءت ادانتي على خلفية احداث لا صلة لي بها ولم يرد اسمي فيها حتى من باب التكلف البغيض.

ذلك انني لا ولم اعتقل على خلفية أي صلة بأحداث الدار البيضاء جملة وتفصيلا، لا من قريب ولا من بعيد… لست وحدي… من لم يدان على خلفية تلك الاحداث الشهيرة.. مثلي مثل الألوف من الشباب المسلم الذين اعتقلوا وادينوا بتهم متباينة في قضايا الارهاب.

وليس سرا أن أبوح في أذن هؤلاء وهؤلاء .. أن المجموعة التي حوكمت مباشرة بصلتها باحداث الدار البيضاء الشهيرة لم يكن لأحد منهم صلة بها عدا ثلاثة أشخاص لهم صفة صلة مباشرة…

اما البقية فما هم الا حصاد الاعتقالات وتوسعها في اتجاه استئصال كل ما من شأنه ان يقود الى شيء كالذي حدث {{حتى داخل دائرة الاحتمالات..}} وهو ما يسمى الاعتقال بالشبهة والظن…

معظم معتقلي تلك المجموعة غادروا السجون بالعفو الملكي وسيأتي زمان الاستماع لشهاداتهم لتنكشف حقيقة هالة اعتقالات الارهابيين على صلة بأحداث الدار البيضاء.. {{والانتحاريين الاحتياطيين كما زعموا}}

فإن كان من حوكم مع محمد العماري المتهم الرئيسي في الاحداث لا صلة لهم

بها ذلك أن تلك الاحداث لم تتجاوز {{ 14 فردا قتل منهم11 في الاحداث وتراجع اثنان عن التنفيذ في الساعة الاخيرة.. واعتقل واحد بعد ان نجا من الموت امام فندق فرح}}

من اين اذن لي ولكل تلك الارتال بالصلة في احداث الدار البيضاء وملفات الالوف خالية من كل ذكر لتلك التفجيرات واحداثها..؟؟؟

ولكنه الولع بترويج الاكاذيب التي تتضخم وتفخم وتنمق مثل حكاية {{ الناشط السلفي.. }} حتى تعطي لتلك الصحف بريقا ويمتاح كاتبها من ذاك البريق قبساً له يتخذه علامة على شهرته وخبرته في قضايا الارهاب…

قبل اعتقالي كان في احدى المدن صحفي نزل الى الاعلام ببراشوت ..

قادماً إلى ساحته كعنتر الذي كان {{ شايل سيفه}} {{ الخشبي}} هذا النكرة حاول العديد من المرات ان يلتقي بي ويجري معي حوارا… عندما اعتقلت سلقني بألسنة حداد تماما كصحفي فرنسي بمجلة تيل كيل عندما رفضت اجراء حوار لصالح مجلته ذات التوجه المعلوم في استهداف الاسلام… لفق لي عدة مقالات كال لي فيها كل التهم التي راقت له في زمن صار فيه المعتقل السابق بتهمة الارهاب مجرد حائط قصير جداً… وعندما القمته حجرا في رد أبطل سحره.. لم يتوانى الصحفي الغربي الذي يتبجح بالحرية والشعارات الفضفاضة الكبيرة ان يتصل بمن نشر مقالة الرد معاتبا ثم ممارسا ضغوطه لاجبار ناشرها على سحبها بعد النشر… ذاك انه ضاق بحرية التعبير… فهو ابن حضارة لا تعترف بحرية التعبير وحقوق الانسان الا ان كانت في صالح صاحب البشرة الغربية… سيد الشمال… الذي يستنكف على ساكن الجنوب ان يمارس حقه في حرية التعبير التي توقف حريته في تكريس الأضاليل.

يحضرني ها هنا ذلك الصحفي المرتزق الذي قضى خمسة سنوات من عمره سجينا في احدى قضايا الحق العام قبل ان ينزل لساحة الاعلام بالباراشوت.

كعشرات ومئات من امثاله… كان اذا التقى بي احيانا في احدى المطابع يبالغ في الاحتفاء بي وعندما اعتقلت سارع لقلمه يمارس به حريته في النصب والاحتيال والدجل الاعلامي إذ كتب مقالا طويلا عريضا عن ادواري الخطيرة في احداث الدار البيضاء ووصل به حبل الكذب إلى ان قال {{ وهو اليوم هارب الى الجزائر بعد ان ساعدته المخابرات العسكرية الجزائرية على الفرار…}}

فيما بعد علمت لم كتب الرجل التافه انني كنت هاربا…

لأن من اخرج قصة اعتقالي أراد لها ان تكون{{ رحلة فرار}} بينما هي في الحقيقة اختطاف في الساعات الاولى لاحداث الدار البيضاء وبعد شهر تمت اعادتي لمشارف مدينة تاوريرت {{شرق المغرب}} وتم تسليمي من طرف عناصر الجهاز الامني السري لجهاز أمني علني ثم طلعت الصحف بعدها بقصة {{الفرار…المزعوم}}

تلك شذرات من خبث النبتة التي يسقيها الاعلام الكاذب…

°°°°

في قصص العرب وجدت قصة إرتأيت ان اختتم بها مقالتي لينكشف الغطاء عن اللغز الذي حمله عنوان المقالة {{ انا وحذاء الطنبوري والارهاب}} والذي أوصل من خلالها الحقيقة اميط اللثام عن الظلم والتجني النازل بنا بفعل هذا التصنيف المبير الذي لن يزول عنا حتى نزال عن الدنيا بالرحيل منها…

وحتى تستقر الرسالة التي تحملها المقالة في الاذهان وتصل فكرتها وتؤتي ثمراتها انقل القصة باختصار شديد ما وسعني ذلك ….

جاء في كتاب {{ثمرات الأوراق في المحاضرات}} ، لابن حجة الحموي

{{كان في بغداد رجل اسمه أبو القاسم الطنبوري، وكان له مداس، وهو يلبسه سبع سنين، وكان كلما تقطع منه موضع جعل مكانه رقعة إلى أن صار في غاية الثقل، وصار الناس يضربون به المثل.

فاتفق أنه دخل يوماً سوق الزجاج، فقال له سمسار: يا أبا القاسم، قد قدم إلينا اليوم تاجر من حلب،ومعه حمل زجاج مذهب قد كسد، فاشتره منه، وأنا أبيعه لك بعد هذه المدة، فتكسب به المثل مثلين!فمضى واشتراه بستين ديناراً.

ثم إنه دخل إلى سوق العطارين، فصادفه سمسار آخر، وقال له: يا أبا القاسم، قد قدم إلينا اليوم من نصيبين تاجر، ومعه ماء ورد، ولعجلة سفره، يمكن أن تشتريه منه رخيصا، وأنا أبيعه لك فيما بعد،بأقرب مدة، فتكسب به المثل مثلين! ، فمضى أبو القاسم، واشتراه أيضا بستين ديناراً أخرى، وملأ به الزجاج المذهب وحمله، وجاء به فوضعه على رف من رفوف بيته في الصدر! ثم إن أبا القاسم دخل الحمام يغتسل، فقال له بعض أصدقائه: يا أبا القاسم، أشتهي أن تغير مداسك هذا! فإنه في غاية الشناعة! وأنت ذو مال بحمد الله! فقال له أبو القاسم: الحق معك، فالسمع والطاعة.

ثم إنه خرج من الحمام، ولبس ثيابه، فرأى بجانب مداسه مداساً آخر جديداً، فظن أن الرجل من كرمه اشتراه له، فلبسه، ومضى إلى بيته! وكان ذلك المداس الجديد للقاضي، وقد جاء في ذلك اليوم إلى الحمام، ووضع مداسه هناك، ودخل يستحم! فلما خرج فتش عن مداسه، فلم يجده، فقال: من لبس حذائي ولم يترك عوضه شيئاً؟ ففتشوا، فلم يجدوا سوى مداس أبي القاسم! فعرفوه، لأنه كان يضرب به المثل! فأرسل القاضي خدمه، فكبسوا بيته فوجدوا مداس القاضي عنده، فأحضره القاضي، وضربه تأديباً له، وحبسه مدة، غرمه بعض المال وأطلقه! فخرج أبو القاسم من الحبس، وأخذ حذاءه، وهو غضبان، ومضى إلى دجلة، فألقاه فيها، فغاص في الماء! فأتى بعض الصيادين ورمى شبكته، فطلع فيها! فلما رآه الصياد عرفه، وظن أنه وقع منه في دجلة! فحمله وأتى به بيت أبي القاسم، فلم يجده! فنظر فرأى نافذة إلى صدر البيت، فرماه منها إلى البيت، فسقط على الرف الذي فيه الزجاج، فوقع، وتكسر الزجاج وتندد ماء الورد! فجاء أبو القاسم ونظر إلى ذلك، فعرف الأمر، فلطم وجهه، وصاح يبكي وقال: وا فقراه! أفقرني هذا المداس الملعون! ثم إنه قام، ليحفر له في الليل حفرة، ويدفنه فيها، ويرتاح منه، فسمع الجيران حس الحفر، فظنوا أن أحداً ينقب عليهم، فرفعوا الأمر إلى الحاكم، فأرسل إليه، وأحضره، وقال له: كيف تستحل أن تنقب على جيرانك حائطهم؟ وحبسه، ولم يطلقه حتى غرم بعض المال! ثم خرج من السجن ومضى وهو حردان من المداس، وحمله إلى كنيف الخان، ورماه فيه، فسد قصبة الكنيف [ هي أنبوب المجاري في عصرنا]، ففاض وضجر الناس من الرائحة الكريهة! وبحثوا عن السبب، فوجدوا مداساً، فتأملوه، فإذا هو مداس أبي القاسم! فحملوه إلى الوالي، وأخبروه بما وقع، فأحضره الوالي، ووبخه وحبسه، وقال له: عليك تصليح الكنيف! فغرم جملة مال، وأخذ منه الوالي مقدار ما غرم، تأديباً له،وأطلقه! فخرج أبو القاسم والمداس معه، وقال – وهو مغتاظ منه: والله ما عدت أفارق هذا المداس! ثم إنه غسله وجعله على سطح بيته حتى يجف، فرآه كلب، فظنه رمة فحمله، وعبر به إلى سطح آخر، فسقط من الكلب على رأس رجل، فآلمه وجرحه جرحاً بليغاً! فنظروا وفتشوا لمن المداس؟ فعرفوا أنه لأبي القاسم! فرفعوا الأمر إلى الحاكم، فألزمه بالعوض، والقيام بلوازم المجروح مدة مرضه! فنفذ عند ذلك جميع ما كان له، ولم يبق عنده شيء! ثم إن أبا القاسم أخذ المداس، ومضى به إلى القاضي، وقال له أريد من مولانا القاضي أن يكتب بيني وبين هذا المداس مبارءة شرعية على أنه ليس مني ولست منه! وأن كلا منا بريء من صاحبه، وأنه مهما يفعله هذا المداس لا أؤاخذ به أنا! وأخبره بجميع ما جرى عليه منه! فضحك القاضي منه ووصله ومضى}}!

