أدب السجون.. إضاءات داخل العتمة

الصورة:

إبداعات فريدة الملمح، تغرف من مخزون قلم هو مزيج نفثات وخطرات وآهات، مجبولة بترنيمات عوالم الروح الغارقة في التأمل وبمفردات التجربة المريرة..

هكذا يوصف بعض النقاد والمحللين ماهية الأعمال الروائية التي كتبها مثقفون كثر، يوما ما، بينما كانوا يقبعون خلف قضبان السجن، إذ سجلوا فيها ومعها، أروع نماذج تجاربهم، ومن بينهم صنع الله إبراهيم،الذي قال في أحد حواراته، إنه غير نادم على الفترة التي قضاها في السجن، بل يرى أنه مدين إليها كونها أتاحت له القدرة على التفكير بصفاء، ومراقبة البشر والتعرف إلى سلوكهم.. فهل حقا، يُمكن القول إن تجربة السجن لدى الكاتب، نبع خصب، كونه يستفيد من زخمها، وينجح في ترويضها وتشكيلها؟

لا يتردد روائيون كثر، عايشوا واختبروا تجربة السجن، في التأكيد ضمن أحاديثهم، على انهم يحنون إلى ذكرى فترة السنوات التي قضوها في السجن، ونجدهم يروون سيرا وحكايا لا تنتهي، عن دورها في صقل مستوى خبراتهم، ومدهم بأدوات ومهارات الرواية المتقنة، المحاكية روح الواقع، وكذا النضح من عمق الوجدان الانساني.

هزيمة السجان

تعرضت نخبة من الكتاب والمفكرين والأدباء، إلى ألوان القهر والظلم، من خلال السجن، سعياً إلى كسر حدة أقلامها وتأطير رؤاها، ومنعها من التعبير عن الوجدان المجتمعي بجرأة وشفافية، ومن بين أبرز الأسماء في هذا الصدد: صنع الله إبراهيم، جمال الغيطاني، مصطفى أمين، عبد الرحمن الأبنودي. إذ ذاق هؤلاء مرارات الاعتقال والحبس.

لكنهم انتصروا، في النهاية، على سجانهم عبر تحويلهم تلك المواقع خلف القضبان، إلى مرتع فكر وتأمل، بل وزوادة ثرية المكونات، تحصن تجربتهم الإبداعية، فتهزم توليفة القهر والكبت، لتحول الظلام فضاءات نور توقد جذوتها بقوة، فتشع كاشفة غوامض وخبايا الحياة خارج السجن، معززين إيمانهم، خلالها، بقدرة الكلمة الحرة على مواجهة الظلم، والتصدي لطغيان الحاكم المستبد.

«عريان بين الذئاب»

تحكي الأديبة سلوى بكر، عن رأيها في شأن سمات وتاريخ « أدب السجون»، مبينة أنه ظاهرة أدبية قديمة، إذ إن وجود القهر الإنساني والاستعباد، دائما ما كانا السبب في وجود هذا النوع من الأدب. وتشير سلوى إلى أن أول من كتب عن أدب السجون في مصر، هو محمد شكري الخرباوي، وقدم كتابا بعنوان: «55 يوما في مخبأ».

وتضيف: «إن من أبرز الكتاب الذين مروا بهذه التجربة، أيضا، الروائي صنع الله إبراهيم الذي عبّر عن تجربة سجنه، من خلال رواية «تلك الرائحة».. كما أن الاديب الراحل عباس محمود العقاد، تعرض للسجن، بتهمة سب الذات الإلهية. ونجد أن بعض المناضلين، وليس الكتّاب فقط، خلقت فيهم تجربة السجن، الرغبة في الإمساك بالقلم؛ لتسجيل التجربة التي مرّوا بها، ومن بين هؤلاء فخري لبيب، الذي عبّر عن سجنه، من خلال كتاب (عريان بين الذئاب).

وتستعرض سلوى بكر، قيمة أدب السجون، لافتة إلى انه يسجل معاناة الإنسان في زمن ما، وداخل السياق التاريخي الخاص بهذا الزمن، حتى لا ننسى، وموضحة أنه أدب يمثل ظاهرة في مجتمعاتنا العربية، تتعلق بالقمع السياسي، وواصفة هذا الأدب بأنه أدب مؤلم ويضغط على الروح. كما تتحدث عن تجربة اعتقالها: «تعرّضت للاعتقال مع مجموعة من المثقفين والصحافيين، بتهمة محاولة قلب نظام الحكم، وتحريض العمال على الإضراب، خلال حكم الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك..