°°°° .

القصة المبكية المضحكة التي انتهت بتبرؤ صاحب الحذاء من حذاءه بعد كل تلك الكوارث التي لحقت به… هي اشبه ما تكون بقصتنا مع الارهاب..

لقد صارت تهمة الارهاب التي ألصقت بي عنوة كحذاء الطنبوري لافكاك له من حذاءه كما لافكاك لي ولكل من تهمته الارهاب منه… فأينما وليت وجهي اجد الشراك منصوبة لوصمي بالإرهاب والإرهاب {{ جلابته فضفاضة لأنها جلابة مغربية}}

{{ الجلابة مفردة عامية تعني الجلباب}}

لقد اختصرت واختزلت محنة الطنبوري مع حذاءه كل المسافات لإيصال رسالة لمن يهمه الامر ومعهم مطايا الاعلام…

ان هذا الارهاب {{صاحب الجلباب الواسع}} الذي يكفي لكل تهم الدنيا.. من محاكمة النوايا الى اي شيء يصلح ليكيف كتهمة لا تخطر للانسان على البال كتهمة تكوين العصابة الاجرامية التي من شأنها المساس بامن البلاد والعباد..{{ ولا يهم ان تكون من فرد واحد }} المهم ان التهمة المعلبة جاهزة في كل وقت كالتي تليها والمسماة {{ حالة العود}} وهي خاصة بمن تم دمغه بالدمغة القوية للإرهاب من قبل فصار {{ سوابق}}.

لا فكاك لنا من تهمة الارهاب في زمن صار من تكال له تهم الارهاب كالطنبوري يتلقى ضربات حذاءه الملعون وهو يبكي مراً وحنظلاً.. بكاء لاتراه العيون حتى وصل به الضر الى ان ينفجر غيظاً… مع اعتذاري لكم للزج بكلمة {{ينفجر}} هاهنا .. فهي ذات حساسية بالغة لمن دمغ بالارهاب مرتين حتى لو كان الانفجار {{غيظا}} اذ ربما يفسرها المهتمون بأمن البلد ووالد وما ولد تفسيرا لم يرد لكاتبها {{ الطنبوري }} على خاطر او بال ومقال…

وان كان حذاء الطنبوري تسببه له بالإفلاس وضياع المال والتجارة فإن حذاء الارهاب صادر كل ما نملك بدءا من الهاتف النقال والحاسوب والكتب والدفاتر والاوراق والمال .. حتى التهمنا في بطن الحوت..

واخيراً: أقولها علانية وفي السر لا اتكلم او أكتب شيئا..

بإسمي ورسمي لا بإسم عمرو ..

ها انذا اقولها يا قومنا نريد منكم أن تكتبوا بيننا وبين {{ حذاء الارهاب}} مبارءة شرعية على أنه ليس مني ولست منه.. وأنه مهما يفعله هذا المداس{{ أي حذاء الارهاب في حالتي}} لا أؤاخذ به أنا…}}

ما اشبه هذا الارهاب ب{{الحذاء}} او بالعامية المصرية {{ المركوب }} يركبه من يريد شيطنة كل حر….

صاحب فكرة وموقف .. ليصير ارهابياً ظلامياً منبوذا كحذاء الطنبوري المعروف بين الناس بوسخه ورقعه ومنظره الكريه وقدمه ونتانته…

فمتى يكف الاعلام عنا سفهاءه…

وقبل هذا نرنو لانتزاع حذاء الارهاب الذي يرفعه من يهمهم الامر في وجوهنا

اذ اننا اشبه ما نكون بالمواطنين من الدرجة الألف للناس محاكم يساقون اليها وللمدموغ بحذاء الارهاب محكمته وقضاته وشرطه وسجانوه وسجونه وقبل هذا وذاك قانون الارهاب….الخيط الذي يربط به {{ الحذاء}} ليصبح صالحا ليكون {{ مركوبا}} على حد تعبير أهل مصر..

كان المهدي المنجرة قبل رحيله بسنوات اطلق في المغرب حركة اسماها {{ بركا}} وتعنى كفى وهي مستعارة من حركة {{ كفاية المصرية }} التي كانت تحمل نفس المعنى…

بكل لغات العالم اقولها لمن يرفع في وجوهنا حذاء الارهاب.. الطنبوري

كفى

بركة

كفاية

أدب السجون

حين طُلب مني أن أتحدث عن أدب السجون تساءلت: ما الذي نعنيه بهذا المصطلح؟ هل نقصد به الأدب الذي كتبه سجناء أم الأدب الذي اتخذ من عالم السجن مادة له؟

هناك أدباء كتبوا نصوصاً عن السجن وعالمه، ولكنْ هناك سجناء لم يكونوا أدباء أصلا، ثم بسبب سجنهم شرعوا بكتابة نصوص أدبية. وعلينا ألا نغفل الأدباء السجناء –أي الذين جمعوا ما بين النوعين الأول والثاني.
ومن حق الدارس أن يتساءل عن الفرق بين الدوال الثلاثة: سجناء كتبوا أدباء، وأدباء كتبوا عن عالم السجن وما يمت له بصلة، وأدباء سجناء.
في النقد الأدبي يميز النقاد، وهم يدرسون النصوص، بين نصوص لها قيمة اجتماعية، وأخرى لها قيمة أدبية. هناك نصوص لها قيمة اجتماعية فقط، وهناك نصوص تكون لها قيمة أدبية فقط، وقد يقرأ المرء نصوصا تجمع ما بين القيمتين.
والسؤال الذي يثيره المرء حول السجناء الذين كتبوا أدبا هو: هل من قيمة أدبية لنصوصهم التي من المؤكد أن لها قيمة اجتماعية وثائقية. وقد لا يثير المرء هذا السؤال وهو يقرأ النصوص الأدبية التي يكتبها أدباء متمرسون، ولكنه في هذه المرة سيثير السؤال معكوسا: هل من قيمة اجتماعية وثائقية لنصوص هؤلاء الأدباء؟ هل تمتاز بطابع الصدق أو بحرارة التجربة التي تحفل بها نصوص السجناء؟
ومن المؤكد أن الأدباء الذين مروا بتجربة السجن سيحققون ما حققه السجناء الذين كتبوا نصوصا عن تجاربهم، وإذا ما كانوا أدباء متمرسين فستكون نصوصهم حققت القيمتين؛ الأدبية والاجتماعية.
وإذا ما أراد أن يدرس أدب السجن في فلسطين، فإنه لا شك سيثير السؤال التالي:
هل يستطيع الدارس أن يفصل بين الأديب الفلسطيني والسجين؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تعتمد على تعريفه لدال السجن؛ فإذا ما قصد بالسجن المفهوم المتداول له، فصل، وإذا فهم دال السجن بمعناه الواسع قال: إن الأدب الفلسطيني كلّه أدب سجون. وربما عمم فدرس الأدب العربي كله على أنه أدب سجون.
في قصيدته “في الحانة القديمة” يرى مظفر النواب أن العالم العربي كله سجون متلاصقة.
“فهذا الوطن الممتد من البحر إلى البحر
سجون متلاصقة
سجانّ يمسك سجان”
وفي إحدى مقطوعات “حالة حصار” لمحمود درويش يرى أن حصار الفلسطينيين في انتفاضة الأقصى ليس مقتصرا عليهم، فالعالم العربي أيضا محاصر:
“لنا إخوةٌ خلف هذا المدى
إخوة طيبون، يحبوننا، ينظرون إلينا
ويبكون، ثم يقولون في سرهم:
“ليت هذا الحصار هنا علني..”
ولا يكملون العبارة: ” لا تتركونا
وحيدين.. لا تتركونا”
أدباء سجناء:
إذا ما نظرنا في أدبنا الفلسطيني فإننا سنجد، لا شك، عشرات الكتاب الذين سجنوا: خليل توما، محمود شقير، أكرم هنية، جمال بنورة، سامي الكيلاني، حسن عبد الله، علي الخليلي، المتوكل طه، عبد الناصر صالح و… و… ومن قبل هؤلاء أدباء الأرض المحتلة في العام 1948: توفيق زياد، ومحمود درويش، وسميح القاسم و… و…
سجناء كتبوا أدباء:
لن يعدم الباحث أيضا تسمية عشرات السجناء الذين لم تكن لهم، قبل دخولهم السجن، أية صلة بالكتابة، ولكنهم بعد مرورهم بالتجربة عبروا عنها شعراً أو قصة قصيرة أو رواية أو خاطرة أو رسالة. وإذا ما عددنا الرسالة جنساً أدبيا، و هي كذلك، فما من سجين إلا كتب نصا أدبيا ما.
من بين الأسماء السجينة التي أصدرت أعمالا أدبية حول تجربتها محمد عبد السلام “خواطر من الزنزانة” (د.ت) وهشام عبد الرازق “الشمس في معتقل النقب” (1991). وهناك مجموعات شعرية صدرت في السبعينيات لمجموعة من السجناء. وقد يكون الكاتب وليد الهودلي هو الأبرز الآن في الكتابة عن عالم السجن.
وإذا ما توسعنا في دال السجن، وذهبنا إلى أن شعبنا منذ العام 1948، حتى اللحظة، يعيش في سجن كبير، فان نصوصنا كلها هي أدب سجون. كتب غريب عسقلاني في بداية الثمانينات رواية قصيرة عنوانها “الطوق” تصور حصار حصاراً فُرِضَ لأسابيع على أحد مخيمات غزة، ومن وحي حصار مخيم جباليا استوحى زكي العيلة بعض قصص مجموعته “الجبل لا يأتي”.
أعود ثانية لإثارة السؤال حول القيمة الأدبية للنصوص التي كتبها أدباء وتمحورت حول عالم السجن. هل هناك قيمة أدبية لكثير من هذه النصوص؟
شخصيا أشك في ذلك، وقد تكون قيمتها اجتماعية وثائقية ليس أكثر. مثلا حين نسائل رواية ما، مثل رواية علي الخليلي “المفاتيح تدور في الأقفال”، فنيا، فماذا نجد؟
أنها رواية عادية لا تشكل أية قيمة فنية في مسيرة الرواية الفلسطينية أو العربية. أن قيمتها تكمن في أنها شهادة أدبية على مرحلة من حياة الشاعر، ومرحلة من حياة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال. ومثلها مجموعة قصائد محمد عبد السلام “خواطر من الزنزانة”. ويمكن قول الشيء نفسه عن نصوص أدبية كثيرة لأدباء سجناء، أو لسجناء غدوا أدباء. ومن حق الدارس أن يتساءل: ما الذي تبقى من عشرات الأسماء الأدبية وغير الأدبية، ممن كتبوا أدباً عن السجن؟ وماذا شكلت تجاربهم الكتابية في مسيرة الأدب الفلسطيني؟
ربما هنا تكمن مأساة أدب السجن الذي كتبه سجناء. حقا أن له قيمة ايجابية هي قيمته الوثائقية والاجتماعية، لكن ماذا تبقى منه؟ انه أدب عابر افتقد إلى القيمة الأدبية الجمالية، وفوق هذا لم يكرس أصحابه أنفسهم كتابا. أنهم لم يواصلوا الكتابة. وأحد شروط أن يغدو المرء أديبا، فيما أرى، ممارسة الكتابة ومواصلة ممارستها.
مثلا: ماذا قدم هشام عبد الرازق بعد روايته المذكورة؟ ربما رواية ثانية ليس أكثر. ماذا كتب محمد عبد السلام بعد مجموعته “خواطر من الزنزانة”؟ ولا أقول انه ليس هناك استثناءات، فقد يكون وليد الهودلي صاحب “ستائر العتمة” واحدا منها. أن السجناء الذين كتبوا أدبا في هذا الجانب يختلفون عن الأدباء الذين كتبوا عن الأدباء الذين كتبوا عن عالم السجن، فالاخيرون واصلوا الكتابة في موضوعات أخرى.
هل يمكن الزعم بأن بعض نماذج أدب السجن في الأدب الفلسطيني ترتقي إلى نماذج منه في الأدب العربي؟
أشير، ابتداء، إلى أن ظاهرة أدب السجون ظاهرةٌ لافتةٌ في الأدب العربي، فقد خَصَّها غير دارس بدراسة، لعل أبرزهم سمر روحي الفيصل في كتابه “السجن السياسي في الرواية العربية” (1981)- وواضح من العنوان أنه درس موضوع السجن، لا أدب السجناء فقط- ومحمد حوّر “القبض على الجمر: تجربة السجن في الشعر المعاصر” (2004) وفايز أبو شمالة “السجن في الشعر الفلسطيني بين 1967-2001” (2003). وكان عبد الرحمن منيف الروائي النجدي المعروف قد توقف أمام موضوع السجن في الأدب العربي، فعدا انه أنجز عنه روايته الأشهر “شرق المتوسط” (1977). وروايته “ألان هنا- أو شرق المتوسط مرة أخرى”، ولم يكتف بذلك فقد كتب في العام 1998 مقدمة لطبعة جديدة من “شرق المتوسط” قال فيها إن الضرورة تقتضي العودة الى هذا العالم الكئيب القاسي، لأن عار السجن السياسي أكبر عار عربي معاصر.
ومن المؤكد أن مقارنة تعتمد الأسس الأدبية الجمالية بين “شرق المتوسط” وبين “المفاتيح تدور في الأقفال” و “الشمس في ليل النقب”، تقول لنا أن نصوصنا الأدبية لفترة، بخاصة ما أنجز في الأرض المحتلة، لم ترق إلى ما كتبه أدباء عرب بارزون. ولا يعني هذا أن نصوصنا الأدبية كلّها تفتقد القيمة الأدبية. هنا يمكن أن يُشار إلى كتابين مهمين حققا قيمة أدبية عالية فيما أرى. الأول كتاب معين بسيسو “دفاتر فلسطينية” (1978) والثاني كتاب عائشة عودة “أحلام بالحرية” (2004) وللمرة الأولى، حين قرأت “أحلام بالحرية”، وجدت نفسي أقول: ها قد غدا في أدبنا نص أدبي عن عالم السجن لا يقل قيمة عن نص “شرق المتوسط”.
هل يقتصر أدب السجن على عالم السجن الداخلي؟
في روايته “شرق المتوسط” يأتي عبد الرحمن منيف على هذا الجانب، على لسان بطله رجب. يفكر رجب في كتابة رواية عن عالم السجن ويقدم اقتراحا هو:
“وحتى لا نضيع في دوامة قد لا نخرج منها، فمن الضروري أن نحدد موضوعا ونكتب فيه. التعذيب مثلا. كيف تتصورين الموضوع؟ كيف يتصوره إنسان من الخارج؟ وليس أي إنسان، إنسان له علاقة بشكل ما، في مستوى ما”.
و” طبيعي أن يكون للموضوع امتدادات كثيرة ومتباينة: الذكرى، الأحاسيس، العلاقات وغير ذلك. وطبيعي أيضا أن ننظر من زوايا مختلفة. هذه الزوايا المختلفة ضرورية لكي نرى الشيء من جميع جوانبه”.
ويقترح رجب أن تكتب أخته أنيسة، وان يكتب ابنها عادل، وان يكتب زوجها حامد، ويتمنى لو كانت أمه على قيد الحياة لتكتب أيضا أحاسيسها ومشاعرها وما تعرضت له يوم كانت تزوره.
ما ورد على لسان رجب يجعلنا نقول إن أدب السجون لا يقتصر على ما يجري داخل جدران السجن.؟ وهنا نتذكر مجموعة قصص المرحوم عزت الغزاوي “سجينة” (1978)، فالجزء الأول منها- أي من واحد إلى سبعة- يأتي على وصف ما يلم بأم السجين التي تزور ابنها السجين مرارا، وما تعاني منه.
أعود ثانية إلى السؤال: هل يختلف أدب السجون في الأدب الفلسطيني عنه في الأدب العربي؟
ينبغي أولا أن نميز بين الأدب العربي الذي كتب عن سجون الاستعمار، يوم استعمرت أوروبا العالم العربي، والأدب العربي الذي كتب بعد الاستعمار- أي زمن الاستقلال، وهذا ما عالجه د. سمر روحي الفيصل في كتابه.
وينبغي ثانيا أن نميز بين الأدب الفلسطيني الذي كتب في فلسطين تحت الحكم الإسرائيلي، والأدب الفلسطيني الذي كتب في العالم العربي. (دفاتر فلسطينية لمعين بسيسو مثلا).
وينبغي ثالثا أن نميز بين الأدب الفلسطيني الذي كتب في فلسطين وكتبه سجناء أو أدباء عاشوا في السجون الإسرائيلية، والأدب الفلسطيني الذي كتبه سجناء أو أدباء عاشوا في سجون حماس أو سجون السلطة، أو أتوا على سجون السلطة وحماس دون أن تكون لهم تجربة في السجن مثلا.
وأعتقد أن الأمر جدير بالدراسة، وقد يتوصل المرء إلى نتائج بالغة الأهمية، وهذا ما لم أتوقف أمامه لضيق الوقت ولعدم إطلاعي على نصوص كافية في هذا الأمر.

الدكتور عادل الأٍسطة

هل يعتبر أدب السجون واقعيا؟

قول هاملت في المسرحية التراجيدية التي تحمل اسمه: “ليس هناك أمرٌ جيد أو سيء، لكن تفكيرنا ما يجعله كذلك. بالنسبة لي الدنمارك سجن”. يلخص شكسبير في هذه الجملة الشعرية البليغة من مسرحيته “هاملت” كيف يمكن للإنسان وهو حر طليق أن يشعر أن الوطن أصبح سجنا. 

الحرية، تلك الكلمة السامية والهدف المنشود للمجتمعات الديمقراطية، أصبحت غائبة في ظل الحكم الديكتاتوري للملك كلوديوس. هذا ما يشعر به الأمير هاملت، قبل أن يسمع من شبح والده الراحل أنه لم يمت موتا طبيعيا، بل قضى اغتيالا على يد أخيه كلوديوس (عم هاملت) الذي صب السم في أذنه وهو نائم في الحديقة، وتزوج من أرملته غرترود (والدة هاملت) ليعتلي عرشه دون حق، ويعيث فسادا في الدنمارك، محاولا قتل هاملت بشتى الطرق. 

“الدنمارك سجن” عبارة كثيرا ما ترددت على خشبات المسارح بمختلف اللغات في شرق الدنيا وغربها كصرخة منذرة بتلاشي حرية التعبير في بلدان عديدة تحت وطأة أنظمة مستبدة تقمع الأصوات المعارضة وتزج بها في السجون، بحيث أصبحت الأوطان زنزانات للأرواح المتمردة.

ساد في الربع الأخير من القرن العشرين في العالم العربي ما أطلق عليه “أدب السجون”. بغض النظر عن تعرض أصحاب القلم الذين أبدعوا روايات وقصصا ومسرحيات تنضوي تحت صنف أدب السجون إلى تجربة السجن، أم كون وصفهم لها عملا من أعمال المخيلة، فإن صور ما يجري في زنزانات المعتقلات وسراديب السجون السياسية من استجوابات يصحبها تعذيب شديد وامتهان للكرامة الإنسانية كانت صورا تستقطب اهتمام عموم القراء، فيصدقونها بغض النظر عن حقيقتها. هكذا هو الأدب البارع: مصداقية في القص، ومهارة في الإقناع. المهم هو تصدي أولئك الكتاب على اختلاف مواقفهم السياسية ومدارسهم الأدبية في إدانة الاعتقال التعسفي وطرائق استنطاق الموقوفين.

فاجأ نجيب محفوظ، حائز جائزة نوبل العربي الوحيد، قراءه الشغوفين برواياته الواقعية والتاريخية وقصصه ومسرحياته القصيرة التجريبية بروايات قصيرة تناولت بصورة مباشرة موضوع الاضطهاد السياسي، من أشهرها “الكرنك”، رغم أنها لم تكن تلك المرة الأولى التي قارب فيها محفوظ موضوع الاضطهاد السياسي، فهناك روايات سابقة ولاحقة عن عهود الماضي أو الحاضر ألمح فيها إلى موضوع السجن الاعتباطي والوشاية والمخبرين، مثل “ثرثرة فوق النيل”، “ميرامار” و”أمام العرش”

كما نذكر بين الأعمال الرائدة رواية قصيرة (أو قصة طويلةnovelette ) بعنوان “تلك الرائحة” من تأليف الأديب المصري صنع الله إبراهيم. ورغم أن القصة تبدأ وبطلها خارج من السجن، إلا أن تجربة السجن تسكنه، تخيفه، تجعله يتوجس خوفا من مراقبة المخبرين، ويشتم رائحة كريهة تنبعث من لا مكان في شوارع القاهرة. 

تلا الكاتب عمله ذاك برواية قصيرة أخرى أشد إحكاما وجرأة بعنوان “اللجنة”. هنا، يخضع البطل لسلسلة من المواقف العبثية اللامعقولة من الاضطهاد تذكرنا بفرانز كافكا وروايته الشهيرة “المحاكمة”. 

بدوره، تصدى الأديب جمال الغيطاني لاضطهاد المخابرات، إنما من خلال الإسقاط التاريخي الذي برع فيه، مقنعا القارئ أنه استحوذ على وثائق صفراء حقيقية في حين أنه يؤلف من بنات الخيال. أشهر روايات الغيطاني الرائدة “الزيني بركات”، التي تتصدى للبصاصين في نظام شمولي مبكر. 

في المسرح المصري بوجه خاص، لمعت أصوات مؤلفين عالجوا ظاهرة القمع البوليسي، مثل محمود دياب، علي سالم، ميخائيل رومان، صلاح عبد الصبور، سعد الدين وهبة، لينين الرملي، بل حتى رائد المسرح العربي توفيق الحكيم قارب ذلك الموضوع بصورة رمزية في مسرحيتيه العبثيتين “يا طالع الشجرة” و”مصير صرصار”. 

بدورها، كتبت الأديبة والمفكرة نوال السعداوي مسرحية واقعية عن سجن النساء أسمتها “اثنى عشرة امرأة في زنزانة” وكتابا غير أدبي non-fiction بعنوان “مذكرات في سجن النساء”.  

على مستوى روائي أكثر غنى في الخيال والتعبير، كتب الروائي عبد الرحمن منيف (الأديب السعودي الذي قضى حياته مهاجرا بين بغداد ودمشق ومدن أخرى) روايته الشهيرة “شرق المتوسط”، التي تعتبر مثالا متكاملا لأدب السجون. 

هناك رواية عراقية شهيرة للأديب فاضل العزاوي بعنوان “القلعة الخامسة”، تعتبر نموذجا لأدب السجون، حيث يتغير متهم بريء في السجن إلى مناضل سياسي، وهي الرواية التي حولها صنع الله إبراهيم إلى سيناريو، كتبت له الحوار، وأخرجه بلال الصابوني في عام 1979. 

في حقبة السبعينيات، كتب السوري نبيل سليمان روايته “السجن”، وكتب خالد خليفة عدة روايات تدور حول الاضطهاد السياسي مثل “مديح الكراهية” التي فازت بجائزة إندبندنت العالمية، بينما تناولت رواية زميله الآخر مصطفى خليفة “القوقعة” بالتفاصيل الدقيقة حياة السجن في تدمر، ونالت شهرة عريضة، وجرى تداولها سرا بعد أن منعتها الرقابة من التداول في المكتبات العامة. 

كما كتب السوري خيري الذهبي رواية تعرضت للمنع بعنوان “هشام” أو “الدوران في المكان”، وهي ثالث أجزاء ثلاثيته بعد “حسيبة” و”فياض”. بدوره، لم يوفر الروائي السوري المتميز فواز حداد جهدا في التطرق عبر أكثر من رواية تاريخية أو معاصرة إلى الموضوعات الساخنة، خاصة في روايتيه “السوريون الأعداء” و”الشاعر وجامع الهوامش”. 

بدورها، كتبت الروائية المعروفة سمر يزبك رواية مثيرة تتضمن لمحات فريدة من أدب السجون بعنوان “لها مرايا”، إذ تناولت في عملها علاقة ممثلة سبق أن تعرضت لتجربة السجن مع ضابط أمن. ترجمت أعمال عدد من الأدباء المصريين والسوريين إلى اللغات الإنكليزية والفرنسية والألمانية، وحظيت باهتمام من متابعي آداب الشرق الأوسط.

هناك عدة أفلام مصرية تناولت موضوع الاعتقال والسجن والاستجواب تحت وطأة التعذيب، نذكر منها “العصفور” (1972)، سيناريو لطفي الخولي بالمشاركة مع مخرجه يوسف شاهين، وبطولة محسنة توفيق. نذكر أيضا “الكرنك” (1975) عن رواية نجيب محفوظ، التي حولت إلى فيلم سينمائي كتب السيناريو له ممدوح الليثي وأخرجه علي بدرخان ولعبت بطولته النجمة سعاد حسني، والنجم كمال الشناوي شخصية مشابهة لشخصية صلاح نصر، الرجل المرعب الذي تولى رئاسة جهاز المخابرات في عهد جمال عبد الناصر. كما نذكر “زوجة رجل مهم” (1988)، سيناريو رؤوف توفيق، إخراج محمد خان وبطولة أحمد زكي وميرفت أمين، “زائر الفجر (1973)، سيناريو رفيق الصبان مع مخرجه ممدوح شكري، وبطولة ماجدة الخطيب.

في الختام، أذكر أنني سألت ذات مرة شخصا قضى بين سجني تدمر وصيدنايا قرابة عشرين سنة عن رأيه في مدى مصداقية وصف حياة المعتقل في رواية مصطفى خليفة “القوقعة”، فضحك وقال لي: “تسألني عن واقعيتها؟ هي قطرة من بحر. لو كنت كاتبا روائيا، لألفت عما مررت به مئة قوقعة”.

رياض عصمت

المصدر الحرة – رياض عصمت

قضايا التعذيب والعنف التي تمارسها الأجهزة الأمنية ضد ناشطي الحراك الشعبي تعود إلى الواجهة

شبكة وا إسلاماه

مع عودة الحراك   في الجزائر   تفاقمت  حالات الإعتداءات من  طرف  الأمن وقوات التدخل  دفعت بالجزائريين  الى إطلاق  هاشتاق   تحت  #اوقفوا_التعذيب_في_الجزائر

   هذا وقد عادت قضايا التعذيب والعنف التي تمارسها لأجهزة الأمنية ضد ناشطي الحراك الشعبي إلى الواجهة في الجزائر، بعد تفجير قضية تعذيب جديدة لناشط في الحراك الشعبي على يد عناصر من جهاز الأمن الداخلي التابع للمخابرات، بعد أسبوعين من قضية صدمت الجزائريين بخصوص تعذيب الناشط وليد نقيش، ما يُير نقاشاً جدياً حول ضرورات إصلاح الأجهزة الأمنية.  

أضاف المحامي علي فلاح، في تصريح صحافي، إن الناشط سامي درنوني أدلى أثناء الاستجواب من طرف القاضي خلال المحاكمة بتصريح خطير جداً على مسمع القاضي والنيابة العامة، وأكد أنه تعرض لنزع الملابس والضرب والشتم والصعق الكهربائي والحرمان من تلقي العلاج واستخدام القوة لمحاولة انتزاع اعترافات منه. 

وأوضح أن الناشط درنوني حُرم، بعد ذلك، من حقه من العرض على الطبيب، لمنعه من استخراج شهادة طبية تثبت تعرضه للتعذيب، مستغرباً رفض هيئة المحكمة إجراء المحاكمة بشكل علني، على الأرجح خوفا من تفاصيل المحاكمة.

وقال عضو هيئة الدفاع عن الناشط درنوني،  المحامي تبول عبد الله، إن جملة من الخروقات غير قانونية شابت توقيف والتحقيق مع سامي لمدة 100 ساعة لدى مركز أمني تابع لجهاز المخابرات في منطقة البليدة قرب العاصمة الجزائرية، إذ تعرض لسوء المعاملة والتعنيف بشكل غير مقبول، وحُرم من حقوقه التي يمنحها له القانون، لا سيما حق العرض على الطبيب. 

سياق قضايا التعذيب وممارسات الأجهزة الأمنية، أعلن الإعلامي عبد الوكيل بلا، وهو أحد أبرز نشطاء الحراك الشعبي، ويدير الموقع الأخباري “أوراس” رفع دعوى قضائية ضد مسؤول مركز الأمن التاسع في العاصمة الجزائرية، على خلفية اعتقاله التعسفي وتعنيفه والاعتداء الجسدي واللفظي عليه وتهديده بالاغتصاب من قبل المسؤول الأمني.

  اليوم الجمعة   استئنفت المسيرات  الداعمة لإستمرار الحراك

#الحراك_الشعبي #الجمعة_107 #اوقفوا_التعذيب_في_الجزائر

وتداول ناشطون اعترافات معتقلين سابقين وشهاداتهم عن ما تعرضوا له داخل المعتقلات والسجون بالجزائر، وكيف تخفي السلطات تعذيبها، معربين عن نقمتهم وغضبهم على المؤسسات الرسيمة في البلاد، وطالبوا بمحاكمتها وإسقاطها.

وتصاعد الغضب الجزائري، بعدما أعلنت الحكومة الجزائرية في 3 مارس/آذار عن خطتها، لسحب الجنسية من كل مواطن يرتكب عمدا أفعالا خارج التراب الوطني، تلحق ضررا جسيما بمصالح الدولة أو تمس الوحدة الوطنية، واعتبره ناشطون استهدافا لأنصار الحراك الجزائري بالخارج.

وأجمع ناشطون على أن النظام الجزائري يحاصر الناشطين في الحراك بالداخل بالاعتقال والتعذيب، ومؤيدوه بالخارج بسحب الجنسية، متهمين الحكومة بالتطاول على حقوق الشعب وانتهاك حقه في التعبير عن رأيه وتقييد حريته واستهداف الفاعلين في الحراك.

  واصل الحراكيون   العمل على فضح  كافة الانتهاكات وتوثيقها للحد  من حالات الاعتداء والتعذيب  والاعتقال….

  وفي ورقلة استمرت المسيرات الداعمة للمعتقل عمار قراش الذي اعتقل لاوحوكم بسبعة سنوات سجنا  بعيد  ظهوره في   مقطع فيديو  احرق     في نهايته  علم فرنسا مما عده  الحرك  انتهاكا لحرية التعبير وتبعية عمياء لفرنسا

  اضفة لمطلب  الحرية لكل معتقلي الرأي

تحرير

أدب السجون في فلسطين

التجربة الأدبية الفلسطينية في المعتقلات “الإسرائيلية”

على الرغم من المعاناة التي يواجهها الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي، إلا أن المعايشة اليومية للقهر والقسوة في ظل احتلال لا يعرف الرحمة ويمارس شتى أنواع العذاب بحق الأسرى تخلق نسيجًا من  العلاقات الإنسانية المتميزة التي تجمع المعتقلين وتؤلف بين قلوبهم؛ ما يسهم في إيجاد جو خصب متميز تنمو فيه إبداعاتهم وتتطور، لتبني طرازًا ذا نكهة فريدة تسجلها اللحظات التأملية التي يحياها السجين بعيدًا عن أهله وأحبته.

إن مجموع هذه الإبداعات التي ولدت في عتمة الأقبية وظلام الزنازين وخلف القضبان الحديدية، التي خرجت من رحم الوجع اليومي الذي يحياه الأسرى الفلسطينيون، والمعاناة النفسية التي كانت نتاجًا لفنون السجان المحتل في التعذيب والتنكيل – اصطلح على تسميتها بـ”أدب السجون”.

ويمثل الأدب الذي كتبه المعتقلون الفلسطينيون في المعتقلات “الإسرائيلية” صورة حية وواقعية للمعاناة التي مروا بها وعايشوها، ولم يأت هذا الأدب تنفيسًا عن لحظة اختناق أو تصويرًا للحظات بطولة؛ إنما عبر عن حالة إنسانية وأبعاد فكرية ونضالية. 

أدب السجون

وتمتد جذور النتاجات الإبداعية التي تخلقت خلف القضبان، في تاريخنا الفلسطيني، وفي التاريخ العربي والعالمي؛ فثمة أسماء عديدة كتبت الشعر والنثر وأصحابها يقبعون خلف الزنازين.  ومن الأدباء العرب الذين جادت قرائحهم بالشعر والنثر، وسجلوا تجربتهم وهم في السجون العربية: الشاعر أحمد فؤاد نجم (في ديوان الفاجومي)، والروائي صنع الله إبراهيم (رواية/ تلك الرائحة)، والكاتب شريف حتاتة (سيرة/ العين الزجاجية)، وعبد الرحمن منيف (رواية/ شرق المتوسط)، وعبد اللطيف اللعبي (رواية/ مجنون الأمل)، وفاضل الغزاوي (رواية/ القلعة الخامسة)، والطاهر بن جلون (رواية/ تلك العتمة الباهرة)، وغيرهم؛ أما على المستوى العالمي فنجد أدباء وشعراء مناضلين أمثال: لوركا، ونيرودا، وناظم حكمت، ويوليوس فوتشيكو.

وأما في الحالة الفلسطينية، فنجد أن النتاجات الاعتقالية تمتاز عن سواها من النتاجات العربية والعالمية، بأنها الأغنى والأكثر شمولية وزخمًا من حيث الكم والكيف بين تجارب الشعوب وحركات التحرر؛ ويعود ذلك إلى ارتباطها بالقضية الفلسطينية وتحرير فلسطين، وطبيعة الاحتلال “الإسرائيلي” الذي نتعرض له؛ فهو الأطول في التاريخ؛ إذ لم يبق شعب من شعوب العالم تحت الاحتلال غير الشعب الفلسطيني.  ونذكر أن 

أول كتاب فلسطيني وُضع في أدب المعتقلات هو للكاتب “خليل بيدس” الذي كتب كتابا بعنوان “أدب السجون” أثناء فترة اعتقاله في سجون سلطات الانتداب البريطانية في فلسطين؛ وقد ضاع هذا الكتاب في زحمة أحداث حرب عام 1948.
ومن الشعراء الذين نظموا الشعر في معتقلات الحكم التركي الشاعر الشيخ “سعيد الكرمي“، الذي صدر بحقه حكمًا بالإعدام، واستبدل بالسجن المؤبد بعد الحرب العالمية الأولى؛ وذلك لمناهضته الحكم التركي ومفاسده. وفي عام 1937 كتب الشاعر الشعبي (عوض) على جدران زنزانته أبياتا شعرية تعبّر عن مدى القهر والألم الذي يعانيه جراء تخاذل العرب عن نصرة فلسطين؛ وذلك قبل أن تنفّذ فيه القوات البريطانية حكم الإعدام. كما خلّد الشاعر إبراهيم طوقان الشهداء الثلاثة “عطا الزير ومحمد جمجوم وفؤاد حجازي” الذين أعدمتهم سلطات الاستعمار الانجليزي عام 1930 عقب ثورة البراق.

ومن الشعراء الفلسطينيين الذين كتبوا في التجربة الأدبية الاعتقالية أيضًا: محمود درويش، ومعين بسيسو، وتوفيق زياد، وسميح القاسم.

مراحل تشكيل أدب السجون:

قد يكون المرء غير مبالغ إذا قال أن نحو 85% من أبناء الشعب الفلسطيني على امتداد مساحة الوطن المحتل دخل المعتقل “الإسرائيلي”، وذاق صنوف العذاب وتشرّب آلام القهر والحرمان، وواجه جلاّده بالصبر والصمود والتحدي؛ منهم من تحرر، وأكثرهم مازال ينتظر، وبعضهم لقي ربه هو يشدّ على القضبان.

ولم يتصر الاعتقال على الرجال؛ بل طال نساء فلسطين المناضلات اللاتي دخلن المعتقل، وتعرضن للتعذيب والقهر والإذلال، إلا أنهن اثبتن شجاعتهن وصمودهن أمام جلاديهن. ومن أسماء النساء اللاتي كتبن خلف القضبان: ناهدة نزال، وزكية شموط، وختام خطاب، وسعاد غنيم، وجميلة بدران، وحليمة فريتخ، وعائشة عودة. إن المعتقل الفلسطيني بفكره ومحتواه الثوري والنضالي، يشكل هدفًا أساسيًا للاحتلال” الإسرائيلي “الذي كرّس كل طاقاته وجهوده في كل المجالات وعلى كافة الأصعدة لتشويش فكره ووعيه، وتشويه سلوكه وأفعاله النضالية؛ من أجل جعله في حالة شك ذاتي؛ لإحباط توجهاته وتفكيك قدراته الكفاحية والثورية؛ بهدف ترويض إبائه وتحطيم إرادته وصموده.

ومن الأساليب التي سعى الاحتلال “الإسرائيلي” لممارستها على المعتقلين الفلسطينيين لتنفيذ مخططاته، سياسة الإفراغ الفكري والثقافي، التي تهدف إلى زرع ثقافة مشوّهة بديلة، تعمل على صياغة نفسية المعتقل من جديد وتطويعه وفق إرادتها؛ لهذا قامت سلطات الاحتلال بإعلان الحظر التام على الثقافة الوطنية والإنسانية؛ بل على كل وسيلة ثقافية؛ حتى الورقة والقلم والكتاب؛ فقد كانت سلطات الاحتلال تعتبر أن امتلاك ورقة وقلمًا من الأمور المرتبطة بالحضارة والرقي؛ لهذا لم يسمح الاحتلال بأن يتوجه معتقليه نحو رفاهية الحضارة والرقي؛ بل عليهم أن يبقوا تحت القهر والإذلال وكتم الأنفاس؛ فكان لابد للمعتقلين من إيجاد وسيلة للتغلب على مشكلة الورقة والقلم؛ فعملوا على تهريب أدوات الكتابة من خلال زيارات الأهل؛ أو عن طريق المحامين؛ كما استفادوا من مواسير الأقلام التي كانت توزع عليهم لكي يكتبوا رسائل لذويهم مرة في الشهر؛ وكان لا بد من إخفاء إحدى المواسير وتحمّل تبعات ذلك من عقاب جماعي، ومن ثم استخدموا هذه الماسورة في كتابة ما يريدون؛ وبنفس الطريقة تمكنوا من توفير الورق. كما استخدم المعتقلون مغلفات اللبنة والزبدة بعد غسلها وتجفيفها للكتابة عليها. واستمرت سياسة الحصار الثقافي والفكري من عام 1967 وحتى عام 1970؛ حيث أدرك المعتقلون خطورة الوضع الذي يعيشون فيه، وأحسوا بالفراغ الفكري والثقافي، تحت ضغط عدم تواصلهم مع العالم الخارجي، فهم في عزلة مقصودة ومبرمجة. ما حدا بهم إلى المطالبة بإلحاح ومثابرة بإدخال مواد ثقافية من كتب وصحف ودفاتر وأقلام.  وكانت إدارة السجون الإسرائيلية تماطل في تنفيذ مطالب المعتقلين؛ متذرعة بأسباب عديدة؛ لكن هذه المماطلة لم تثبط عزائم المعتقلين. فخاض السجناء غمار عدة ميادين كالاحتجاج المباشر، والإضراب عن الطعام، والاتصال بالصليب الأحمر الدولي؛ الأمر الذي جعل إدارة السجون ترضخ في النهاية لمطالبهم، خصوصًا بعد الإضراب الكبير الذي عمّ المعتقلات في عام 1970؛ فقد اضطرت سلطات السجون إلى السماح بإدخال الكتب والصحف والدفاتر والأقلام من خلال الصليب الأحمر؛ إلا أنها وضعت قيودًا على ذلك تمثلت في: إخضاع المواد المكتوبة للرقابة والتدقيق والفحص الأمني، وتحديد نوعية الكتب المسموح بإدخالها، وتحديد كمية الأقلام والورق؛ وأخيرا فرضت على كل معتقل أن لا يقتني أكثر من كتاب واحد؛ وفي حالات كثيرة كانت تقوم سلطات السجون باقتحام غرف المعتقلين ومصادرة الكتب والدفاتر والأقلام كعقاب لهم.  ورغم كل هذه الإجراءات والممارسات القمعية التي تمارس ضدهم، إلا أنهم تمكنوا بقوة الإرادة والصمود من إنتاج أدب متميز حمل بصمات التجربة التي عايشوها.

ولم تأت التجربة الإبداعية للمعتقلين دفعة واحدة؛ بل مرت بعدة مراحل صقلتها فغدت جوهرة فريدة أثبتت حضورها ومكانتها في المشهد الأدبي الفلسطيني، وهذه المراحل هي:

المرحلة الأولى ـ

البدايات:
وهي مرحلة السبعينيات التي نجح فيها المعتقلون في فرض مطالبهم على إدارة السجون الإسرائيلية. وقد استخدم المعتقلون المواد التي حصلوا عليها في برامج تعليمية، حيث يقوم المتعلم من المعتقلين بتعليم عدد من المعتقلين الذين لا يعرفون القراءة والكتابة؛ ما دفع هذا المعلم القائم بدور المدرس، إلى تحسين مستواه الثقافي والعلمي؛ لكي يكون قادرًا على العطاء بالمستوى اللائق؛ فأخذ في الاطلاع والقراءة في الكتب المتوفرة بين يديه؛ ما مهد الطريق للانتقال من الدور التعليمي إلى الدور التثقيفي.  وهذا التثقيف ارتبط بالمسألة الحزبية والتنظيمية؛ حيث يقدم المثقف ثقافة حزبية عبر محاضرات يلقيها حول حزبه وأدبيات التنظيم؛ في محاولة لاستقطاب أفراد جدد إلى تنظيمه الذي ينتمي إليه؛ أو زيادة الوعي والمعرفة الحزبية والسياسية لدى أفراد تنظيمه.

وفي هذه الفترة شكّلت الرسائل التي يبعثها المعتقل إلى ذويه الكتابة الأدبية الأولى من خلف القضبان، حيث حاول المعتقلون في رسائلهم استعمال ديباجات إيحائية معينة لجأوا إليها لتمويه الرقيب الإسرائيلي؛ فكانوا يختارون أبياتًا من الشعر أو عبارات من النثر، يسطرون بها رسائلهم. وما بين التعليمي والتثقيفي والأسلوب الرسائلي نتج الإبداع الأدبي؛ حيث لم يكن الأدب معزولًا عن التفاعلات النشطة في الحياة الجديدة التي أخذت بالتبلور بين المعتقلين.  وقد كان الأدب أكثر التصاقًا بواقع المعتقلين؛ فقد كان وسيلة للتعبير عما يعتمل في النفس البشرية.  وكان التعبير بالشعر البدايات الأولى في إبداع المعتقلين، فهو أسرع الأنواع الأدبية استجابة للتعبير عن المعاناة؛ لهذا لجأ عشرات المعتقلين إلى المحاولات الشعرية التي تترجم مشاعرهم وتعبّر عن مكنونهم النفسي.

ومن الكتابات التي صدرت وتعبر عن هذه الفترة ديوان شعري مشترك بعنوان (كلمات سجينة)؛ وقد صدر بخط اليد في معتقل بئر السبع عام 1975.  ومن المعتقلين الشعراء الذين نشروا قصائدهم في هذا الديوان: محمود الغرباوي، مؤيد البحش، محمود عبد السلام، عبد الله الزق، وليد مزهر، وليد قصراوي، نافذ علان، وليد حطيني، عمر خليل عمر، مشهور سعادة.
المرحلة الثانية ـ

تطور الإبداع وتعدده: كان تطور الإبداع لدى المعتقلين وتعدد أنواعه سمة فترة الثمانينيات؛ ففي هذه المرحلة اتسعت معارف المعتقلين وتشعّبت ثقافاتهم؛ بعد السّماح بإدخال الكتب الثقافية المتنوعة، وخاصة الكتب الأدبية التي كان نصيبها من الرقابة المشددة أقل نسبيًا من الكتب السياسية؛ ما أتاح للمعتقلين فرصة الاطلاع على نماذج محلية وعربية وعالمية دعمت بشكل إيجابي تطور التجربة الإبداعية لدى المعتقلين. كما لعب المثقفون والأكاديميون الذين اعتقلوا في هذه الفترة دورًا أساسيا في التجربة الأدبية داخل المعتقل؛ حيث ساهموا في توجيه المعتقلين من الكتاب والأدباء نحو آليات وقواعد الشعر والنثر.

وقد تمكّن المعتقلون في فترة الثمانينيات من تهريب نتاجاتهم الإبداعية إلى خارج المعتقل؛ واهتمت الصحف والمجلات المحلية بنشر إنتاجهم؛ ما شجعهم على مواصلة الكتابة وتطوير إبداعاتهم.  ومن الصحف والمجلات التي نشرت أعمالهم الإبداعية: البيادر الأدبي، والشراع، والكاتب، والفجر الأدبي، وعبير.  كما عملت دور النشر والمؤسسات الثقافية والحزبية على نشر إبداعات المعتقلين في كتب مثل: اتحاد الكتاب، ودار القسطل للنشر، ودار الآباء والبنون للنشر، ودار الزهراء، ومركز التراث في الطيبة، وغيرها. كل هذا ساهم في تطور التجربة الإبداعية لدى المعتقلين؛ بالإضافة إلى نضوج الحالة الثقافية الناتجة عن المسيرة التثقيفية الطويلة والشاقة التي خاضها المعتقلون مع أنفسهم؛ في سبيل إبراز ذواتهم للخروج من حالة العزلة التي يسعى الاحتلال إلى تكريس فرضها عليهم؛  لهذا ارتقى وتطوّر إبداع المعتقلين، من الشعر إلى الخاطرة إلى القصة القصيرة، إلى النص المسرحي الذي كان يمثل في المناسبات الوطنية داخل المعتقلات، وقد صدرت النصوص المسرحية لاحقا في كتب.

كما تتوجت إبداعات المناضلين الأسرى أيضًا بإصدار روايات من داخل المعتقلات، كانت في أغلبها روايات تسجيلية تحكي واقع المعتقل وظروفه المعيشية، وممارسات السجان السادية تجاه المعتقلين.

كما حاول المبدعون المعتقلون توصيل نتاجاتهم إلى أكبر عدد من المعتقلين؛ وذلك بالتغلب على مسألة النشر غير المتوفرة داخل جدران المعتقل؛ بالعمل على إصدار مجلات أدبية تضم نصوصا أدبية مختلفة لعدد كبير من المبدعين؛ وكان يكتب منها بخط اليد أكثر من نسخة وتوزع على المعتقلين، ومن هذه المجلات: “الملحق الأدبي” لمجلة “نفحة الثورة”، ومجلة “الصمود الأدبي” في معتقل عسقلان، ومجلة “الهدف الأدبي” في معتقل عسقلان التي صدرت عام 1981، وأشرف على تحريرها كل من: منصور ثابت، وعبد الحميد الشطلي، ومحمود عفانة؛ ومجلة “إبداع نفحة” التي صدرت عن اللجنة الثقافية الوطنية في معتقل نفحة، وأشرف على تحريرها كل من: فايز أبو شمالة، وسلمان جاد الله، ومعاذ الحنفي، ومحمود الغرباوي؛ ومجلة “صدى نفحة” التي أسسها عام 1989 كل من المبدعين المعتقلين: معاذ الحنفي، وسلمان جاد الله، وفايز أبو شمالة؛ وكتب على صفحاتها: عبد الحق شحادة، ومحمود الغرباوي، وهشام أبو ضاحي، وهشام عبد الرازق، وزكي أبو العيش، ومنصور ثابت، وماجد أبو شمالة، وسمير المشهراوي، وغيرهم. وقد نشرت دار القسطل للدراسات والنشر بالقدس نسخة من مجلة “إبداع نفحة” كما هي بخط اليد عام 1990، وضمت قصائد شعرية وقصصًا قصيرة، وخواطر، وزجلًا شعبيًا.  ومن المبدعين المعتقلين الذين نشروا على صفحاتها: سليم الزريعي، محمود الغرباوي، هشام عبد الرازق، معاذ الحنفي، وحسام نزال، وكمال عبد النبي، ومؤيد عبد الصمد، وهشام أبو ضاحي، وبسام عزام، وليد خريوش، وعبد الناصر الصيرفي، وماجد الجراح، وفايز أبو شمالة، وسمير طيبة، وسمير قنطار، وزكي أبو العيش، وسعيد عفانة، ومحمود الكبسة، وأشرف حسين، وعبد الحق شحادة، وجبر وشاح.

ومن الأعمال الأدبية الإبداعية التي نشرت في هذه الفترة: ديوان “درب الخبز والحديد” لعدنان الصباح (1981)، وديوان “أيام منسية خلف القضبان” لمحمد أبو لبن (1983)؛ والمجموعة القصصية “الطريق إلى رأس الناقورة” لحبيب هنا (1984)، والمجموعة القصصية “ساعات ما قبل الفجر” لمحمد عليان (1985)؛ ورواية “زنزانة رقم 7” لفاضل يونس (1983).

المرحلة الثالثةـ

الانتفاضة: شهدت هذه المرحلة تنوعًا في إبداعات المعتقلين وتطورًا كميًا في النتاجات الإبداعية؛ وقد تحول الأدب من ممارسة هواية وثقافة جمالية، إلى مشاركة نضالية في أحداث الانتفاضة وزخمها الثوري.

وشهدت هذه الفترة زيادة ملموسة في عدد الكتب التي صدرت للمبدعين المعتقلين؛ وأولت دور النشر والمؤسسات الثقافية والمجلات والصحف عناية خاصة بأدب المعتقلات.

ومن الكتابات التي نشرت في هذه الفترة: ديوان “فضاء الأغنيات” للمتوكل طه (1989)، وديوان “المجد ينحني لكم” لعبد الناصر صالح (1989)، وديوان “الجراح” لهشام عبد الرازق (1989)، وديوان “أوراق محررة” لمعاذ الحنفي (1990)، وديوان “حوافر الليل” لفايز أبو شمالة (1990)، وديوان “ترانيم خلف القضبان” لعبد الفتاح حمايل (1992)، وديوان “رغوة السؤال” للمتوكل طه (1992)، وديوان “لن أركع” لعمر خليل عمر (1993)، وديوان “اشتعالات على حافة الأرض” لخضر محجز (1995)؛ وقصص “سجينة” لعزت الغزاوي (1987)، وقصص “ستطلع الشمس يا ولدي” لمنصور ثابت (1992)، وقصص “صحفي في الصحراء” لحسن عبد الله (1993)؛ ورواية “تحت السياط” لفاضل يونس (1988)، ورواية “شمس الأرض” لعلي جرادات (1989)، ورواية “رحلة في شعاب الجمجمة” لعادل عمر (1990)، ورواية “شمس في ليل النقب” لهشام عبد الرازق (1991)، ورواية “قهر المستحيل” لعبد الحق شحادة (1992).

المرحلة الرابعةـ

ما بعد قيام السلطة: أثر الوضع السياسي الذي أفرزه اتفاق أوسلو وما نتج عنه من تغيرات لمفهوم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، تأثيرًا كبيرًا على الإنتاج الأدبي والإبداعي لدى المعتقلين الفلسطينيين في المعتقلات الإسرائيلية؛ إذ حدث تراجع في الكتابة الأدبية والإبداعية، وغاب الزخم الذي شهدته السبعينيات والثمانينيات.

وشهدت هذه الفترة كتابات متعددة في أدب المعتقلات كتبها معتقلون سابقون تحرروا بموجب اتفاق أوسلو، بعضها كُتب داخل المعتقل مثل: رواية “قمر سجين وجدران أربعة” لمعاذ الحنفي، كتبها في معتقل نفحة بين عامي 1989 و1990، ونشرها في غزة عام 2005؛ وروايتي “عاشق من جنين” لرأفت حمدونة، التي كتبها في معتقل نفحة، ونشرها في غزة عام 2003، و”الشتات” كتبها في معتقل بئر السبع، ونشرها في غزة عام 2004، ورواية “ستائر العتمة” لوليد الهودلي، التي كتبها في المعتقل، ونشرها بعد تحرره عام 2003.

وثمة كتابات كتبت داخل المعتقل وهربت إلى الخارج ونشرت مثل: روايتي ظل الغيمة السوداء، وعلى جناح الدم (2006) لشعبان حسونة، التين كتبهما في المعتقل الذي يقضي فيه حكما مدى الحياة.

وثمة كتابات كتبت خارج المعتقل، كتبها معتقلون بعد تحررهم تسرد تجاربهم ومعاناتهم داخل المعتقل، منها: ديوان “رفيق السالمي يسقي غابة البرتقال” لمحمود الغرباوي (2000)، وديوان “من وراء الشبك” لمؤيد عبد الصمد (2000)، ونصوص (رمل الأفعى ـ سيرة كتسيعوت أو أنصار 3) للمتوكل طه (2001)؛ وقصص “ويستمر المشهد” لمنصور ثابت (2003)؛ ورواية “البطاط / تمرد شطة58” لسلمان جاد الله (2004)؛ وسيرة “أحلام بالحرية” لعائشة عودة (2004)؛ ورواية “شمس الحرية” لهشام عبد الرازق (2008).

القضايا التي تناولها أدب السجون:

إن واقعية ما تطرحه التجربة الإبداعية في المعتقلات، تعكس حقيقة الواقع الذي عاش فيه المعتقل الفلسطيني، وتكشف بشكل فعّال عن المُثل العليا الوطنية السياسية والاجتماعية، وعن المضمون النضالي والإنساني.

وقد حاول الأدباء المعتقلون جاهدين من خلال نتاجاتهم الإبداعية، أن يكونوا صادقين مع تجربتهم، أوفياء لها، يسجلونها بصدق وأمانة؛ لأنها تعكس ما في دواخلهم من مشاعر وطموحات وتحديات وروح عالية، وتمسك بالهدف السامي الذي اعتقلوا في سبيله.

لقد شكلت قسوة الاعتقال، بما فيها من كبت نفسي وتعذيب جسدي، تربة خصبة لتفجر الطاقات الإبداعية، كردّ فعل طبيعي ومنطقي على ممارسات القمع.  وهذه التجربة الإبداعية كان لها تأثيرها على المعتقلين من حيث تعزيز صمودهم وتحديهم لممارسات السجان؛ كما ساهمت في خلق الظروف المناسبة وتهيئتها لتربية الإنسان الفلسطيني وتجذير انتمائه وتصليب إرادته؛ وتمكينه من بناء الذات الوطنية التي تؤهله لكسب معركة الصراع التي يخوضها ضد الاحتلال.

وقد تناول المبدعون المعتقلون في كتاباتهم الأدبية، قضايا مرتبطة بظروف اعتقالهم، وبتفاعلهم مع الأحداث الخارجية خصوصًا في مرحلة الانتفاضة، ومن القضايا التي عبروا عنها:

ـ تسجيل واقع المعتقل ورسم صورة للسجان وممارساته ضد المعتقلين، من تعذيب وضرب على أماكن حساسة، وخنق بالكيس في الرأس، وكتم الأنفاس، وتعصيب العينين، والشبح، والهز العنيف بعد تقييد اليدين للخلف، وخلع الأظافر، وتحطيم الأسنان. في سيرة الكاتبة “عائشة عودة” الذاتية (أحلام بالحرية) التي قدمتها حول تجربتها في الاعتقال، وصفت حالات التعذيب التي مورست ضدها، حيث تناوب عليها المحققون الإسرائيليون بعدة أساليب من التعذيب في التحقيق.

ـ تناول قضايا متعلقة بالحياة العامة خلف القضبان مثل: المواجهة والتحدي والحرمان والصمود والانتماء والحنين للأهل والأبناء والأصحاب. كذلك الحديث عن النضالات والإضرابات داخل المعتقل. ورفض القيود والتمرد عليها، وكسر طوق العزلة التي يسعى الاحتلال لفرضها على المعتقلين.

ـ لم يقتصر انشداد المعتقلين على مصيرهم الشخصي، وعلى الوجع والقهر الذي يعانون منه؛ بل تفاعلوا مع أبناء شعبهم في نضالاتهم ضد الاحتلال بالكتابة والإبداع؛ كما تفاعلوا مع الأحداث الوطنية الكبرى: كاجتياح لبنان، ومذبحة صبرا وشاتيلا، والاعتداء على المخيمات في لبنان، والانتفاضة، وغيرها؛ وأكدوا أيضا على مسألة انتمائهم لعروبتهم ووطنهم العربي الكبير.

ـ وعبّر المعتقلون عن أحلامهم بالليل التي تمتزج فيها المشاهد بين القيد والانطلاق؛ حيث يظل المعتقل القابع خلف القضبان مشدودًا إلى العالم الخارجي (مدينته وقريته ومخيمه وأهله، وجميع من ارتبط معهم بذكريات) وتبقى الحرية هاجسه وأمنيته التي تعشّش في أعماقه.

ـ يُعد السجن القابع فيه المعتقل من أكثر الموضوعات التي تناولها الأدباء المعتقلون، ومجالًا خصبًا لإبداعاتهم؛ وذلك لما انطوى عليه من تعذيب وقهر وحرمان وذل ومهانة؛ وكذلك لما انطوى عليه من بطولة وتحدٍ وإرادة وإصرار وثبات ورباطة جأش وتضحية وعطاء؛ لهذا كتبوا عن: مساحة السجن الضيقة، والزنازين الانفرادية، وغرف السجن وما تحتويه من رطوبة وعفن وسكون ووحدة وقلق وظلام وقتامة.  كما وصفوا أسوار السجن والشبك والقضبان والسقف؛ بالإضافة إلى تناول أقبية التحقيق وما يدور فيها من ممارسات سادية وعنصرية ضد المعتقلين؛ ووصفوا أدوات التحقيق والتعذيب. نسلط الضوء على أبرز خمس روايات كُتبت بمداد الوجع في السجون، وخرجت منه تهريبًا عبر الكبسولات، لترى النور قبل تحرير كُتابها.

 روايات فلسطينية كُتبت في سجون الاحتلال الإسرائيلي

حكاية صابر

حكاية صابر

حكاية صابر، حكاية شخص تُجسّد حالة شعب، وحكاية شعب تتجسد في شخص، فيها مزج بين الواقع والخيال، خيال من أصل الواقع، وواقع أقرب إلى الخيال، يُمثل فصولاً من تاريخ شعب لا يُقهر، شعب تكالب عليه الأعداء من كل حدب وصوب، وتخلى عنه القريب والبعيد، ثم عاد البعيد ليشارك في القهر، وعاود القريب الغدر والطعن في الظهر.