وعلى الرغم من أن تجربة اعتقالي لم تستمر سوى 15 يوما، قضيتها في سجن القناطر، فإنها كانت غنية، إذ التقيت بالسجينات ووجدتهن في صورة وهيئة سببت لي صدمة بالغة, إذ رأيت جانبا لم أشاهده من قبل، في المجتمع المصري،باعتباره بعيدا عن الأضواء، ولا يُرى في الحياة اليومية العادية، وهو ما دفعني إلى الكتابة عن المسجونات كضحايا، وعن أشكال التمييز الموجودة في المجتمع، فكانت كتابة أدبية بعيدة عن السجن السياسي، كما كتبت أيضا رواية لتبيّان حقيقة أن القمع السياسي لا يستجيب من الوهلة الأولى».

حكاية ثلاثة مقالات

يؤكد صلاح عيسى أن أدب السجون، نموذج لأصدق الكتابات التي يكتبها صاحبها، فهو ناتج عن معاناة حقيقية، يحياها مؤلفها ولا يستطيع أن يعبّر عنها، إلا من خلال الورقة والقلم، ليصوّر معاناته داخل السجن.

ويروي عيسى حكايته مع أدب السجون فيقول: «في عام 1966، نشرت ثلاث مقالات في إحدى المجلات اللبنانية، تحت عنون «ثورة 23 يوليو بين المسير والمصير»، وبعدها أمر الرئيس جمال عبد الناصر، باعتقالي، بتهمة الإساءة إلى الثورة ولشخصه، ووضع العيب في النظام الاشتراكي.

وذلك رغم أن قصدي لم يكن أبدا الإساءة إلى الثورة أو إلى شخص الرئيس الراحل، بل كان لتوضيح الوضع السياسي غير الديمقراطي، الذي كانت تعانيه مصر.. وأود أن أشير هنا، إلى أنني، وفي الفترة نفسها، كنت منضويا في إطار تنظيم تنظيم سياسي سري».

ويتابع عيسى، ساردا ملامح وجوانب ما مر به، أثناء تلك الفترة: «نقلت إلى سجن الاستجواب الموجود في سجن القلعة، والذي تنفصل فيه كل علاقة للإنسان بالعالم الخارجي، فلا صحف ولا مذياع ولا أهل أو أصدقاء، وبقيت على تلك الحال، حتى نقلت إلى سجن طرة، فبدأ يحدث الاختلاط بيني وبين المساجين اليساريين والإسلاميين..

وكان الحصول على الكتب، من ضمن الصعوبات التي تواجهنا؛ ذلك بفعل تشديد إدارة السجن على عدم دخول أي أوراق أو كتب إلى المساجين، وكان الحل الوحيد أمامنا، التحايل على إدارة السجن، بزعم أننا نريد إعادة التقدم إلى امتحانات الشهادة الثانوية العامة، بغرض تحسين المجموع الكلي، وبهذا الإجراء كنا نستطيع إدخال الكتب إلى السجن».

صالونات ثقافية «سجنية»

وعن طبيعة قراءاته، وكيفية إثرائها مخزونه الإبداعي، يقول عيسى: “بدأت أكتب في السجن بعد أن تزودت بقراءات مهمة لكتب تاريخية وسياسية متنوعة، وكنا اعتدنا، نحن السجناء، إقامة فعاليات صالونات ثقافية في السجن، واستمرت هذه النشاطات، إلى أن خرجت منه.. ولكن سرعان ما عدت إليه، مرة أخرى، بتهمة توزيع المنشورات في التظاهرة الطلابية التي خرجت، احتجاجا.

وتعبيرا عن الغضب الشعبي لنكسة 1967، فعندها غضب عبد الناصر، وأقسم أنني لن أخرج من السجن طوال الفترة التي يكون فيها على قيد الحياة، فاتخذت من القلم والورقة خنجرا لأقتل به الهزيمة، ونشرت 15 مقالاً .. تحت اسم مستعار في جريدة (المساء)، وألفت 72 رواية ومجموعة قصص قصيرة، جمعتها في كتاب :

(بيان مشترك ضد الزمن)، إلى أن توفي ناصر، وخرجت من السجن متمنيا أن نحيا عصرا ديمقراطيا مختلفا عن ذي قبل، ولكني وجدت أن الوضع لم يتغير كثيرا في عهد السادات، واعتقلت شهورا عديدة، إلى أن أتى عهد الرئيس مبارك، فقرّرت التفرغ التام للصحافة والبحث التاريخي».

«أصعب المراحل»

تصف الكاتبة فريدة النقاش، رئيسة تحرير صحيفة الأهالي، فترة اعتقالها، بأنها من أصعب المراحل التي مرّت بها في حياتها، ففي الوقت نفسه، كان زوجها رهن الاعتقال، وتوفي أخوها أثناء اعتقالها، مؤكدة أنه لم يهوّن عليها الأمر، إلا إيمانها بالإصلاح الذي كانت تسعى إليه، مشيرة إلى أنه في المرة الاولى التي سُجنت فيها، كان معها 24 امرأة، ومن بينهن الكاتبات: نوال السعداوي ولطيفة الزيات وأمينة رشيد”.