هي حكاية «محمود عيسى» ذلك الأسير الفلسطيني وراء القضبان منذ عام 1993 والمحكوم بالسجن المؤبد ثلاث مرات بالإضافة إلى ستة وأربعين سنة أُخرى.

صدرت طبعتها الأولى عن مؤسسة «فلسطين للثقافة» عام 2012، حيث يعرض الأسير عيسى حكايته في شخصية «صابر» الذي يُعبر عن شعب بأكمله مرت مراحل نموه بانكسارٍ كبير من الميلاد في النكسة، وما تلاها من فساد ونهب للثروات والتاريخ والأصالة، وصولًا إلى ثورة الحجر التي أُعلن فيها الرفض التام للظلم والظُلّام، وليس انتهاءً بسلوك من ضعفت هممهم طريق المهادنة والاستسلام، والذي انعكس أخيرًا على فشل دعواهم، وثبت أن ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة.

ترك الراوي حكايته بلا خاتمة، ليصنعها القارئ من استلهامه للأحداث التي تدور في رحى الأيام بين شدٍ وجذب كما جيئت بالنص القرآني: لينصر الله المؤمنين ويُحق حقوق المُعذبين.

قضى الراوي معظم محكوميته في الزنزانة الانفرادية بحجة الخطورة الكبرى على أمن إسرائيل، فهو آسر الجنود ومُؤسس الخلايا، ورغم ذلك استطاع أن يُسرب أوراق حكايته لترى النور الذي لا يراه بينما هو لا زال ينتظر أن يُفتح باب زنزانته. 

أمير الظل: مهندس على الطريق

أمير الظل: مهندس على الطريق

هي حكاية الألم التي تجرعها الأسير «عبد الله البرغوثي» في ظُلمة الزنازين، حيث نظم حروف مشاهدها في 165 صفحة، يبدأ الأسير – المحكوم عليه بالمؤبد 67 مرة – روايته بالرد على رسالة ابنته الكبرى «تالا» التي شهدت لحظة اعتقاله عام 2003، تلك الرسالة التي خلت من أي حروف وعلامات إلا الاستفهام: «من أنت؟، ولماذا أنت؟»، تسأل عن ذلك الأب الذي تركها في السيارة لحظة اعتقاله، وسافر خلف القضبان دون أن يُحدد موعدًا للرجوع.

ويبدو أن صعوبة السؤال ووجع الإجابة جعلته يخط روايته «أمير الظل: مهندس على الطريق» في ترنيمة أشبه إلى السيرة الذاتية، كتبها في ظلمة العزل الانفرادي، تلك الزنزانة الشبيهة بالحد الفاصل بين الحياة والموت، ليُعرِّف بذاته ويمنح ابنته تالا إجابة، علّها تُعينها على لجم خوفها وتمنحها فرصة لترى والدها؛ الممنوع عليها زيارته ورؤيته إلا في بعض صورٍ التقطها في رحلاته وأسفاره الطويلة والبعيدة قبل أن يُأسر.

يعرض الكاتب في روايته التي صدرت طبعتها الأولى عام 2012، سيرته من الميلاد ثم الخروج مع عائلته إلى الكويت والعودة مُجددًا إلى الأردن بعد الغزو العراقي للكويت 1990، لتواجه صنوف معاناة وألم وفقر كبير بكل تحدٍ وكبرياء، ورغم أنه لم يكن يحمل شهادة الثانوية العامة إلا أنه افتتح محلًا لميكانيكا السيارات، هوايته المفضلة التي لم تُسعفه كثيرًا في توفير المال، فانتقل إلى كوريا لمدة ست سنوات كانت التجربة الأغنى، درس خلالها الهندسة الكهربائية وعمل في التجارة، هناك أتقن الكمبيوتر والاتصالات وفطن إلى تفاصيل عملها الدقيقة.

وفي توليفة غنية بالإنسانية؛ يعرض تجربته وكيف عاد إلى فلسطين بعد زيارة في نهاية التسعينيات، والصدفة التي جمعته بالمقاومة، وكيف بات خليفة للشهيد يحيى عيّاش، ويُبرز للقارئ كيف أن عبقريته في فهم الإلكترونيات قادته إلى الاستزادة بالمعرفة لصنع المتفجرات والتحكم بها عن بعد، بالإضافة إلى تفخيخ السيارات لتنفيذ عمليات عسكرية ضد الأهداف الإسرائيلية.

تمتاز كتابات البرغوثي بأسلوبها البسيط الأقرب إلى المُحاكاة الصريحة لكل ما شاهد وعاش بعيدًا عن زخرفة الألفاظ والتعابير، كما أنها تمنح القارئ فرصة للتعرف على سير المقاومين الأفذاذ الذين ربطتهم علاقة مباشرة معه. 

ستائر العتمة

ستائر العتمة

أخرج تفاصيلها إلى النور الأسير «وليد الهودلي» من سجنه في عسقلان عام 2001، فيما صدرت طبعتها الأولى بعد عامين؛ الأول كانت فيه مخفية لم يعرف بها أحد سوى الكاتب، والثاني بقيت خلاله تحت النشر.

يحكي الهودلي في روايته عن تجربة التحقيق والاعتقال وظروف السجن، ويستعرض أساليب التعذيب التي يواجهها الأسرى الفلسطينيون على يد المُحققين الإسرائيليين، أملًا في سحب اعترافاتهم؛ بدءًا من غُرف العصافير التي يتم فيها خداع الأسير، وصولًا إلى عمليات الشبح المتواصلة، والتي تتم عبر تقييد الأسير على كرسي لساعات طويلة يكون فيها مربوط اليدين والقدمين إلى الخلف.

كما تطرق إلى أساليب اعتقال الأهل وتعذيبهم كوسيلة للضغط للاعتراف بما يُمليه على المُحقق الإسرائيلي، بالإضافة إلى أساليب الحرمان من النوم والضرب الشديد من قبل المُحققين، ناهيك عن الكيل بسيل من الشتائم البذيئة والتجرؤ على الدين من قبل المُحققين الإسرائيليين؛ كسبّ الذات الإلهية وإيذاء الأسرى نفسيًا وجسديًا.

طبُع الجزء الأول من الرواية ثمان طبعات، أي نحو 40 ألف نسخة، تحدث الكثير عن دقة تصوير الرواية لتفاصيل المشاهد التي تمتزج فيها واقعية الحدث مع فيض المشاعر الإنسانية، وهو ما دفع المُخرج «محمد فرحان الكرمي» إلى تحويل رواية الهودلي إلى فيلم درامي. 

الرباعية الوطنية

وصفها البعض بـ «رباعية العشق»؛ لأنها تُذكِر بأدب الأدباء الثوار ممن خاضوا تجارب الثورة والنضال وذاقوا وبال المعاناة وآلام التعذيب والحرمان، سُميت بالرباعية كونها تضم أربع روايات: «عاشق من جنين»، و«الشتات»، و«قلبي والمُخيم»، و«لن يموت الحُلم». كتب تفاصيل مشاهدها الأسير المُحرر عام 2005، رأفت حمدونة، داخل أقبية سجن نفحة، وعمد إلى تسريبها سرًا لتُنشر بعد ذلك وترى النور في طبعتين.

في ثنايا الرواية يتحدث «حمدونة» عن المقاومة والحب والحرية بلغة واضحة سليمة نحوًا وصرفًا، ودلالة عميقة غير سطحية، تُعبر عن رسالة وطنية أصيلة وتتغنى بالثوابت في أربع روايات تحكي قصة الشعب الفلسطيني بتسلسل من «عاشق من جنين» التي تروي معركة المدينة خلال انتفاضة الأقصى وصمودها في وجه الاحتلال، وصولًا إلى «الشتات» التي عبّرت بشكلٍ جليّ عن التشرد وتدور أحداثها في فلسطين والأردن، ومن ثمَّ جاءت «قلبي والمُخيم» التي تحكي وقائع الثورة والصمود في مخيم معسكر جباليا الذي شهد جانبًا من نضال الكاتب وطفولته، ليُتوجها بـ «لن يموت الحلم» التي ختمت الرباعية بحكاية كفاح سكان حدود الوطن في رفح وترسم لوحة نضاله في التمسك بحقوقه وثوابته الوطنية.

عبّر الكاتب في رواياته الأربع عن هموم الشعب الفلسطيني بتنوعها بأسلوب شيّق يتناسب مع مضامينها التي جالت في محطات نضاله المتسلسلة.  

على جناح الدم

أيتها النفس التواقة للرحيل على ذلك الجناح الميمون، اسكني، فالدروب دونك مسدودة، والجسد تثقله الأغلال، وإذا كنت لا تستطيعين، فتحرري منه، وعيشي الخيال وتسلي مع الأطياف؛ أطياف من عشقوا فصدقوا فصدقهم الله.

تلك أولى الأسطر والكلمات في الرواية التي اختار فيها الأسير المُحرر في صفقة (وفاء الأحرار 2011)، شعبان حسونة، أن يُحاكي حياة الاستشهادي بمشاهد مكتوبة غنية في تفاصيلها بالتشويق والإثارة والعاطفة والتأصيل لفكرة المقاومة لاسترداد الحق المسلوب.

هذه الرواية بالإضافة إلى رواية «ظل الغيمة السوداء» كانتا السبب في منح كاتبهما الأسير شعبان حسونة عضوية اتحاد الكتاب الفلسطينيين عام 2005، فرغم أن الأسر اختلس من عمره 22 عامًا داخل الغرف الرمادية إلا أنه استطاع أن يُلونها بكتاباته التصويرية القائمة على الشفافية والخيال الواسع.

وعلى مد سنوات الأسر كان يُسرب كتاباته خلسةً بعيدًا عن أعين السجانين في كبسولات ورقية كل واحدة منها لا تكبر عن حجم نصف كف اليد، وكان قد سرب روايته «ظل الغيمة السوداء» في عشر كبسولات بخط دقيق جدًا، عالجت قضية السقوط في وحل العمالة مع الاحتلال، وكانت تُناقش بعض المفاهيم الخاطئة التي تُقحم أسرة العميل في ذنبه.

المصدر قليقيلية تايمز