وتلفت فريدة إلى أنه، ولكثرة اعتقالها، كانت حقيبة السجن لديها، جاهزة دائما، إلا أنها، ورغم هذا، لم تنقطع عن القراءة طوال فترات الاعتقال، وخاصة قراءاتها المعميقة في مجال التاريخ المصري والسياسي عموما. وتختار هنا الاشارة الى تجربة محددة في ما تعرضت إليه من اعتقالات، إذ انها سجنت عقب قرارات سبتمبر الأسود، ووضعت في عنبر يطلق عليه اسم:

(عنبر الجرب)، فتعرفت فيه على صوت الفنانة عزة بلبع، والتي كانت تغني مع الشيخ إمام عيسى، ثم اعتادت، حينها، هي وزميلاتها، على تنظيم برنامج ثقافي، يشارك الجميع فيه، فيجري النقاش عبره، حول كتاب أو موقف ما.

وتتابع: “أردت تخليد هذه الذكرى وتلك التجربة، فألفت كتاب (السجن دمعتان.. ووردة)، كتبت فيه ما أضحكني وما أبكاني”.

خيوط الظلام

يتطرق الكاتب التونسي سمير ساسي، الى تجربة سجنه، على أساس ما أفادته به من إنضاج لخبراته، وصقل لإمكاناته، ويوضح أنه بقي مسجونا لأكثر من عشر سنوات، بينا كان في مقتبل العمر، وذلك بتهمة الانتماء إلى جمعية غير مصرح لها.

ويضيف: “كنت في ذلك الوقت، ضمن الفريق الطلابي التابع لجمعية النهضة.. ونجحت، فعليا، في الانتصار على السجن، لأنني لم أدعه يهزمني، فحركت جذوة الإبداع في مكنوناتي، وصقلت معارفي وخبراتي، ومن ثم كتبت وانا في السجن، رواية “خيوط الظلام” التي تفضح السجون التونسية في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، حيث وصفت من خلال هذه الرواية، أصناف التعذيب التي تتم ضد المسجونين”.

ويبين ساسي، إلى أن فترة التسعينيات من القرن الماضي، شهدت تعرّض الكثير من المثقفين والناشطين التونسيين، إلى السجن السياسي، ويسترسل: “كان أمامي خياران؛ إما الرضا بما يعرضه الجلاد أو الصبر، والصبر أيضا كان نوعين، إما السلبي منه أو الإيجابي، فاخترت النوع الثاني.

وهو الصبر الإيجابي الذي قرّرت أن أحوّله إلى صبر جميل وإبداع جمالي، وحاولت أن أعبّر عن تجربة السجن في البداية من خلال الشعر، ولكن لم تستطع القصائد أن تحكي بعمق عن هول ما رأيت، فكان الحل الأمثل عن طريق الرواية، وبذا خرجت “خيوط الظلام”.

ويختم الروائي التونسي مؤكدا على أن هذه التجربة، لا تزال محفورة في وجدانه، ولا يمكن نسيانها، فالإنسان لا يستطيع أن ينسى كرامته التي أهينت، فما كان خلالها، أشياء لا يمكن محوها من الذاكرة، إلا انها، لا يجب ان تكون عائقا أمام استمرار الحياة، بل حافزا على العطاء.

المصدر البيان

عن adminis

شاهد أيضاً

في الذكرى العاشرة لرحيله: قدور اليوسفي واعتقال والدي الحاج الجيلالي لعماري بقلم عبد الله لعماري

الحلقة الثالثة اعتقال والدي الحاج الجيلالي بأمر من قدور اليوسفي. الطريقة التي دخل بها البوليس …

من دروس السّجن-الدكتور خميس الماجري

لستُ ممّن يشاهد المسلسلات لأنّها تسلسلك عن طاعة الله عز وجل، غير أنّه ـ بحكم …

مناقشة هادئة مع من بيده الملفات الخاصة مجموعة أطلس إسني نموذجا ؟؟؟؟ الجزء الأول بقلم زكرياء بوغرارة

مناقشة هادئة مع من بيده الملفات الخاصة مجموعة أطلس إسني نموذجا 28 سنة سجنا … …

جدران العزلة مع سن قلم”.. لماذا يجب أن نقرأ في أدب السجون؟

لا نعرف تحديدا متى ظهر مفهوم السجن في تاريخ البشر، لكن يبدو وكأنه أينما ظهرت …

كلمة في تأبين المعتقل الإسلامي السابق احمد شهيد بعد رحيله بقلم عبد الله العماري

كلمة في تأبين المعتقل الإسلامي السابق أحمد شهيد بعد رحيله بقلم الأستاذ :عبد الله العماري …

ربح البيع يا شيخ شعيب ربح البيع

ربح البيع يا شيخ شعيب ربح البيع  بقلم زكرياء بوغرارة  مشرف موقع ادب السجون إنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *